العنوان أخلاقيات الصحوة الواقع والأمل
الكاتب عادل أحمد بابطين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 40
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 16-مارس-1993
الصحوة الإسلامية المباركة التي تعيشها المجتمعات المسلمة حققت ولا تزال تحقق- بحمد الله– تقدمًا كميًا ونوعيًا، فقد استوعبت الأساتذة الجامعيين، والأطباء، والمهندسين، والمدراء التنفيذيين، وأعدادًا غفيرة من الجماهير، ومع المحاولات المستديمة التي تباشرها جهات متعددة لتشويه صورة المنتسبين لهذه الصحوة، إلا أن ممارسة أتباعها لكثير من الأنماط والسلوكيات المتحضرة يدحض تلك الادعاءات، ويمكن أن نُمَثِّل لتلك السلوكيات بما يأتي:
1. حب العمل والإنتاج:
فلا يزال الإسلاميون والذين يعنيهم مصير الأمة ومستقبلها، يتألمون من واقع
المسلمين وتخلفهم عن غيرهم من أمم العالم، فأكثر المسلمين يقطعون أوقاتهم بعيدًا
عن الإبداع والإنتاج. والعجيب أن مؤسساتنا الرسمية لم تحقق نجاحًا في نقل إبداع
الغرب وأستاذيته إلا في فنونه الموسيقية، وحفلاته وأعياده، وأصناف مشروباته
وملبوساته، ودقيق عاداته.
وكأن الغرب لم يفرض احترامه، ويبسط نفوذه
إلا بتلك الفنون والعادات، وهذا من الخلط الذي تمارسه تلك المؤسسات بدعم معنوي من
الغرب في هذه المتاهات، ومع انشغال شعوب الأمة عن غاياتها وقضاياها المصيرية يقف
الإسلاميون ليشخصوا أحد أدواء الأمة، ويُباشروا العمل لعلاجها.
2. التعلق بالمبادئ واحترامها:
فهذا ليس من التعصب، بل من بعد النظر وتبني الأهداف الاستراتيجية. فإن وضوح
الأهداف يجعل المنتسبين للصحوة يتبنون الوسائل المشروعة والفعالة للوصول إلى
غاياتهم بأيسر السبل، كما يَقِيهِم الانحراف عن أهدافهم، وفوق ذلك فإن المبادئ هي
المظلة التي تجمعهم، وهذا كله خير من البراجماتية أو النفعية؛ حيث لا ثوابت، وحيث
إن المصالح متغيرة وغير ثابتة، فإن البراجماتيين مضطربون، بل ومتنازلون عن كثير من
أهدافهم بحجة الواقعية والمصلحة، كما أن تحديد تلك المصالح ليس من الأمور التي
تجتمع عليها الأفهام، بل هي متباينة، وتحتاج إلى قدرات غير طبيعية، وهذا ما لا يتوافر
في جموع الناس. والصحوة الإسلامية تتميز بوضوح الأهداف والغايات، وذلك لوضوح
الشريعة وسهولتها؛ مما يجعل عامة الناس تتفهمها وتتبناها، وهذا كله بتوفيق الله.
3. الإخلاص والبعد عن النفعية:
فالإسلاميون -في مجملهم- متجردون، يظهر من سخائهم في بذل الجهد والمال لنفع الغير
على حساب الذات، وهذا ما يدهش معارضيهم. ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن من أول
منهجهم الرباني ابتغاء ما عند الله دون الالتفات غير المعتدل إلى نتائج هذه
الدنيا، كما أن الشريعة تحملهم المسؤولية بكل أنواعها في مداولة المال العام
والخاص، وفي مناولة الأفكار والمفاهيم، وفي النصح للخلق وحفظ حقوقهم، وكثير من
المقاصد الشرعية السامية التي تتجاوز الفردية الأنانية إلى عموم الإحسان للخلق،
وطلب الأجر من الله. هذه نماذج ثلاث مبسطة، تبين جانبًا مما همشه الإعلام العالمي
والإقليمي، بل تجاوزه إلى التشويه والتزييف. وفي الظروف الراهنة التي تمر بها
الصحوة الإسلامية يجب أن يُعَمَّق في أتباعها كل خلق وسلوك إنساني قويم، وسأمثل
بثلاث صفات تعظم الحاجة إليها:
1-
التسامح
والبعد عن التعصب: فالتباين في مفاهيم
الأفراد والجماعات من الضرورات التي جبل الله عليها الخلق. يجب أن نسلم بهذا
التعدد وإلا اصطدمنا مع حقائق حياتية تفضح مفاهيمنا المضللة عن الحياة. يجب أن
نتوقع أن يخالفنا الآخرون، وعليه يجب أن يكون لدينا تصور مسبق عن كيفية التعامل مع
هذه الحالات لنحقق أهدافنا دون أن نتصادم مع سنن كونية. إن أسلوب الحوار والسماع
من الآخرين مع محاولة إسماعهم وتداول الآراء والوصول إلى اتفاق شامل- يجب أن يقدر بعضنا
بعضًا، وأن نبقي أبواب الحوار مفتوحة، لاسيما في المسائل الفرعية والدقيقة التي
يسع فيها الخلاف.
2-
تقبل
النقد وتشجيعه: أكبر ما يميز مجتمعاتنا حساسيتها من
النقد، وعدم تفهمه، بل والانفعال ضده. ويظهر هذا ابتداء من علاقاتنا البينية في
المجتمع، وصولًا إلى المؤسسات الرسمية التي لا تطيق إلا سماع آيات الثناء
والتأييد. إن انغلاق صدورنا وعقولنا عن تقبل النقد يفوت علينا كثيرًا من المصالح
والنصائح. يجب أن نتأقلم على تقبل النقد، وأن نتوقعه، بل وأن نشجعه مع محاولاتنا
الجدية في أن ندرب ذاتنا وغيرنا على طرق النقد الصحيح ووسائله.
3-
الموضوعية
وعدم الانفعال: وهذا أيضًا من عيوبنا أننا
انفعاليون، وغير موضوعيين. فبعض كتاباتنا وخطاباتنا إنشائية نادرة التقارير
الخبرية والمعلومات المنطقية، وعندما نخاطب عقولًا ذكية يجب أن نتأكد من موضوعيتنا
في الطرح. إن وجود الصواب معنا لا يكفي لكسب جولات المداولة، بل أسلوب إدارة الحوار،
وتناول المعلومات الصائبة والموثقة بأسلوب موضوعي بعيد عن الانفعال قد يكون
مجديًا. إن الانفعال مؤشر على قلة الرصيد وضعف الحجة؛ ولذا يُلجَأ إليه لسد الفراغ
برفع الصوت، وزيادة الانفعال حتى يوفر غطاء لذلك النقص، ولذا نجده يكثر من صغار
السن، ويقل عند الكبار المجربين. ثم شريعتنا الجليلة مطابقة للفطرة ومنضبطة وغير
مضطربة، مما يجعل عرضها بموضوعية أسهل وأنفع. يجب ألا يضطرنا ضغط الواقع، وكثرة
التهديدات أن نخرج عن طورنا، أو أن نتصرف بدون تمام إدراكنا مع ثقتنا بأن الله
معنا، وأنه مظهر دينه. هذا الأمل والثقة في الله يكسب قلوبنا اطمئنانا ورسوخًا عند
الملمات والشدائد، كما أنه يدفعنا إلى الاستمرار والعمل.
هذه صفحات بيضاء سطرتها الصحوة الإسلامية
في تاريخنا المعاصر، والوقت جزء من الحل، وهو لا يزال مع الصحوة، والله تعالى ولي
المؤمنين.
اقرأ أيضًا: