; خانة الدين في الهوية الشخصية والأقليات في باكستان | مجلة المجتمع

العنوان خانة الدين في الهوية الشخصية والأقليات في باكستان

الكاتب محمد علي غوري

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 1029

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

  • الإنجليز يعرفون أنهم لا يستطيعون تحويل المسلمين عن دينهم وإدخالهم في النصرانية ولكنهم يستطيعون تضليلهم باسم الإسلام

أثار قرار الحكومة الباكستانية أخيرًا بإضافة خانة الدين إلى الهوية الشخصية الباكستانية ردود فعل واسعة من قبل بعض الأقليات التي حاولت استغلال هذا الأمر بصورة دعائية لتثير بعض القلاقل والمشاكل في البلاد لكن الأمر له أبعاد تاريخية، ودوافع أخرى تحركها أيد خفية لإثارة الفرقة والقلاقل في باكستان.

فقد حكم المسلمون القارة الهندية أكثر من ألف عام وخلال هذه الحقبة الطويلة من التاريخ لم يجبروا أحدًا على تغيير دينه ودخول الإسلام، مطبقين قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256).

وفي نهاية القرن السادس عشر الميلادي خرجت أوروبا من عزلتها إلى بلاد العالم المختلفة، ومن ضمن هذه البلاد القارة الهندية التي دخلتها باسم التجارة فأنشأت شركة الهند الشرقية ولكنها سرعان ما كشفت النقاب عن نواياها الحقيقية، إذ أخذت تتاجر بالأراضي، وهكذا استولت على أراضي كثيرة وطردت سكانها الأصليين منها، كان ذلك في وقت ركن فيه الحكام المسلمون إلى الدنيا وابتعدوا عن مصدر قوتهم وهو الدين وتفرقوا واختلفوا فيما بينهم حتى دب فيهم الضعف، الأمر الذي استغلته القوى الغربية ووجدت فرصتها الذهبية فبدأت تتدخل في شؤون البلاد شيئًا فشيئًا، وبعد أقل من نصف قرن كانت هذه القوى تتحكم في مصير بلادنا، وتقاسمت الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا البلاد الإسلامية، وكانت القارة الهندية من نصيب بريطانيا، وبعد سيطرتها السياسية أخذت تبشر بالدين النصراني.

كانت بريطانيا تعلم جيدًا أنه لا يمكن تحويل المسلمين عن دينهم لذلك ركزت على الهندوس حيث وجدت قبولًا بين طبقة المنبوذين المغلوبة على أمرها، وهي أدنى الطبقات الأربعة في الديانة الهندوسية، وهذه هي الخلفية التاريخية للنصرانية في القارة الهندية، وربما أيد ذلك أن غالبية النصارى في باكستان الآن يعملون كخدم وعمال تنظيف وجامعي قمامة. 

كان ولا يزال الإنجليز يعتبرون المسلمين أعدى أعدائهم؛ لذلك نجدهم على مر التاريخ يحاولون الإضرار بالمسلمين والقضاء عليهم بشتى الطرق والوسائل وليس أدل على ذلك من قضية كشمير التي كان الإنجليز سببًا فيها عندما قاموا بإهدائها للدوجرا غلاب سنغ.

كان الإنجليز يعرفون أنهم لا يستطيعون تحويل المسلمين عن دينهم وإدخالهم في النصرانية ولكنهم يستطيعون تضليلهم باسم الإسلام، ومن هذا المنطلق قاموا بزرع بذور الفتنة القاديانية في جسد الأمة الإسلامية حتى أصبحت هذه الطائفة كالسرطان يهدد المسلمين من الداخل، لقد تعاهد الإنجليز الميرزا القادياني مؤسس هذا الدين الباطل وادعى النبوة وفقًا لإرشادات سادته الإنجليز الذين ربوه وأعدوه إعدادًا خاصًا، ومن ضمن ما كان ينادي به طاعة الإنجليز وترك الجهاد ضدهم لأنهم أولياء أمور المسلمين، وخطر هذه الطائفة لا يخفى على أحد.

وبعد نشأة باكستان وقيامها على أساس الإسلام في عام 1947 طالب المسلمون بإخراج هذه الفئة من الملة الإسلامية واعتبارها غير مسلمة، وفي سبيل ذلك قام الناس بمظاهرات كبيرة ولكنها لم تجد أذنًا صاغية من قبل الحكومة، واستمرت المطالبة واشتدت حتى اضطرت حكومة علمانية مثل حكومة ذو الفقار علي بوتو في عام 1974 إلى الرضوخ لمطالب الشعب وإصدار قرار يعتبر هذه الفئة غير مسلمة.

هناك في باكستان أقليات أخرى إلى جانب القاديانيين منها النصارى والهندوس والسيك والزرادشت، ولكن بفضل الله تعالى لم تحدث أية مشاكل بين المسلمين وهذه الأقليات في أي يوم من الأيام على الرغم من أن باكستان دولة إسلامية تتميز عن غيرها من الدول الإسلامية أنها قامت على أساس الإسلام.

عاشت هذه الأقليات في باكستان عيشة تُحسد عليها حيث كفل لها الدستور والقوانين الباكستانية كافة الحقوق ولم يفرق بينهم وبين الأكثرية المسلمة في شيء، والتعديل الدستوري الذي أجري عام 1974 تطلب صدور بعض اللوائح التنفيذية نصت بعضها على ضرورة ذكر دين حامل بعض المستندات والثبوتيات مثل الهوية الشخصية، واشترطت في المتقدم لها أن يقسم على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وأنه لا نبي بعده.

وفيما يتعلق بجواز السفر فقد جرى العمل على ذكر الدين في الخانة المخصصة فيه منذ مدة تزيد على قرن من الزمان ولم نجد أحدًا احتج على ذلك أو اعترض عليه أو تظاهر ضده، وكان من المفروض أن تخصص خانة للدين في الهوية الشخصية في نفس الوقت، ولكن ذلك لم يتم لأسباب لا مجال لبحثها، هذا وعندما طالب المسلمون والحركات الإسلامية في باكستان بتخصيص خانة للدين في الهوية، عملًا باللوائح التنفيذية الصادرة، تنفيذًا للتعديل الدستوري المشار إليه، قامت قيامة البعض، وكأن الأمر جديد، ولكن الأمر في الحقيقة ليس سوى تحصيل حاصل، وكان يجب أن يتم العمل به منذ مدة طويلة.

بعد قيام باكستان طالبت الأقليات بتخصيص مقاعد لها في المجالس البلدية والبرلمانية، الأمر الذي وافقت عليه الحكومة، وخصصت لهذه الأقليات مقاعد أكثر مما تستحق، حسب التناسب العددي للسكان، وعند ذلك لم نجد أحدًا من المسلمين أو غيرهم احتج على ذلك أو اعترض عليه. 

إن المقصود من تخصيص خانة الدين في الهوية الشخصية هم القاديانيون الذين يتعمدون التشبه بالمسلمين في كل شيء، وليس المقصود منه الأقليات الأخرى، وما ضر هذه الأقليات لو عرفت بالعقيدة التي تعتقدها، فلو مُيز النصراني بدينه هل في ذلك عيب، بل يجب عليه إن كان صادقًا مع نفسه أن يفتخر بما يعتقد، وإن لم يكن كذلك فعليه أن يترك هذا الدين ويتبع دينًا آخر يفتخر به، ثم لماذا يميز النصارى أنفسهم فتجد بعضهم يضيف إلى اسمه المسيح مثلًا نور مسيح وتارا مسيح وعزيز مسيح إلى آخره، والبعض الآخر يتسمى بأسماء أوروبية مثل جوزيف وجورج وبيتر، فإذا كانوا هم أنفسهم يميزون أنفسهم من خلال أسمائهم، فلماذا إذن يعترضون على تمييز الدولة لهم بذكر الدين في الخانة المخصصة لذلك في الهوية الشخصية؟!

إن القاديانيين المقصودين من هذا الأمر يحركون النصارى بذكاء شديد ويصدرونهم في هذه القضية، مع أن هذه ليست معركة النصارى بل معركتهم هم، وكذلك يجب على النصارى ألا يكونوا أداة طيعة في أيدي القاديانيين يوجهونهم حيث شاءوا.

إن الهوية الشخصية تعني تعريف حاملها وتمييزه جسديًا وفكريًا ولا مانع من ذكر الدين في الهوية كما يحصل بجواز السفر وكما يحصل في أغلب دول العالم عند عمل الإحصائيات.

إن أهمية هذه العملية تتضح فيما يتعلق بطائفة القاديانيين فقط الذين- كما سبق أن قلت- من صنع الإنجليز، وهذه الطائفة تتعمد التشبه بالمسلمين لضربهم من الداخل، ومن الضروري لكشف هؤلاء واتقاء خطرهم أن يميزوا على الأقل في الهوية الشخصية.

إن العلاقة بين الأكثرية المسلمة والأقليات غير المسلمة كانت ولا تزال مثالية في باكستان يسودها التعاون والمحبة والتفاهم وفقًا لإرشادات ديننا الحنيف دين الرحمة والإنسانية والسلام. 

ونربأ بالأقليات- وخاصة النصارى- أن تدخل في متاهات، وما يفعله النصارى اليوم في باكستان من إثارة الشغب والمظاهرات سوف يرتد عليهم ولن يضروا إلا أنفسهم..

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

واقرأ أيضًا

الرابط المختصر :