; الدعوة الإسلامية وقضايا التحرر الوطني.. | مجلة المجتمع

العنوان الدعوة الإسلامية وقضايا التحرر الوطني..

الكاتب عبد الكريم مطيع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1978

مشاهدات 112

نشر في العدد 393

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 04-أبريل-1978

من المعلوم أن جل أراضي الإسلام كانت إلى عهد قريب تحت نير الاستعمار الاستيطاني والعسكري وأن بعض هذه الأوطان الإسلامية ما زال تحت النفوذ الأجنبي المباشر بصورة أو بأخرى، مثلما هو الحال في فلسطين وإريتريا- وسبتة ومليلية والجزر الجعفرية بالمغرب الأقصى.. وغيرها..

إن وضع هذه المناطق وغيرها يلقي على حملة العقيدة الإسلامية أعباء ومسؤوليات تضاف إلى ما حملوه من أمانة تبليغ العلم وعدم كتمانه، وتربية الرجال وتعبيدهم لله الواحد القهار وتحتم عليهم أن يتخذوا من قضية تحرير هذه الأوطان مواقف محددة ومدروسة تتجاوز مستوى القول والتحليل.. إن قضايا تحرير هذه الأوطان من الخطورة والحساسية بحيث لا بد أن تبحث فيها كل الحركات الإسلامية الحديثة، وأي خطأ في معالجتها يؤدي إلى إحدى نتيجتين سيئتين:

1- التفريط في أرض الإسلام تحت شعار صحيح، يساء فهمه واستخدامه من قبل البعض، هو أن جنسية المسلم عقيدته وأن المسلم يجب ألّا يقاتل تحت راية مشبوهة. لا شيء يمنع الحركات الإسلامية من قيادة حركات التحرير الوطني بعقيدة الإسلام وتحت رايته، إذا ما اتخذت لذلك الأسباب والوسائل، وانعقدت النيات والعزائم.

2- أو تزكية الوطنية والانحسار في الإقليمية، والتفريط في الشعوب الإسلامية، بابتعاد الدعوة الإسلامية عن حركات التحرير هذه وإهمالها لشأنها، مما يؤدي إلى نمو روح الإقليمية والقومية بين المسلمين أو يمهد السبيل لسرقة هذه الشعوب من قبل مذاهب منحرفة تتبنى الدفاع عنهم وتقدم لهم البدائل والوسائل.. إن هنالك نظرتين: الوطنية الضيقة وعدم الاهتمام بحق الشعوب المسلمة في التخلص من الاستعمار باعتبار أن جنسية المسلم عقيدته، وقد تكون النظرة الثانية رد فعل للنظرة الأولى بدعوى أن إقامة دولة الإسلام مقدمة على سائر المهام. وأن الدفاع عن الوطن طاغوت جديد ينبغي مقاومته.

ولقد أدى هذا الحكم المطلق إلى محاولة حل مشكلة تحرير أراضي المسلمين بإلغاء التفكير فيها نهائيًّا.. إن حل المشاكل بإلغائها من أذهاننا ليس إلا تهربًا منها، وستبقى هذه القضايا مطروحة، أو سيبقى السؤال عن مواقفنا منها قائمًا، سواء بالنسبة للقضايا المستجدة في عالم الحركة والتفاعل مع الأحداث، أو بالنسبة للمحاكمات التاريخية التي قد نتعرض لها من قبل أبنائنا وأحفادنا والأجيال بعدهم، وإن مشاركة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين أثبتت وجود الدعوة الإسلامية على صعيد الصراع العقائدي، وربطتها عاطفيًّا بجماهير كبيرة من المؤيدين والمناصرين. وأكسبتها في فترة قصيرة ما يعادل ما تكسبه في مدة طويلة من الجهد المضني في الدعوة الفردية.. وما زالت هذه المشاركة مفخرة للمسلمين، ومنبع تجربة على مر السنين. 

وبالرغم من أن ربط محنة الإخوان في مصر بمشاركتهم في معارك فلسطين ينبغي مناقشته على ضوء المفاهيم الإيمانية التي تجعل المحنة سنة من سنن الدعوات وقدرًا من أقدار الله في اختبار البشر وتعبيدهم لإرادته، وانطلاقًا من الوقائع والأحداث والتصورات والتطبيقات القبلية والبعدية للمشاركة، فإنني أميل إلى تشبيه من يجعلها سببًا للمحنة بالذين يحاولون ربط ما أصاب المسلمين في أحد بخروج النبي- صلى الله عليه وسلم- للجبل ميلًا منه إلى رأي الشباب ومن المعلوم أن ما أصاب المسلمين في أحد لم يكن بسبب الخروج إلى الجبل وإنما كان بمخالفة الرماة لأوامر الرسول- عليه الصلاة والسلام- وبعد أن حقق المسلمون نصرًا مؤزرًا على جيوش الكفار، وفوق هذا كان ما أصابهم لحكمة إلهية تحدث ببعضها القرآن وبقي بعضها مكنونًا في ضمير الغيب.. وبالرغم مما نال الإخوان من اضطهاد وتغريب وتشريد وتعذيب مما ربطت أسبابه بمشاركتهم في حرب فلسطين فإن مشاركتهم هذه تبقى مكسبًا وفضلًا يكاد يغطي كل ما نالهم من عذاب. وهذا ما حدا بالشيوعيين أخيرًا إلى محاولة سلبهم هذا المكسب فادعت مجلة روز اليوسف كذبًا أن مشاركتهم كانت بالتطوع الفردي وأن قيادتهم عارضت مبدأ المشاركة.

إن الاتجاه إلى إنكار ضرورة قيادة الدعوة الإسلامية لحركات التحرير الوطنية في الاستعمار اتجاه خطير يؤدي إلى انعزال الحركات الإسلامية عن مجالها الطبيعي الذي هو الشعوب المسلمة وهو في الوقت نفسه يضارع انعزال كثير منها عن معركة هذه الشعوب في مجال العدل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مما يفتح الطريق أمام حركات اليسار كي تتسلل إلى قيادة الشعوب الإسلامية.

وينبغي أن نوقن أن أية حرب تحريرية بالقيادة المسلمة تستطيع أن تتخذها مناخًا صالحًا لنشر عقيدة الإسلام وتنقيتها مما علق بها طيلة قرون التخلف من خرافات وأوهام.. وبذلك تكون مناخًا لتربية الرجال وتعميق إيمانهم وتوثيق الصلة بينهم وبين ربهم.

إن انعزال أي حركة إسلامية عن معارك تحرير الأرض، أو معارك العدل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأمة المسلمة، وعدم إدراجها لها جزءًا من نشاطها وحركتها العقدية، يساهم بشكل كبير في محاصرة الجماعة وقوقعتها وإبعادها عن مجالها الطبيعي الذي هو الأمة المسلمة، وبذلك تتحول من حركة بعث إسلامي حق إلى جمعية خدمات عامة، خيرية أو ثقافية أو اجتماعية أو شبابية أو غير ذلك.. وقد يجرئ عليها هذا الانعزال ذوي النفوس المريضة، فتنشأ حركات انفصالية وحركات.. ولم لا؟ ما دام الأمر ميسورًا وغير ذي خطر ولا يكلف إلا أن ينتقد المرء غيره، ويؤلف حوله مجموعة أصدقاء ويرفع إلى السماء حفنة شعارات.

ويوم تعود الدعوة الإسلامية إلى شق طريقها الصخري الذي هو قدرها فسوف تختفي الفقاقيع وتذوب الطوائف.

لقد فهم حسن البنا- رحمه الله- هذه الحقائق فخاض بالإخوان في مصر معارك فلسطين برغم المخاطر الدولية والإقليمية التي كانت تحاصره وفهمها علماء القرويين بالمغرب والزيتونة بتونس وجمعية العلماء بالجزائر فخاضوا بالإسلام حرب التحرير من الاستعمار الفرنسي.

وفهمها قبلهم الأميران عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري في حربيهما ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي بالمغرب.

وفي الوقت نفسه جهلتها الأحزاب الشيوعية التي سبقت إلى الساحة العربية فعارضت حركات التحرير الوطني، وانعزلت بذلك عن الشعوب الإسلامية دهرًا، ثم بعد حين استفادت من تجربة الحركات الإسلامية التحريرية- الخطابي- الجزائري- علماء شمال أفريقيا- حسن البنا- فامتطت دعوة تحرير فلسطين ومعارك العدل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأمة وإذا بالشعوب الإسلامية تنخدع بها وتلتف حولها وتمهد لها سبل إقامة الدول والهيمنة على الأقطار.

وتعتبر الحركتان الشيوعيتان في المغرب وتونس خير مثال على ما نذهب إليه: فقد جاءت الشيوعية إلى المغرب مع المنشآت الصناعية الفرنسية الأولى التي أقيمت لخدمة الغزو الفرنسي، ما بين سنة 1926 وسنة 1936 التي صدر فيها قانون يسمح بالتنظيم النقابي للعمال، ثم تأسس الحزب الشيوعي المغربي، وبموازاته تأسس سنة 1943 فرع للنقابة اليسارية الفرنسية- س- جـ- ت- مستفيدًا من مشاركة الحزب الشيوعي الفرنسي في حكومة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما حدا بالحاكم الفرنسي بالمغرب المقيم العام إلى أن يقدم للحركة الشيوعية ونقاباتها كافة التسهيلات والمساعدات.. ومع ذلك لم تستطع المبادئ الشيوعية أن تتخذ مرتكزات في المجتمع المغربي لسبب أساسي ورئيسي هو أنها أهملت قضية التحرير ووقفت علانية تعارض الاستقلال فقد أصدر الحزب الشيوعي المغربي في مؤتمره الأول المنعقد سنة 1946 بيانًا يعارض المطالب الوطنية، ويدعو إلى إطعام المغاربة خبزًا بدل تحريرهم ويشيد باندماج الشعب المغربي في وطنه الأم فرنسا، ويشجب وثيقة المطالبة بالاستقلال التي قدمتها الحركة الوطنية إلى سلطات الحماية الفرنسية في 11-4-1944. 

والموقف نفسه اتخذته الحركة الشيوعية التونسية، فبعد الحرب العالمية الثانية وعقب مشاركة الشيوعيين في الحكومة الفرنسية سنة 1944 نشرت جريدة الحزب الشيوعي التونسي- مستقبل تونس- عدد 8-4-1944، نداء بتوقيع الكاتب العام للحزب الشيوعي عنوانه- كلنا متحدون تونسيون وفرنسيون حول الحكومة لتحرير فرنسا، ولسحق النازية، ولتهيئة مستقبل الحرية والرخاء لتونس وفرنسا المتحدتين إلى الأبد.

وقد كتبت في الموضوع نفسه المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية في أعدادها 40، 42، 43 مقالة بعنوان- المركزية العامة للعمال والحركة النقابية التونسية بعد احتلال الحلفاء لتونس 1943-1944- تقول فيه: إن مصير الحركة النقابية التونسية كان شديد الارتباط بمصير الحركة النقابية الفرنسية.

إن الحزب الشيوعي الفرنسي عارض استقلال المستعمرات بدعوى أنها مهددة بالسقوط في يد النازية.. ولقد صرح موريس توراز في مؤتمر الحزب الشيوعي الفرنسي بباريس 1945 فقال: إن تكوين مناخ الوحدة بين فرنسا ومستعمراتها يجب أن يكون هدف السياسية الديمقراطية الحقة والسياسة الفرنسية الحقة.. وبذلك اتسعت الهوة بين الحركة الوطنية التونسية والحزب الشيوعي التونسي الذي يترسم خطى الحزب الشيوعي الفرنسي والذي اختصر المشكلة التونسية لديه في الانضمام إلى الاتحاد الفرنسي.

هذه المواقف المتخاذلة للحركة الشيوعية من قضايا التحرير عزلتها عن الشعوب ردحًا من الزمن، بالرغم من سبقها التاريخي إلى الساحة السياسية، فبقيت العقائد الشيوعية مرفوضة من لدن الأمة، إلى أن تحقق الاستقلال وعجزت الحركات الوطنية عن مواصلة قيادة الأمة بالإسلام وإذا بالتيارات الشيوعية تمتطي ظهر المظالم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتقود المعارك من أجل رفعها.. وتكسر بذلك طوق الحصار الذي ضرب عليها طيلة عقود من السنين.

لقد أدى الاستعمار والاستغلال إلى تفجير مشاعر السخط ضد الظلم الاجتماعي والقومي والوطني لدى الشعوب الإسلامية، وهي تنتظر من الدعوة الإسلامية أن تكون لها نصيرًا أو قائدًا في هذه الميادين، وأن تقدم لها البدائل والأساليب والوسائل، لذلك فإن الدعوة الإسلامية تحقق أكبر انتصاراتها إن قادت هذه الجماهير واستعانت بها، وأعادت إليها الثقة في نفسها ودينها وعقيدتها ولن تعدم الدعوة الإسلامية إذ ذاك وسيلة لشحذ همم المسلمين وطلائعهم بالحوافز الإيمانية من أجل تعبئتهم للدفاع عن أرض الإسلام والمحافظة عليها وتنمية روح الصمود لديهم، والإصرار على متابعة الجهاد ضد الاستعمار الذي يمثل أبرز معالم المحاربة لله وللرسول- عليه الصلاة والسلام- وقمة التحدي الصليبي للأمة المسلمة. 

إن العقيدة الإسلامية تعارض كل نزعة قومية أو وطنية أو إقليمية هدفها تفضيل جنس على جنس أو قوم على قوم، أو تشبث بقطرية انعزالية؛ لأن الأرض لله والإسلام للجميع، هو جنسية المسلم ووطنيته وقوميته.. لكن العقيدة الإسلامية- في نفس الوقت- تؤيد حركات المسلمين من أجل تحرير أوطانهم وأقوامهم، لأن الإسلام لا ينشأ في فراغ.. ولا بد له من مجال بشري ومكاني يقيم فيهما نظامه، ولن يرضى للمسلم إيمانه بأن يتيه دون وطن، كما تاه قبله الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة لكن العقيدة الإسلامية حيث تقود هذه الحركات التحريرية فإنها ترفعها من ضيق الوطنية إلى رحابة الإسلام ومن نير العبودية للوطن والقوم إلى سعة الجهاد في سبيل الله، من أجل إخضاع قطعة الأرض المحررة للإسلام بنظمه وتشريعاته وتصوراته.

إن جنسية المسلم عقيدته، هذا لا شك فيه، لكن عقيدة المسلم تلزمه بتحرير البقعة التي يعيش فيها والنفوس التي يتعامل معها.. لذلك فالحركة التحريرية للأوطان ذات وجهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، إنها إيجابية في فترة معينة، فترة تحرير أراضي المسلمين من الاستعمار وسلبية ينبغي مجاهدتها ومقاومتها إذا ما حققت أهدافها بتحرير الأرض ثم عجزت عن مسايرة ظروف الأمة المستجدة وانقلبت صنمًا يعبد من دون الله، واتخذت مطية لتمزيق وحدة المسلمين.

إن الإسلام حين شجب الانغلاق القومي والوطني، اعترف بخصائص الشعوب واختلاف ألوانها وألسنتها وتجمعاتها لذلك ينبغي أن نأخذ موقف الإسلام جملة في هذه القضية، ونحن إذا لم نعطِ أهمية لقضايا التحرير من الاستعمار نكون قد زهّدنا الشعوب الإسلامية في الدفاع عن أوطانها.. بل إن قيادة الدعوة الإسلامية لحركات التحرير هذه يؤكد عالمية الدعوة الإسلامية. ومهما اختلف الرأي فإن الوطن هو وطن الإسلام ولا يجدر التفريط في شبر منه.

لكننا إذا شجعنا الوطنية في عصر تحررت الأرض فيه من الاستعمار، نكون قد سرنا ضد مبادئ الإسلام؛ لأن الحاجة إلى تحرير الأرض انتفت وحلت محلها الحاجة إلى مواصلة حركة تحرير الإنسان في كل مكان بعقيدة التوحيد.

لذلك فالقضية معقدة، ويجب أن نحتاط في معالجتها فنبارك الحركات التحريرية ونساندها ونقودها ما دامت حركات تحريرية لأوطان المسلمين ونبذل في نفس الوقت ما يكفي من الجهود لصيانة المفهوم الإسلامي المتميز للاستشهاد والاجتماع والترابط وللجنسية الإيمانية العقدية التي تتعارض مع الإقليمية والوطنية الترابية..

لقد قاد الإسلام طيلة التاريخ حركات تحرير أراضي المسلمين، ومدافعة أعداء الإسلام من الغزاة والمستعمرين، فلم تقصّر العقيدة الإسلامية، وإنما وفت لأهلها حينما وفوا، لكن الحروب التحريرية في العصر الحديث تأثرت بالحركات القومية الأوربية، ففجرت المشاعر الوطنية والإقليمية والعرقية، وأذكى هذه المشاعر قيام دول عديدة بدل الأمة المسلمة الواحدة المنضوية تحت راية الخلافة.

لذلك ينبغي أن تتخذ الحركات الإسلامية موقفين: تشجب العصبية القومية والوطنية في الأقطار الإسلامية المستعمرة، قيادة إسلامية واعية تعطي لحركات التحرير مفهومها الجهادي الحق، وتحول بينها وبين الانحراف نحو الوطنية الضيقة التي قال عنها الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام-: «دعوها فإنها منتنة» وليكن واضحًا في أذهاننا أن هذه الحركات التحريرية إذا لم تقدها الدعوة الإسلامية، فليس لها إلا أن تكون كما هي ثورات وطنية فقط، أو أن تتسلل إلى قيادتها الدعوات الضالة المنحرفة، بما مهرت فيه من أساليب قيادة الثورات.

الرابط المختصر :