العنوان وساوس شيطانية قبل السقوط
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 25
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-مارس-1993
بقلم: عبد الله المنير
رأيته واجمًا شارد الذهن مضطرب
القسمات خائر العزيمة، فبادرته بسؤالي قائلًا: «أخي على طريق الدعوة ماذا بك؟ وما
هذه العلامات الغريبة المرسومة على محياك؟»، فقال بلهجة ملؤها الألم وبصوت خافت
متحشرج: «أريد أن أترك مجال الدعوة، وأبقى على التزامي بالإسلام عبادة وسلوكًا
فقط».
فراعني هذا القول من أخ صحبته على
طريق العمل للإسلام والدعوة إليه فترة لا تقل عن خمس سنوات أو تزيد، وأفزعني هذا
التفكير الشيطاني الغريب فعاجلته بقولي: «ولماذا يتبادر هذا التفكير إلى ذهنك؟ وما
هي مسبباته؟»، فقال بصوت مضطرب: «لا أخفيك سرًا- يا أخي الكريم- إنني كنت أحمل هذا
الهم وأردد في خاطري هذا الهاجس منذ فترة ليست بالقصيرة، قد تتجاوز السنة، وكنت لا
أبوح به لأحد لعلي أتمكن من التغلب عليه ولكن دون جدوى ومن غير فائدة!».
فسألته: «وما الذي فجر الأمر الآن
وفي هذه الفترة بالذات؟»، فأجاب: «لقد فكرت في نفسي مليًّا وسألتها ما الذي قدمته
للدعوة والعمل الإسلامي منذ التزمت بهذا الإسلام؟ فلم أجد في سجلي الدعوي إلا
صفحات فارغة وأمورًا لا تكاد تذكر، لقد جربت نفسي في أمور كثيرة تتعلق بالدعوة،
وكثيرًا ما كنت أخفق فيها ويصاحبني الفشل. وإذا تجاوزت الفشل ولم أقع فيه أكون غير
متيقن. ثم إني نظرت وتأملت فيمن حولي من إخواني الدعاة فوجدت كلًا منهم يخدم دينه
ودعوته بما يستطيع، فذاك يقدم نفسه وماله، وذاك يبذل وقته وجهده، وذلك بحسن حديثه
ومحاضراته، وذاك بقلمه وفكره، وذاك بكثرة اتصالاته بالناس وحبهم له، ما عدا أنا،
أحسست أنني غريب على هذا الواقع وأنه ليس في جعبتي ما أقدمه، فالتضحية بالنفس
مرتبة لم أبلغ معشارها والقلب متعلق بزينة الدنيا ومتاعها، وتحضير الدروس لا أحسنه
وإن أعددتها فلا أحسن إلقاءها، والكتابة الصحفية لست من أهلها بل أنا مع الأقلام
والأوراق في خصام قديم، فقل لي يا أخي ماذا بقى لي من أمر الدعوة إلى الله لأقوم
به إذا كنت لا أحسن كل ذلك؟ ألا يكفي أن الدعوة تحملتني وحملتني هذه الفترة كلها،
فهل من المروءة أن أعيش بسمعتها وأتمتع بخيرها دون مقابل أقدمه ودون قطرة عرق تبذل
في سبيلها، ألا يدعوني هذا للخجل من نفسي ثم تجنب هذا الطريق لأفسح المجال لغيري
ممن حباه الله العلم والفهم ليستلم الراية فهو من أهلها وبها أجدر».
عند ذلك غضبت في نفسي غضبًا شديدًا
وحزنت في آن واحد لهذا المسلك الشيطاني العجيب الذي ظاهره الرحمة وباطنه من قبله
العذاب، وبعد أن حوقلت واسترجعت وسألت الله أن ينقذ أخي من هذا المنحدر الذي يهوي
إليه، استجمعت قواي وكظمت غيظي وقلت: «اسمع يا أخي- رحمك الله ووفقك إلى
طاعته...»، فقاطعني مسرعًا: «أرجوك.. أرجوك ألا تفتح باب النقاش في هذا الموضوع
مرة أخرى أو أن تحاول أن تثنيني عن قراري الذي اتخذته بعد طول دراسة ومعاناة».
فعلمت عند ذلك أن إبليس- أخزاه الله-
يريد أن يستفزني ويغلق الأبواب في وجهي ويضطرني لمقاطعة أخي وهجره فأكون عونًا له
عليه، فزاد إصراري على بيان الحق لأخي وجلائه لناظريه، وأدركت أنه في فترة أحوج ما
يكون لي فيها فاستجمعت قواي مرة أخرى وهدأت من أعصابي واستعذت بالله من الشيطان
مرارًا ثم قلت: «أخي.. إن الإنسان الفاضل يحفظ وداد لحظة ونحن عشنا معك لحظات
ولحظات بل سنوات وسنوات. أليس لنا في قلبك ذرة من ود تصغي فيها لحديثنا أو حتى ذرة
من صبر تتحملنا فيها، ولماذا لا تعتبر حديثي إليك آخر قطرة من علاج تتناوله، فهو
إن نفع وإلا لن يضرك».
حينها انتبه صاحبي لنفسه وغلطه وقال
معتذرًا: «ما أردت من إسكاتك إنكار فضلك- حاشا لله- ولكني أرهقت كثيرًا من بحث هذا
الأمر وبالرغم من هذا فقل يا أخي ما في نفسك وستجدني آذانًا صاغية».
بعدها حمدت الله وصليت على رسوله صلى
الله عليه وسلم وتابعت الكلام قائلًا: «يقول المولى عز وجل في سورة القصص لنبيه
موسى والخطاب لكل داعية: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ الآية. (القصص:
35). وعلى أساس هذا الشد والترابط تقوم فكرة الجماعة المسلمة ومن ثم الأمة المسلمة
ولكن الشيطان- لعنه الله- حريص على نزع إحدى العضدين عن الأخرى ليوهنهما ومن ثم
يوهن الجماعة المسلمة»، عندها رد صاحبي معترضًا: «ولماذا نجعل الشيطان- أخزاه الله-
دائمًا هو السبب الأول لمشاكلنا ومصائبنا؟ ولماذا لا تكون من ذوات أنفسنا وقصور
مناهجنا ووسائلنا؟ ألا ترى أن هذا أسلوب العاجزين؟».
فقلت له: «على رسلك يا أخي، إن
قضيتنا لا يؤثر فيها الاختلاف اللفظي فلا مشاحة في الاصطلاح فكون أن مشاكلنا ناشئة
من تقصير أنفسنا أو قصور مناهجنا ووسائلنا فهذا حق أحيانًا، ولكن ذلك القصور منشأُه
الشيطان اللعين أساسًا. أنسيت يرحمك الله أنه صاحب المعصية الأولى- أنسيت أنه هو
الذي فرق بين يوسف وإخوته؟ ﴿مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى
وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ﴾ (يوسف: 100)، بل لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن ما نراه
اليوم بين المسلمين من عداوات وخصومات مصدرها الشيطان ﴿وَقُل لِّعِبَادِي
يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾
(الإسراء: 53)، فهل لك أن تعلم أن ما هداك إليه تفكيرك من الانفراط من سلك الدعوة
والدعاة هو من نزغات الشيطان وتوهيمه».
فهز رأسه مشيرًا بالاقتناع ثم أردف
قائلًا: «ولكن بالرغم من ذلك كله فأنا مقتنع أكثر أنني شخص ملتزم بالإسلام ولست
داعية». فبادرته مستنكرًا مقولته: «ولم هذا الانفصام النكد لديك بين الالتزام
بالإسلام والدعوة إليه؟ ولماذا تريد أن تجعل كلًا منهما في جانب بعيدًا عن الآخر
فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية»، واعلم بارك الله
فيك أن التزامك بشرع الله واقتداءك بنبيه صلى الله عليه وسلم دعوة لدين الله». فرد
مستفسرًا: «وكيف ذلك؟»، قلت: «إن الدعوة إلى الله بالأفعال الحسنة والخصال الكريمة
من أبلغ الدعوات وأنجحها، فكم مفوه من الدعاة يقول فلا يستجاب له، وكم من خطب
ودروس تلقى لا يتجاوز أثرها الآذان، وكم من فعل حسن واحد من رجل مخبت استجاب له
المئات بل الألوف، وتأمل سير الصحابة والتابعين والدعاة الصادقين على مر العصور
تدرك ما أقول. أخي: ينبغي أن تعلم أن صدقك مع الله ونفسك والآخرين دعوة إلى الله،
وأن تفوقك الدراسي أو الوظيفي دعوة إلى الله، بل إن جميع حركاتك وسكناتك إذا راقبت
الله فيها وأخلصتها له دعوة إلى الله، فترى الناس يحبون الإسلام من خلالك ثم
يلتزمون به من غير أن تتوجه لهم بكلمة واحدة، كيف وأنت تستطيع أن تقدم الكثير
والكثير، ثم لا تنس أن الله قد أعطاك الموهبة الفلانية والفلانية فلم لا تسخرها في
الدعوة إلى الله؟»، حينها رفع صاحبي رأسه وكأنه يصحو من نوم عميق وقال: «ما أجمل
هذه الكلمات والمعاني ولكن ألا تشعر أن هذا قليل في حق الدعوة التي قدمت لنا
الكثير؟»، فقلت له: «بل لو قدمت أقل من ذلك لقُبلت، فالأم لا تتخلى عن ابنها ولو
عقها، وأريدك أن تدرك أن بقاءك في صف إخوانك وحبك لهم ودفاعك عنهم وتكثير سوادهم خير
من مجانبتهم لتقف وحدك، والذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية، فمد يدك يا أخي لي
ودعنا نغادر هذا التفكير وتفارق هذا المكان»، فنظر إلي مبتسمًا متهللًا وقال:
«أفعل إن شاء الله».
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل