; محاكمة الإسلاميين في تونس والجزائر | مجلة المجتمع

العنوان محاكمة الإسلاميين في تونس والجزائر

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992

مشاهدات 75

نشر في العدد 1008

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-يوليو-1992

تتزامن هذه الأيام محاكمة الإسلاميين في الجزائر وتونس أمام محاكم عسكرية بتهمة التآمر على الدولة، والتخطيط للاستيلاء على السلطة بالقوة، وإذا كانت ظاهرة اضطهاد رموز الصحوة الإسلامية وأتباعها ليست حديثة عهد، فإن طبيعة هذه المحاكمات التي تُجرى في ظروف سياسية متفاوتة من حيث درجة التوتر، تطرح نفس الإشكاليات المتعلقة بتعامل السلطات في المنطقة المغاربية وخارجها مع الظاهرة الإسلامية.

إسلاميون أمام محاكم عسكرية

فلأول مرة في تاريخ المنطقة تتجه الأنظار إلى محاكمات سياسية في نفس الأسبوع تقريبًا لمجموعات من الحركة الإسلامية في كل من الجزائر وتونس.

ويعود الاهتمام الداخلي والخارجي بهذا الحدث إلى خصوصية طبيعة المتهمين الذين يقفون أمام محاكم عسكرية، فهم يشتركون في الصفة الإسلامية التي ارتكزت عليها تحركاتهم السياسية، وهي صفة ليست غريبة، بل متجذرة في الموروث الثقافي والحضاري لكل بلدان المنطقة.

* لأول مرة في تاريخ المنطقة تتم محاكمات للإسلاميين في تونس والجزائر في وقت واحد

فمن المعروف أن هذه الربوع كانت مصدر إشعاع حضاري إسلامي، وتشهد المعالم القائمة إلى اليوم مثل مدينة القيروان وجامعها الأغلبي (نسبة إلى الدولة الأغلبية التي أقامها عقبة بن نافع)، وجامع الزيتونة المشهور، ومسجد عبدالحميد بن باديس، وجامعة القرويين بالمغرب على عراقة التأثير الإسلامي في صياغة شخصية سكان المنطقة ومحيطها المشرقي والإفريقي، وتكفي الإشارة إلى الدور البالغ الذي لعبه العامل الديني في ثورة المليون شهيد الجزائرية، وفي استنهاض الهمم لمقاومة الاستعمار الأجنبي.

ومما أثار اهتمام الرأي أيضًا أنه إلى جانب الاعتقالات الواسعة والمحاكمات الجانبية لأنصار الحركة الإسلامية في البلدين، فإن هذه المحاكمات السياسية الكبرى تستهدف الصف الأول للقيادات الإسلامية لكل من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر، و«حركة النهضة»- الاتجاه الإسلامي سابقًا- في تونس، مع توقعات العديد من الملاحظين بإنزال أقصى العقوبات عليهم اعتمادًا على تهم متقاربة هي استغلال الدين لأغراض سياسية، والتخطيط للوصول إلى الحكم عن طريق القوة، والتآمر على الدولة، وهي نفس التهم التي لازمت الصحوة الإسلامية عبر مختلف مراحل تطورها.

* تونس تمر بأكبر أزمة سياسية بسبب إصرار النظام على قمع الحركة الإسلامية وإبادتها

صراع مشروعين متناقضين

فالاتهامات ليست جديدة، وإنما الظروف التي تتم فيها المحاكمات هي التي تغيرت سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

ومن أجل فهم الإطار الذي تتنزل فيه المحاكمات اليوم، فإنه من الضروري العودة إلى الخلفيات التاريخية للصراع بين السلطات والتيار الإسلامي في المنطقة.

فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تشكُّلَ مشروع علماني يستهدف الجذور الحضارية الإسلامية للشخصية الجزائرية والتونسية بالخصوص في عهد ما سمي ببناء الدولة الحديثة والمستقلة، ولكن الحملة التغريبية كانت أشرس وأعمق في تونس على يد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة الملقب بـ«أتاتورك تونس»، لاتفاق أهدافهما مع اختلاف في المنهج والوسائل، فبينما اتبع أتاتورك أسلوبًا صارمًا في علمنة تركيا وطمس معالم الخلافة العثمانية، اعتمد بورقيبة أسلوب الدهاء السياسي لتمرير مشروعة التغريبي، مع التركيز على التعليم والمرأة.

أما جبهة التحرير في الجزائر فقد استغلت الزخم الجماهيري، وركبت الموجة الإسلامية، وانحرفت عن مسار الثورة وتوجهاتها الإسلامية الواضحة، في اتجاه اشتراكي– ليبرالي دخيل على هوية البلاد.

وفي زخم هذه التحديات الداخلية المتفاعلة مع التحديات الخارجية (هزيمة ٦٧، وفشل الأيديولوجية القومية) ولد المشروع الإسلامي الذي وضع نصب اهتماماته الأولى التصدي للمشروع التغريبي، مما يفسر العلاقة المتوترة بين مشروعين يختلفان من حيث طبيعة كل واحد منهما إلى حد التناقض، مع اختلاف في حدة الصراع من بلد إلى آخر.

* الصحوة الإسلامية ضحية «فيتو» النظام الدولي

استئصال کیان منافس

فبالنسبة للحركة الإسلامية في تونس اعتمدت شكلًا دمويًّا خلال السبعينيات، ثم تحولت إلى كيان سياسي باسم حركة الاتجاه الإسلامي التي أعلنت عن نفسها في ٦ يونيو (جوان) ۱۹۸۱، لكن هذا الخروج العلني قوبل بحملة من الاعتقالات والمحاكمات، في الوقت الذي اعترف فيه بالحزب الشيوعي التونسي نكاية بالإسلاميين.

وتعقد الوضع السياسي نتيجة تصاعد الأزمة بين التيار الإسلامي والنظام من جهة، وبلوغ رأس الدولة مرحلة أرذل العمر وانفراده المطلق بالقرارات المتضاربة من جهة أخرى.

وبعد الانقلاب الذي قام به الجنرال بن علي وبيان 7 نوفمبر الذي يعترف بالتعددية السياسية، انفرج الوضع خاصة بعد موافقة الحركة على طي صفحة الماضي، والدخول في مصالحة وطنية، لكن سرعان ما تعكرت الحياة السياسية بعد تزوير نتائج الانتخابات التشريعية في أبريل ۱۹۸۹، التي أثبتت فوز القائمة المستقلة التي تقف وراءها الحركة الإسلامية بتأييد شعبي كبير.

ومنذ ذلك التاريخ تمر البلاد التونسية بأكبر أزمة سياسية في تاريخها نتيجة إصرار النظام على محاصرة الحركة الإسلامية، بل أكثر من ذلك اتباع سياسة استئصال لهذا الكيان السياسي المنافس، وإقصائه من اللعبة السياسية، واتخذت الحملة ضد حركة النهضة أشكالًا عديدة ومتصاعدة لسد كل المنافذ في وجهها، مثل عدم الاعتراف الرسمي بها رغم الوعود الكثيرة– الضغط عليها لتغيير اسمها، وسحب الصفة الإسلامية عنها– منع رجالاتها من الدعوة في المساجد بدون رخصة من السلطات– إغلاق صحيفة «الفجر» الناطقة باسم الحركة... ثم حملة من الاعتقالات في صفوف أبناء الحركة والمتعاطفين معها، بلغت حوالي ٣٥ ألف معتقل، ومن جهة أخرى وظفت كل الطاقات والإمكانات في إطار المعالجة الأمنية لهذا الكيان السياسي المعارض، والذي أكد في العديد من المناسبات على تبنيه الإستراتيجي العمل السياسي الشعبي، واستعداده للتعايش مع بقية الأطراف السياسية مهما اختلفت انتماءاتها الفكرية ومشاربها الأيديولوجية، ومورست كل أنواع الضغوط على الأحزاب السياسية المعترف بها، والصحافة المحلية والأجنبية من أجل فرض سياسة تعتيم على ما يجري في تونس، والتنديد بظاهرة «الأصولية»، ولعل حل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان جاء تتويجًا لهذه الأزمة، فقد أصرت هذه المنظمة على استقلالية قراراتها، واتخذت مواقف شجاعة تندد بالتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالملف الإسلامي (تعذيب وحشي، مداهمات ليلية للبيوت)، الشيء الذي أكده تقرير طويل لمنظمة العفو الدولية، نشرت المجتمع ملخصًا مطولًا عنه حين صدوره.

* يتوقع المراقبون صدور أحكام إعدام بالجملة في صفوف الإعلاميين

تهمتا التطرف والإرهاب

ولعل ما جاء في الحديث الذي أدلى به الرئيس بن علي إلى مجلة «مغرب مغازين» الصادرة بباريس في عددها الأخير، يلخص طبيعة العلاقة بين النظام وحركة النهضة، ونوعية التعامل مع الظاهرة الإسلامية على المستوى الإقليمي المغاربي، فقد صرح بقوله: «إن الحركة الدينية المتطرفة التي تمثل أحد فروع الشبكة الدولية للتطرف الديني، سعت عن طريق الإرهاب والاندساس في المؤسسات الجمهورية إلى بث التخريب، ونحن مصممون على مقاومتها، لأن الفتنة والأفكار الظلامية التي تحاول ترويجها تتناقض- ليس مع خيارنا الديمقراطي فحسب- بل وكذلك مع مبادئ الإسلام وقيمه التي تزعم الدفاع عنها».

وأضاف: «سيحاكم الأشخاص المتورطون في أعمال إرهابية والنيل من أمن الدولة، وتيقنوا أننا في تونس لا نحاكم أحدًا على آرائه أو مذهبه أو معارضته للحكومة، وستكون المحاكمة علنية؛ لأنه ليس لنا ما تخفيه.. وفي نطاق الشفافية.. وتونس مستعدة لقبول ملاحظين أجانب يرغبون حضور هذه المحاكمة».

وفيما يتعلق بهذه المحاكمة، فإنها انطلقت يوم الخميس 9 يوليه على مجموعتين تضم عسكريين ومدنيين يقدر عددهم بـ234 شخصًا، أمام محكمة عسكرية في ظروف سياسية تتسم ظاهريًا بالركود، نتيجة وجود قيادات الحركة إما في السجن، وإما في المهجر، وحل رابطة حقوق الإنسان، وانحياز النخبة اليسارية إلى مشروع النظام، وهامشية الأحزاب المعارضة العلمانية، وانشغال الرأي العام بمشاكل معيشية، أو بالملاهي الصيفية تحت تأثير إعلامي مكثف.

أما في الجزائر، فإن الحركة الإسلامية بقيت تعمل في شكل سري– علني حتى جات أحداث أكتوبر ۱۹۸۸، التي برزت خلالها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بمواقف قيادتها الشجاعة في التصدي لآلة القمع البوليسي المدعوم من الجيش والمؤسسة العسكرية التي تمثل السلطة الحقيقية في البلاد.

مقابل ذلك لقيت الجبهة الإسلامية تجاوبًا شعبيًا كبيرًا تجسد في نتائج الانتخابات البلدية ثم التشريعية، ولم يكن هذا التوجه ليرضي أصحاب القرار في الداخل والخارج، فحصل انقلاب على المسار الديمقراطي، واعتقل الآلاف من الإسلاميين، وأبعدوا إلى الصحراء في ظروف قاسية.

توظيف سياسي لمحاكمة الإنقاذ

وانطلقت محاكمة قيادات الجبهة: عباس مدني، وعلي بلحاج، وخمسة  آخرين يوم الأحد ١٢ يوليه في جو سياسي متوتر بعد اغتيال بوضياف وتعيين علي كافي خلفًا له، ولعل حرص المجلس الأعلى للدولة الجديد على حصول المحاكمة في موعدها المؤجل قبل الأحداث الأخيرة دليل على محاولته توظيفها إعلاميًا وسياسيًا، لتحويل الرأي العام الداخلي والخارجي عن ملابسات اغتيال بوضياف، وما يدور من تساؤلات وشكوك حول ما يكتنف هذه العملية من غموض، ومما يفسر قرار السلطات منع الملاحظين والصحفيين الأجانب من حضور المحاكمة، غياب ركائز منطقية من وجهة نظر قانونية للاتهامات التي وجهت لقيادة الجبهة الإسلامية، بل إن لسان الدفاع مازال مصرًا على حضور سبعة شهود من رجالات السياسة، من بينهم غزالي الوزير الأول السابق، وبلخادم رئيس البرلمان السابق.

وإذا كانت السلطات التونسية اختارت الشفافية في محاكمة قيادات حركة النهضة؛ فإنها عمدت إلى تجزئة القضية إلى قضيتين، وانطلاق مداولاتهما في نفس الوقت، وقد أثار المحامون هذه المسألة، وفسروها بأنها محاولة لإجبارهم على الحضور في محاكمة دون أخرى، وسياسة تشتيت الجهود والأنظار تساهم في عدم الإمساك بخيوط القضية من كل جوانبها، مما دفع المحامين إلى تأخير الجلسة الثانية إلى يوم ٢٧ يوليو للاطلاع على الملفات التي لم تسلم لهم إلا قبل وقت قصير من المحاكمة، وأجاب ممثل النيابة حول هاتين المسألتين بأن المحكمة العسكرية وفرت كل الظروف لحصول المحامين على حيثيات الأحداث، والاطلاع على الملف، وأن القانون لا يمنع الفصل إذا رأى ذلك صالحًا للسير الطبيعي للمحاكمة.

إعدامات بالجملة

وتميل توقعات المراقبين إلى اعتبار دور العسكريين فيما سمي بـ«المؤامرة» ثانويًّا، في حين تسلط أقصى العقوبات على المدنيين، علمًا بأن محاكمات المتهمين الآخرين من أنصار الحركة وأبنائها لم تتوقف، وأن الحملة ضد كل مظاهر التدين متواصلة، وآخرها اضطهاد عائلات الموقوفين، والضغط عليهم ومضايقتهم، مثل ما حصل لزوجة علي العريض الناطق الرسمي سابقًا للحركة، والتي تم تصويرها بالفيديو بعد أن تم تجريدها من ثيابها وتعذيبها.

ونفس التوقعات بالنسبة القيادة الجبهة الإسلامية في الجزائر التي تنتظرها عقوبة الإعدام حسب عدة ملاحظين أجانب، علمًا بأن المحكمة العسكرية ببليدا قررت السير في المحاكمة رغم غياب المحامين والمتهمين الذين يحتجون على غياب الملاحظين والصحافة الأجنبية، ويفكر المحامي الفرنسي المختص في القضايا السياسية الساخنة والشائكة «جاك فرجاس» في المشاركة كمحامي الدفاع في هذه القضية بعد أن منع الحضور فيها كملاحظ، مما يعطي لهذه الأخيرة صدى عالميًا كبيرًا، ويحولها من محاكمة للإسلاميين إلى محاكمة للنظام الذي يعاني بدوره من أزمة شرعية.

وبالإضافة إلى الثغرات القانونية القادمة في هذه المحاكمات، فإن نتائجها السلبية ستنعكس على الحياة السياسية بمزيد من انسداد الأفق، واتساع الهوة بين الحكام والشعوب بسبب الخضوع إلى فلسفة النظام الدولي الجديد التي تصر على اتباع سياسة «فيتو» على الصحوة الإسلامية، ومنع الحركات الإسلامية من الاقتراب من منطقة الحكم.

اثنا عشر عامًا لمدني وبلحاج

حكمت محكمة بليدة العسكرية يوم الأربعاء الماضي بالسجن اثني عشر عامًا على كل من عباسي مدني- رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ- ونائبه علي بلحاج، مع أحكام على أعضاء آخرين تراوحت بين أربع وست سنوات.

وقد جاء الحكم وسط رفض كل من المتهمين والدفاع حضور جلسات المحاكمة، وقال الدفاع إنه سوف يستأنف الحكم أمام المحكمة العليا، وتأتي هذه الأحكام المخففة لتلقي مزيدًا من التساؤلات حول توجهات السلطات الجديدة في الجزائر، وأساليبها في التعامل مع التيار الإسلامي في الجزائر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل