العنوان رسائل الإخاء: بين التضحية والنفعية
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 94
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-مارس-1993
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِۖ قُلِ
الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ
بَيْنِكُمْۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال:
1).
الأنفال هي الغنائم والمكاسب التي يتهافت
عليها الطامعون، وتَشْرَئِبُّ لها أعناق المنتفعين، وهي سبب الخلاف والتنازع
والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق في الدعوات.
ولأصحاب كل دعوة موقفان لا ثالث لهما، فهم
في أول أمرهم مجاهدون دائبون على الكدح والعمل يُضَحِّي كل منهم بكل ما يملك في
سبيل إنجاح الدعوة التي آمنوا بها واعتقدوها، فهم يخسرون كل شيء ويربحون شيئًا واحدًا،
هو تثبيت العقيدة وتوطيد دعائمها، حتى إذا استوثق لهم الأمر وتمكنوا من أسباب
النصر، جاء الموقف الثاني فطالبَ كل واحد منهم بنصيبه في الغنيمة التي غنموها، وود
أن لو ظفر منها بنصيب الأسد، وهنا يأتي دور الفضيلة التي اختُّص بها بنو الإنسان،
وهنا يُعرَف المجاهدون والمخلصون ويظهر الوصوليون والنفعيون، فإذا كانت العقيدة
قديمة وجنودها مخلصين لها، يرون فيها الغناء عن كل ما سواها، استوى عندهم العطاء
والحرمان، وترقبوا الجزاء الأوفى من هذا الشعور النبيل الأسمى، وكانوا بحق جنود
فكرة ومبدأ لا جنود تجارة وانتفاع ومصلحة خاصة، وإذا كانت العقيدة تزلفًا وكان
الجنود مَدخولي الضمائر، ضعفاء النفوس، تكالبوا على هذا المغنم، فوقعت بينهم
البغضاء فيه والشحناء حوله، فهدموا ما بنوا، وتفرقت كلمتهم وذهبت ريحهم، وانتكسوا
وهم أقوى ما يكونون بنيانًا، وأعز ما يأملون انتصارًا.
لهذا سد الإسلام باب الانتفاع الشخصي
بثمرات الجهاد، وضرب على يد النفعيين بتعاليم قوية، فقد طالب بالإخلاص قبل كل شيء،
ثم وعد بالأجر الأخروي بعد ذلك، ثم ترك الغنائم للقائد يتصرف كما أمر الله وحده،
وحدد له دستور الإسلام فيها، ثم الاجتماع على التقوى والإيمان والإصلاح والطاعة
والامتثال. وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعملون لله وما جاء فهو
نافلة.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن
الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل لِيُرَى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» رواه البخاري (5/20).
وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا
ومنع قومًا آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: «وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى
في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إلى ما جَعَلَ
اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخير والغِنَى» رواه البخاري (5/93).
وقال: «إني أعطي قريشًا أَتَأَلَّفُهُمْ، لِأَنَّهُمْ
حديث عهد بِجَاهِلِيَّةٍ» (البخاري: 3146).
حتى إن نَاسًا مِنَ الأنصار قالوا لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال
هوازن ما أفاء، فَطَفِقَ يعطي رِجَالًا من قريش المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله
لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعطي قريشًا وَيَدَعُنَا، وَسُيُوفُنَا تقطر من دِمَائِهِمْ!
قال أنس: فَحُدِّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَقَالَتِهِمْ، فأرسل إلى
الأنصار، فجمعهم في قبة من أَدَمٍ، ولم يدع معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كان حديث بلغني عنكم؟ (...) إني أعطي رِجَالًا
حديث عهدهم بكفر، أَمَا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رِحَالِكُمْ
برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا:
بلى يا رسول الله، قد رضينا، فقال لهم: إنكم سترون بعدي أَثَرَةً شديدة، فاصبروا
حتى تلقوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض». قال أنس: فلم نصبر! (رواه
البخاري: 5/94).
ولقد نزلت هذه الآية الكريمة– آية الأنفال-
حين بدا من بعضهم ميل إلى الاستئثار ببعض ما غنم في غزوة بدر، وكاد الخلاف يقع
بينهم في ذلك فأُنزِلت تبيانًا لهم وإرشادًا، وقد روى البخاري في صحيحه عن بعض
الصحابة رضوان الله عليهم أنه قال ما معناه: «إننا جاهدنا وبذلنا وعملنا فمنا من تُوفي
قبل أن يقبض أجره كَمُصْعَبِ بن عمير رضى الله عنه، ومنا من بقي حتى قبض أجره في
الدنيا فهو ينفق منه لنفسه والناس، والأولون أفضل حالًا وأعلى مرتبة».
ألا تراه ندم على أنه لم يكن من المجاهدين
الذين قضوا كل حياتهم في الدور الأول من أدوار الدعوة وهو دور الجهاد والتضحية.
«وفي هذه الآية الكريمة تنبيه واضح إلى ما
يجب أن يكون عليه أصحاب الدعوات من إيثار التضحية والأخذ بأسباب الوحدة» (حسن
البنا).
«ففي المآزق ينكشف لؤم الطباع، وفي الفتن
تنكشف أصالة الآراء، وفي الحكم ينكشف زيف الأخلاق، وفي المال تنكشف دعوى الورع،
وفي الجاه ينكشف كرم الأصل، وفي الشدة ينكشف صدق الأخوة، ولا ينجو من فتنة الدنيا
إلا نبي أو صديق، والارتفاع فوق مطامع الدنيا يحتاج إلى جناحي نسر لا جناحي فراشة،
فلا يفلح القلب المريض ولو واتته كل فرص النجاح، ولابد من كبوة سريعة تكشف حقيقة
أطماعه ونواياه، والذين تجمعهم دعوة الدين وتفرقهم منفعة الدنيا أناس لم يخالط
الدين شغاف قلوبهم، والذين تجمعهم كلمة الحق وتفرقهم دسائس الباطل مغرورون لم
يعرفوا الحق كما ينبغي، فالكرام يتعاملون بالثقة، ويتواصلون بحسن الظن، ويتوادون
بالإغضاء عن الهفوات» (مصطفى السباعي).
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل