العنوان التكافل الاجتماعي
الكاتب د. خليفه حسين العسال
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993
مشاهدات 144
نشر في العدد 1063
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 24-أغسطس-1993
من أهم سمات الأمة الإسلامية ولازم من لوازمها، بل هو من أهم لوازمها، وهو شعور الأفراد جميعًا بمسؤولية بعضهم عن بعض، وأن كل واحد منهم حامل لتبعات أخيه ومحمول على أخيه، يُسأل عن نفسه ويسأل عن غيره، وهذا في الواقع قانون من قوانين الاجتماع الراقي وعنصر من عناصر الحياة الطيبة يتوقف عليه كمال السعادة، بل هو الأساس في حياة الأمم وبقائها عزيزة كريمة متمتعة بهيبتها قائمة بواجبها، ولا يتحقق التكافل إلا بتعاون الأفراد بعضهم مع بعض في دفع الشر عنهم وجلب الخير لهم قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ (المائدة: ٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أخُو
المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ
اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه
كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ
اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ. وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في
عَوْنِ أَخِيهِ،» (رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود).
التكافل نوعان: مادي ومعنوي
فالمادي يتحقق بإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف
وتفريج كربة المكروب، وتأمين الخائف وإشباع الجائع، والمساهمة العملية في إقامة
المصالح العامة، وقد دعا القرآن الكريم إلى هذا النوع من التكافل وحث عليه واستنهض
الهمم فيه، وأطلق عليه جملة من العناوين المحببة فيه الداعية إليه كالإحسان
والزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الله وغيرها، وأوجبه في أصناف المال كله نقده
وزرعه وماشيته، أوجبه للفقير على الغني وأوجبه للفقير على الفقير تدريبًا للفقير
على الإعطاء ومساهمة في سد الحاجات بقدر ما يستطيع، وأوضح شاهد على ذلك ما شرعه
الإسلام في نهاية شهر رمضان من كل عام مما يسمى بزكاة الأبدان أو صدقة الفطر، وقد
شرعها الإسلام طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين.
وللتكافل المادي مظاهر متنوعة يتضح من خلالها
التعاون بين الفرد وأسرته فهو ثابت في محيطها؛ لأنه قوامها الذي يمسكها. والأسرة
هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وتقوم على الميول الثابتة في الفطرة الإنسانية
وعلى عواطف الرحمة والمودة وفقًا للضرورة والمصلحة وما تقتضيه ظروف الحياة قال
تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: ٢٣) (النساء: ٣٥) (الأنعام:
١٥١). وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي
كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: ٧٥)، و(الأحزاب: ٦).
وإذا تجاوز الفرد محيط أسرته وجد نوعًا آخر من
التكافل بين الفرد وبين أبناء مجتمعه، وليكن مع جيرانه أولًا فعليه أن يرعاهم
ويواسيهم ويعاونهم في الخير ودفع الشر، ولا يكون منه لهم إلا ما يكون به صلاح
أمرهم، ولقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم إيذاء الجار يتنافى مع الإيمان فقال:
«واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ. قيلَ: ومَن
يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بوائقه» (رواه البخاري).
أي لا يأمن من أسباب الأذى الذي يأتي إليه
منه، وذلك يشمل الجار في أي مكان.. في الدار والشارع والمزرعة والمركبة، أثناء
السفر وفي دواوين الحكومة أو المؤسسات العامة وغير ذلك.
ولقد قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين
والأقارب بعبادة الله كما قرن الإحسان إلى الأقارب بالإحسان إلى الجار فقال
سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي
الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا
فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦).
والإحسان إلى الجار يكون بأنواع شتى أدناها
منع الأذى عنه وأعلاها مشاركته في السراء والضراء، وروى أنه صلى الله عليه وسلم
قال: «مَن أغلَقَ بابَه دونَ جارِه؛ مَخافةً على أهلِه ومالِه؛ فليسَ ذاكَ
بمُؤمِنٍ، وليسَ بمُؤمِنٍ مَن لم يأمَنْ جارُه بَوائقَه، أتَدْري ما حَقُّ الجارِ؟
إذا استَعانَكَ أعَنتَه، وإذا استَقرَضَكَ أقرَضتَه، وإذا افتَقَرَ عُدتَ عليه،
وإذا مَرِضَ عُدتَه، وإذا أصابَه خَيرٌ هَنَّأْتَه، وإذا أصابَتْه مُصيبةٌ
عَزَّيتَه، وإذا ماتَ اتَّبَعتَ جِنازَتَه... إلخ» (رواه أحمد).
ولقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم في الوصية
بالجار فقال: «ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه
سَيُوَرِّثُهُ.» (رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود).. وهذه الوصية واسعة في
معناها ومرماها حتى تصل إلى تكوين المجتمع كله وترابطه لا فرق في ذلك بين المسلم
وغير المسلم والقريب والبعيد؛ ومن هنا تنوع الجار إلى ثلاثة أنواع: جار مسلم ذو
رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة، وجار مسلم له حق الجوار وحق الإسلام،
وجار مشرك له حق الجوار.
وإذا تجاوزنا الجيران في المجتمع الصغير إلى
المجتمع الكبير في الأمة، وجدنا التكافل الاجتماعي على أساس بنيانها تتعاون كل
طوائفها في جهودها المختلفة لتتلاقى تلك الجهود في رفعة شأن الأمة وإعلاء قدرها،
والأمة مسئولة عن حماية الضعفاء فيها ورعايتهم، فعليها أن تدافع عنهم عند اللزوم
وتحميهم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا
وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾
(النساء: ٧٥). كما أنها مسؤولة عن أموال اليتامى والمحافظة عليها حتى يرشدوا لقوله
تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكاَحَ فَإِنْ
آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْۖ وَلَا
تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ (النساء: ٦) وقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي علَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ كالْمُجاهِدِ في
سَبيلِ اللَّهِ، أوِ القائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهارَ» (رواه البخاري
ومسلم وأحمد وابن ماجه).
كما أنها مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن
ترزقهم بما فيه الكفاية، فإذا بات فرد واحد منها جائعًا فالأمة كلها تبيت آثمة ما
لم تتحاض على إطعامه، قال تعالى: ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلَا
تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا
لَّمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا. كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ
دَكًّا دَكًّا. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ
بِجَهَنَّمَۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ.
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ
عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ (الفجر: ١٧: ٢٥).
وأما المعنوي منه فيتحقق فيما يكون بين الفرد
وذاته، بتطهير النفس وتزكيتها وإبعادها عن الشهوات، ولا يلقي بها إلى التهلكة، بل
يسلك بها طريق الصلاح والنجاة قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧: ١٠). كما يتحقق بتكافل المسلمين جميعًا بالتعاون
المعنوي فيما بينهم بالتعليم والنصح والإرشاد، وقد أعطاه القرآن الكريم اسمًا
كريمًا يحببه إلى النفوس ويغري به العقول والقلوب فسماه الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا شك أن كلمة المعروف عنوان أخاذ يجذب إليه القلوب ويحمل على الأمر به،
كما أن كلمة المنكر من شأنها أن تشع الشر والفساد وأن تثير النفوس عليهما.
والإسلام يجعل هذا التكافل المعنوي فرض كفاية
على الأمة الإسلامية من القادرين عليه الواقفين عند حدود الله، ورتب عليه الفلاح
المطلق قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤). وقال صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ
النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ
المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» (رواه مسلم والترمذي وأبو داود).
وتحقيقًا لهذا الأمر يجب على الأمة الإسلامية
أفرادًا وجماعات أن تعمل في محيطها على منع الظلم وحماية الفضيلة لقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا. فقالَ رَجُلٌ: يا
رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا
كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛» (رواه
البخاري وأحمد والترمذي).
ذلك لأن الأمة الإسلامية جسد واحد يحس إحساسًا
واحدًا، وما يصيب عضوًا منه يتألم له سائر الأعضاء، وقد رسم له الرسول صلى الله
عليه وسلم هذه الصورة الجميلة المعبرة فقال: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم،
وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ
سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه البخاري وأحمد). كما رسم للتكافل بين
المؤمنين صورة دقيقة معبرة عن دخيلة المؤمن نحو أخيه فقال صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنَ
للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا» (رواه البخاري:6026) وذلك أسمى ما
يتصوره الخيال للتعاون والتكافل في الحياة، مما يمكن الأمة الإسلامية أن تحيا حياة
كريمة بعيدة عن التبعية التي تجر عليها أسباب الخزي والندامة، وتعرضها للانهيار
والانكسار بما تواجه به من مؤامرات سرية وعلنية، قد تتطور إلى حمل السلاح وجهًا
لوجه مع أعداء الإسلام، ولا سبيل للنصر عليهم إلا باتباع الإسلام نصًا وروحًا
فكرًا وعملًا بذلًا وجهادًا؛ حتى تعلو كلمة الإسلام وتتحقق الحرية، ويجد الناس
تحتها ما لم يجدون في أي نظام أو مكان.
وبهذا يتبين أن التكافل يحقق السعادة للأمة،
ويبعدها عن التبعية، ويكفل لها الأمان والاطمئنان، ويبعدها عن شبح التدهور
والانحطاط، كما يبعد القلوب عن الكراهية والبغضاء.
والله ولي التوفيق.
اقرأ أيضًا:
الإطعام والأمن في السياسة الشرعية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل