العنوان التسلح النووي بين الهند وباكستان هل وصل إلـى نهاية المطاف؟
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992
مشاهدات 43
نشر في العدد 1007
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-يوليو-1992
إذا كان نشوب حرب نووية في الوقت الراهن
أمرًا واردًا، فإنه يتبادر إلى الذهن أن مثل هذه الحرب قد تندلع في شبه القارةالهندية، ذلك أن الحدود الفاصلة بين الباكستان والهند قد شهدت موجات من التمرد
واندلاع ثلاثة حروب إلى جانب تجنب البلدين مرتين من انطلاق شرارة القتال، وفي
الوقت الذي تتبادل فيه الحكومتان الاتهامات حول تقديم المساعدات للمتمردين في كلا
البلدين فإن الجيشين في حالة تأهب قصوى، بيد أن الأمر الذي زاد من تأجيج نيران
العداء إلى درجة أكثر اشتعالًا من أي نزاعات دينية أو حدودية أخرى في العالم يكمن
فيما ذكرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (C.I.A) بأن كلا من
البلدين يعتبر قوة نووية غير معلنة، وعلى الرغم من أن كلا منهما ينفِي بأن لديه
قنبلة نووية إلا أن الهند قد فجرت قبل ۱۸
شهر ما وصفتها بـ«جهاز نووي» لأغراض سلمية، وقد صرح وزير الخارجية الباكستاني
للمرة الأولى بأن بلاده قد تتخلى عن برنامجها النووي، إن هذا التغير في المواقف أو
البدء في المكاشفة بعد سنوات طويلة من النفي والكتمان يعتبر الخطوة الأولى نحو نزع
فتيل أحد أخطر المواجهات في الفترة ما بعد الحرب الباردة، وقد ظلت الولايات
المتحدة طوال عدة شهور تحاول إجبار الهند وباكستان على الجلوس حول مائدة المفاوضات
إلى جانب روسيا والصين للبدء في البحث عن سبل نزع السلاح النووي في المنطقة، إن
الباكستان متحمسة لحضور تلك المفاوضات في حين تماطل الهند لسبب وحيد وهو أن
المبادرة جاءت من رئيس الوزراء الباكستاني الذي كان أول من اقترح عقد هذا المؤتمر
في يونيو الماضي بحيث يتم خلالها إعلان شبه القارة الهندية منطقة منزوعة السلاح
النووي.
|
* باكستان ترحب بنزع
السلاح بينما تماطل الهند لأن الدعوة جاءت من رئيس الوزراء الباكستاني |
مخاوف متبادلة
وقد خاضت فرق من خبراء باكستانيين وهنود
جولات عديدة في اجتماعات غير رسمية طوال الأشهر القليلة الماضية عن سبل وضع خطط
التحقيق الأمن النووي، وعلى الرغم من كل تلك الجهود فإن هناك من يناوئ الخيارات
المطروحة مثل فكرة الإعلان عن عدم استخدام الأسلحة النووية أو عدم البدء في
استخدامها؛ حيث إن في الباكستان من يتمسك بما يعتقد أنه أحسن رادع للتفوق الهندي
الكبير في مجال الأسلحة التقليدية. ويقابل ذلك اعتقاد في الهند بأنه لا يمكن
التصديق بالوعود الباكستانية، مما يعني أن هناك شكوكًا ومخاوف متبادلة بين
البلدين، غير أن الباكستان قد غیرت من موقفها عندما أعلنت في السَّنَة الماضية عن
عزمها على تجميد برنامجها النووي والذي كان يشمل إنتاج اليورانيوم المخصب، وإدخاله
في صناعة الأسلحة. وقد أكدت الاستخبارات الأمريكية وجود هذا البرنامج وقيام
الباكستان بتجميده.
الغموض والاستفزاز
ولم يقابل هذه المكاشفة من جانب الباكستان
اعتراف الهند بحصولها على قنبلة نووية على الرغم من أن الترويج قد فضحت أمرها
عندما أظهرت أدلة دامغة ومؤكدة بقيام الهند في منتصف الثمانينيات بصرف مياهها
الثقيلة بطريقة غير مشروعة نحو الهند عبر الأراضي الرومانية وذلك لاستخدامها في
برنامج نووي سرِّي.
بيد أن بعض المسؤولين في الهند يطالبون
الحكومة بتسليط الضوء على برنامجها النووي والتخلي عن تكتمها الذي وصفه مراقب
أمريكي أنه ينم عن الغموض الاستفزازي، ويعتقد هؤلاء المسؤولون بأنه يحط من قدر
البلاد كما أنه عامل لعدم الاستقرار.
إن مسألة الخروج عن التكتم النووي أمر قد
يرضي الصقور في الهند وقد لا يدفع المسالمين إلى التمرد، وإن التجميد المتبادل
لإنتاج الأسلحة من شأنه أن يفتح الطريق نحو إنهاء التحفظ النووي الذي يلتزم به
البلدان بيد أنه بالنسبة للسياسيين الذين يرون في مكانة بلادهم النووية رمزًا
للقوة الوطنية، فإن مسألتي قبول التجميد النووي وتجنب المخاوف الناجمة عن التكتم
النووي لا تتطلبان من الباكستان والهند رفع الغطاء عن مستودعاتهم النووية وأنه
يكفي توقفهما عن إنتاج كل أنواع الأسلحة التي تدخل في صناعتها مواد قابلة
للانشطار، وأن أسهل السبل وأكثرها فعالية لتنفيذ مثل هذا الحظر يكمن في إغلاق
المنشآت النووية في كلا البلدين «المنشآت التخصيب النوري في الباكستان أو منشآت
إعادة معالجة البلوتونيوم في الهند»، ولا يقوم أي من البلدين باستخدام هذين
الوقودين في توليد الطاقة الكهربائية.
التفتيش النووي
وقد ظلت الهند رافضة لفكرة الإخضاع لعملية
تفتيش لم يسبق إجراؤها على أهم البلدان النووية وخاصة جمهورية الصين المجاورة
والمدججة بالأسلحة النووية، وهذا هو السبب وراء عدم توقيع الهند على معاهدة الحد
من الانتشار النووي، وقد توقفت الولايات المتحدة عن إنتاج كل أنواع الأسلحة التي
تدخل في تركيبها مادة اليورانيوم منذ عام ١٩٦٤ كما أنها لم تقم بإعادة معالجة
البلوتونيوم منذ عام ۱۹۸۸. وقد
تعهد غورباتشوف بتوقف بلاده عن استخدام المادتين في صناعة القنابل، كما وعد بوريس
يلتسين أيضا بالالتزام بهذا التعهد، وأن الصين التي وقعت مؤخرًا على معاهدة الحد
من الانتشار النووي قد تتخذ نفس الإجراء وقد تعهدت كل من الأرجنتين والبرازيل
وجنوب إفريقيا والكوريتان بعدم إنتاج الأسلحة التي يدخل في تركيبها الوقود النووي،
وبما أن الباكستان قد أعلنت توقفها عن تخصيب اليورانيوم، فإن ذلك يمثل صفقة لن
ترفضها الهند.
في الواقع، فإن مسألة تجميد الإنتاج النووي لن تغير كثيرا، ذلك أنها سوف تتيح للبلدين الاحتفاظ بكميات كبيرة من المواد
الداخلة في صناعة القنابل تكفي لتعريض البلد الآخر لأضرار وخيمة، والتسبب في تسمم
الهواء والأرض في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم كثافة من حيث عدد السكان، وتفيد
تقارير أجهزة الاستخبارات الأخيرة بأن لدى الباكستان ما يتراوح بين 5-7 قنابل
نووية في حين أن لدى الهند مواد قابلة للانشطار كافية لصناعة ما يصل إلى 100 قنبلة
غير أنه بمجرد أن يكون هناك تجميد فإنه سيصبح من الممكن البدء في خفض الأسلحة
النووية.
وتدرك كل من «نيودلهي» «وإسلام آباد» أن
التصرف العقلاني فيما يخص الأسلحة النووية أمر ضروري للحفاظ على علاقات الصداقة
وكسب صداقات جديدة ليس في واشنطن فحسب، بل في المجتمع الدولي المقدم للمساعدات،
غير أن الحكومتين في البلدين تتسمان بالضعف والنفور الشعبي ويستحوذ اهتمامهما
المشاكل الاقتصادية الخطيرة، والخوف من أن تقديم أي تنازل لجارٍ مكروه قد يسبب في
حدوث اضطرابات في الداخل، فضلًا أن في كلا البلدين حزبًا مؤيدًا لبقاء الأسلحة
النووية «الجماعة الإسلامية في الباكستان وجانتا باهاريا الهندية» ولذلك فإن كلا
البلدين بحاجة إلى تشجيع ودعم للجلوس حول مائدة المفاوضات.
الضغط الأمريكي
إن كلا البلدين مُعَرَّضٌ للضغط الأمريكي،
فقد قامت الولايات المتحدة قبل 18
شهرًا بخفض المساعدات التي كانت تقدمها لباكستان على أساس أنها قد تجاوزت عتبة
صناعة القنابل، ذلك أن الباكستان قد رفضت قبول الشرط الأمريكي الأول لإعادة
المساعدات إلى مستواها السابق والذي يتمثل في تخلي الباكستان عن برنامجها النووي
عن طريق تدمير المكونات النووية الداخلة في صناعة أسلحتها، وهذا بمثابة نيل من
كرامة البلد حيث إن القنبلة تتمتع بشعبية كبيرة لدى الجماهير، غير أن إسلام آباد
حريصة على إعادة الثقة في علاقاتها مع واشنطن كما أنها بحاجة إلى قطع غيار
الطائرات 16-F التي قد اشترتها من الولايات المتحدة، كما أن شعور
الباكستان بالعزلة قد ازداد مؤخرًا عندما أبلغتها الصين عن عزمها على التوقف عن
مساعدة الباكستان في برامجها النووية وصناعة الصواريخ وذلك بعد أن انضمت الصين إلى
معاهدة الحد من الانتشار النووي ووضع قيود على مبيعاتها من تكنولوجيا الصواريخ.
بيد أن الأمر الأدهى بالنسبة لباكستان هو
أن ترى الهند تخطف منها التعاطف الأمريكي، وقد ازدادت العلاقات الأمريكية الهندية
حرارة بشكل سريع، وإن الهند التي كانت تتهم الولايات المتحدة بالإمبريالية تنوي
الانضمام إلى عملية مراقبة المياه الإقليمية وتبادل الخبرات مع الولايات المتحدة،
غير أن الهند بلد مهتم أيضًا بعدما فقدت أولى حليف لها وهو الاتحاد السوفييتي الذي
كان يزودها بالأسلحة، كما أن أمريكا تملك المفتاح لتقديم ضمانات قروض تبلغ قيمتها
البلايين من الدولارات والتي تطلبها الهند من صندوق النقد الدولي.
إن الهند سعيدة بأن ترى منافستها محرومة
من العطف الأمريكي ولكن إذا ما رفضت الهند المشاركة في المحادثات النووية المزمع
إجراؤها في واشنطن فإن ذلك قد يحرمها من مكانتها الحالية كأوفى صديق لأمريكا.