العنوان الهبة
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2013
مشاهدات 70
نشر في العدد 2064
نشر في الصفحة 46
السبت 03-أغسطس-2013
- القرابة بالرضاعة تشريع رباني وحل إنساني لمجهولي الوالدين.
- احتضان الأطفال مجهولي النسب داخل أسر ترعاهم الحل الأمثل لهذه المشكلة.
- قال أحد مجهولي الأبوين متزوج من مثيلته: يوم العيد أسوأ الأيام التي تمر عليهم حيث لا يجد صغارهم أقرباء لهم على الإطلاق.
رأيتها وهي تعتلي المسرح، فرحة، سعيدة، ممتنة، فشدت بصري، وسلمت لكلماتها سمعي، سيدة في الثلاثينيات من العمر، قالت بسرور: لقد فعلتها، نعم فبعد حرماني من الإنجاب لسنوات عدة، قررت وزوجي احتضان طفل من دور رعاية الأيتام، وهم مجهولو الأبوين، بعد تيقني أن منهم شرعيين لتعدد أسباب استغناء الآباء والأمهات عن ذويهم، وأهمها الفقر، والطلاق، وعدم تحمل الوالدين المسؤولية، وغيرها كثير.
وكنت أرغب في تبني صبي، وأردت أن يكون لي محرمًا، فشجعتني زوجة أخي على هذه الخطوة، الصعبة الميسرة، وكانت على وشك الولادة وأرادت أن ترضعه مع ولدها حتى أصير عمته بالرضاعة، وبالفعل تم كل شيء بسرعة، وأحببت الطفل وتعلقت به.
وتمنيت أن أكون أمه بالرضاع، وتحقق أملي، قالت ذلك وأساريرها متهللة، وقد أثار ذلك وجهها، وأردفت قائلة: علمت عن إمكانية إدرار لبن بثديي، عن طريق العلاج، وسألت الفتوى فأجازت ذلك ولم تمنعه، على شرط عدم إيذاء المرضع ولا الرضيع، وبالفعل أكرمني الخالق بلين حقيقي مني، فأرضعته على الفور، وكم كانت سعادتي وأنا أحتضنه، فقد شعرت بأنني قد ملكت الدنيا بأسرها، وزاد تعلقي به وكأني أمه، بل أنا بالفعل أمه بالرضاع، فهي هبة من الخالق مغلفة بالرحمة، لكلينا، قطع حديثها دخول طفل صغير علينا متهللًا: ماما .. ماما، وتعلق بكلتا يديه بالمتحدثة الحاضنة له.
الحاجة للحنان:
تذكرته تذكرت هذا الطفل، ربي وكأنه، هو أركبتني ذاكرتي على الفور قاطرة الزمن، حيث حجرة المواليد الرضع، عند زيارتي لدار من دور الأيتام مجهولي الوالدين، فقد حملت طفلًا يشبهه تمامًا، وتشبث بكلتا يديه يحيط بعنقي، ما يود مني سوى إسباغ العطف بيدي على رأسه وجسده النحيل، وعند رحيلي، لم أتمكن من فك قبضة يديه الصغيرتين إلا عن طريق معاونة اثنتين ممن يتولون رعايتهم، مع بكاء، وصراخ من الطفل ألا أتركه.
ثم ذهبت في جولة تفقدية إلى الأعمار المختلفة من هؤلاء الأطفال، فوجدت رعاية مادية تفوق رعاية الكثير من الأطفال الشرعيين داخل بيوتهم الأسرية، كل شيء لديهم، ومن أجود الأنواع، إلا الاحتواء الفطري الحقيقي، وعندما سألوني ما رأيك عند نهاية جولتي، قلت لقد رأيت اليوم أمساخًا لأطفال، لن يكونوا طبيعيين، ولا مندمجين في مجتمعاتهم، هؤلاء الأطفال في حاجة ماسة إلى أسر طبيعية أساسية، كما علمنا ﷺ، عندما أقام الحد على أم الطفل، طلب من أحد الحضور أن يتولى شؤون صغيرها من الزنا، ولم يفرضه على أحد بعينه، فإن الحنان والعطف ليس له جنس ولا لون، بل هي رحمة يتفضل الله بها على من شاء من عباده.
أسوأ الأيام:
قالت السيدة المسؤولة معلقة على كلماتي، بالفعل يتحدث معي الكثير من هؤلاء الشباب بعد زواجهم، أن يوم العيد بالنسبة لهم أسوا الأيام التي تمر عليهم، حيث لا يجد صغارهم أقرباء لهم على الإطلاق، ويسألون بإلحاح عنهم، فإننا نزوج الشباب من الفتيات في الدار، والاثنان مجهولًا الهوية، مبتورًا الأقارب.
أيضًا شكا لي شاب منهم سافر للحصول على أعلى الشهادات، وتحدث معي قائلًا: أن نسبي المجهول يلاحقني أينما كنت، ففي كل مناسبة يتحدث أصدقائي عن أهاليهم، وأقربائهم، فأشعر بغصة في حلقي، ونقرة في قلبي، فتكسوني تعاسة، ستلاحق والدي أينما كانا، لتكبلهما أجلًا أم لاحقًا.
احتضان طفل:
أفقت على أخت ثانية تروي تجربتها، فجاءت مركبة الزمن إلى حيث حاضري ولحظتي، روت المتحدثة أن زوجها لا ينجب، وقد شجعها على ضرورة احتضان طفل، مع إرضاعه منها عن طريق إدرار الحليب، وبالفعل وهب الله لنا طفلة جميلة، وقمت بإرضاعها وهي اليوم بلسم راحتنا وسبب بسمتنا، لا حرمنا الله منها، وكانت الطفلة تنام بوداعة واطمئنان بين يديها.
وثالثة قالت: إنها تنتظر دورها بشغف ودعاء، وقد قامت بتحضير خمس قنينات من حليبها وتحتفظ بهن في المجمد «الفريزر» لحين وجود رضيع يهبها السعادة ما بقيت، نظرت حولي الجميع فرح مسرور وكأنه يوم من أيام العيد، إن بكى طفل ابتسم الحضور فرحًا بوجوده، لقد بعث لقاء الطفل بأمه المرضعة الأمل بمستقبل مشرق لكليهما، وكل ذلك بفضل هذه الفكرة وهي إمكانية إدرار الحليب لسيدة حرمت من الأطفال لترضع به طفلًا هو في أمس الحاجة للرعاية، فتكون له أمًا بالرضاعة أهلها أهله.
القرابة بالرضاعة:
كان رجوعي مع الفاضلة أنيسة الجار الله صاحبة دعوتي لحضور المحاضرة القيمة ذات العنوان المعبر «القرابة بالرضاعة تشريع رباني، وحل إنساني لمجهولي الوالدين» والفعاليات التي تلتها، وهي رئيسة «مجموعة كيان التطوعية لتشجيع احتضان مجهولي الوالدين من رعايا دور الأيتام» وقد سمعت منها عجبًا بحكم تواجدها بين الأيتام لفترة ليست بالقصيرة، حيث قالت ونحن في سيارتها: ينتابني الذهول عندما يتكرر حمل الأم الحاضنة بمجرد احتضانها لطفل، وإحاطته برعايتها، ولا أدري في حقيقة الأمر سببًا لذلك سوى مكافأة الرزاق لهما ومباركته لفعلهما، قلت لها: إني لما قلت فقيرة لقصة تابعتيها بنفسك، فقالت وهي تنظر للأمام وتقود سيارتها بثقة: نعم طلب والدان احتضان طفل من الدار، وكانا متزوجين منذ ستة عشر عامًا، ولم يرزقهما الرحمن بطفل، وبعد الإجراءات الروتينية، تمت الموافقة على منحهما طفلًا بمجرد توافره بالدار، وإذ بالزوج يتعجل الحصول على الطفل، فقد بشره الطبيب بحمل زوجته بعد تلك السنوات الطوال، ويريدها أن ترضع الطفلين سويًا، فقلت له: وبعد أن أكرمك الله بطفل هو ابنك ومن صلبك، لماذا تريد طفلًا آخر، فقال بامتنان شديد لعطاء خالقه، لن أرجع أبدًا فيما انتويت، فلعل نيتي لهذا العمل الصالح، هو المفتاح الرئيس لفك كربي.
حل أمثل:
وبالفعل أرضعت زوجته الطفلين في نفس التوقيت، وها هي صورتهما ووالدتهما تحتضنهما معًا نظرت للصورة، وتسبقني عيناي لرؤية وتخمين من منهما الطفل الشرعي ومن بالرضاع، وسبحان الله لم أتمكن أبدًا، فالاثنان ولداها نفس حنان حملها لهما، وتيقنت أن هذا هو الحل هو حل أمثل لرعاية هؤلاء الأطفال، فهم بدون ذنب لهم ولا جريرة يجدون أنفسهم في هذا الوضع، الذي لا يوصف من صب الحزن عليهم صبًا، فقلت لها بزهو: وسيجدون بالتالي الأخوة والأخوات، فأكملت والأخوال والأعمام، فقد أصبح لهم أقارب كثر.
أطفال شرعيون:
سألتها بتردد: هل بالفعل يأتي لدور رعاية الأيتام أطفال شرعيون، قالت: سأروي لك قصتها، فهي تجيب على هذا السؤال، وجدوها طفلة لم تتعد سبع السنوات مع سيدة تتسول، وعندما توقفت سيارة الشرطة بقربهما، أطلقت السيدة لساقيها الريح وبقيت الصغيرة لا تتحدث العربية، وتتلعثم بالهندية وجاؤوا بها لدينا، وبعد محاولات، استطعنا معرفة اسمها كاملًا، وفي اليوم التالي كانت صورتها واسمها منشورين لمن يستطيع التعرف عليها، ولم يتأخر الرد كثيرًا، فقد اتصل بنا أحد المديرين، وقال: هذا الاسم لشاب كان يعمل لديه بالمقاولات، وحدث له إبعاد بسبب عدم توفر شروط الإقامة، ولديه رقم تليفونه، وبسرعة اتصالنا بسفارة بلده، واتصل الأب بنا ولم ينكر أبوته للطفلة، وروي لنا عجائب الدنيا التي نقطنها جميعًا، وكأن كلًا منا بأسرته وأهله هو الدنيا، وما هو إلا قصة من بلايين القصص والحكايات، قلت لها بشغف وكأني أريد قصتها منسوخة في ذاكرتي بسرعة: زيديني يا أختاه فأكملت:
هذا العامل تزوج بفتاة فلبينية، زواجًا شرعيًا، وأنجبت له الطفلة، ثم حدث الإبعاد فسافر بلده وترك زوجه وابنته، وانقطعت عنه أخبارهما، ثم تزوج واستقر وانشغل بنفسه، وأسرته ولم يبذل جهدًا في تتبع أخبار ابنته وأمها، وشاء الله أن يحرم من الإنجاب من زوجته الجديدة.
قصة الطفلة:
أما ما حدث للابنة وأمها الفلبينية، فقد بذلنا جهدًا كبيرًا للتعرف على الخيوط الأخرى التي كانت سببًا في حياكة قصة هذه الطفلة، علمنا أن الأم الفلبينية قد سافرت بعد ولادة طفلتها بقليل بعد أن تركت رضيعتها لدي صديقتها الهندية، ثم انقطعت أخبارها تمامًا هي الأخرى، وقذف سبحانه الرحمة في قلب الهندية لتقوم بنفسها مع عملها الشاق، برعاية هذه الطفلة التي لاحول لها ولا قوة، وحتى أنها كانت عندما يشتد بهما الجوع تأخذها لتتسول بها، حتى أذن الله لهذه الطفلة بالفرج عندما اقتربت سيارة الشرطة منهما أثناء التسول.
كان لا بد من القيام بإجراءات كثيرة وطويلة حتى يسترجع الرجل ابنته، وقد استرجعها وفرح بها فرحًا شديدًا، فهي الآن ابنته الوحيدة ليس له غيرها يحول أن يسعدها بأقصى ما يستطيع وحتى زوجته كذلك، لقد صارت الطفلة اليتيمة نزيلة دار الأيتام أميرة بيت أبيها وفرحة عمره، وهنا لا بد أن يثور سؤال بحق: لماذا ترك الرجل ابنته، ولم يبذل جهدًا في السؤال عنها طيلة هذه السنوات، أردفت المديرة: لا تسألي فكل منا محاسب بين يدي قوي جبار، لكن ألا ترين معي أن من عجائب هذه القصة أن الأب عربي، والأم فلبينية، والمربية هندية، هل سمعت أعجب من ذلك؟!
لم تتلق مني ردًا، فقد كنت خاشعة بتذلل بين يدي رب عظيم إن أراد شيئًا قال سبحانه: ﴿ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل