العنوان بلا حدود .. المهزلة الكبرى للأمم المتحدة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 80
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 09-مارس-1993
السيناريو
الذي تبنته الأمم المتحدة عام ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين وتمكين اليهود منها يتكرر الآن
بتقسيم البوسنة وتمكين الصرب منها.
المهزلة
الكبرى التي تلعبها الأمم المتحدة على المسرح الدولي فيما يتعلق بقضية البوسنة
والهرسك أصبحت مكشوفة بكل أبعادها وجوانبها، لاسيما بعد خطة التقسيم التي أعدها
سايروس فانس وديفيد أوين، والتي منحا بها الصرب المعتدين الجائزة الكبرى على دورهم
الكبير الذي يقومون به في استئصال الوجود الإسلامي من قلب أوروبا.
وخطة
فانس وأوين التي يستميت بطرس غالي في الدفاع عنها لإقرارها من قبل مجلس الأمن
والأمم المتحدة، تُكرِّس الاحتلال الشرعي والتطهير العرقي الذي يقوم به مجرمو
الصرب ضد المسلمين في البوسنة. وهي في شكلها وإطارها وأسلوب عرضها وتنفيذها تكرار
للحيلة القذرة التي لجأت إليها الأمم المتحدة عام ١٩٤٧، حينما تبنت قرارات التقسيم
بدلًا من الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني المعتدى عليه. وقد رفض العرب وقتها
القرار، وتظاهر الصهاينة بالقبول في الوقت الذي كانوا يُعدُّون فيه لإعلان دولتهم
بترتيب مع بريطانيا التي نفضت يديها في ذلك الوقت وتخلت عن مسؤوليتها كدولة منتدبة
وأعلنت سحب قواتها وتسليم فلسطين للعصابات الإرهابية الصهيونية التي سرعان ما
أعلنت دولة «إسرائيل»، لتصبح خنجرًا في قلب العالم الإسلامي، وتدخل قضية فلسطين من
وقتها إلى متاهات أروقة الأمم المتحدة، وتصبح عبارة عن ملفات موكلة إلى العملاء والمبعوثين
المزيفين ووسطاء السوء الذين لم يفعلوا شيئًا طوال خمسة وأربعين عامًا سوى الإقرار
بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والسعي لاسترضاء اليهود حتى يمنحوهم وجودًا ولو
اسميًا على بعض التراب الفلسطيني.
إن
المهزلة التي قامت بها الأمم المتحدة منذ خمسة وأربعين عامًا في فلسطين تتكرر
اليوم في البوسنة بنفس السيناريو مع اختلاف الوجوه والأساليب، لكن القضيتين يجمع
بينهما شيء واحد، هو أنهما قضيتان إسلاميتان، وأن الشعبين المنكوبين شعبان مسلمان.
فالتاريخ يعيد نفسه، والمساعي والجهود الدولية التي تسعى الأمم المتحدة لإقرارها
في البوسنة والهرسك بواسطة فانس وأوين لا تحمل سوى مؤامرة حقيقية تحت رعاية دولية
تحمل عنوان تقسيم البوسنة على غرار تقسيم فلسطين، لتمكين الصرب من البوسنة على
غرار تمكين اليهود من فلسطين من قبل.
وضلوع
الأمم المتحدة في المؤامرة واضح من خلال الشواهد والوثائق والتصرفات والقرارات
والتصريحات والمؤتمرات والخطط المطروحة على الساحة، وأهل البوسنة يشعرون أكثر من
غيرهم بأبعاد هذه المؤامرة.
وقد
تمثل هذا الشعور في صور كثيرة، منها رفض الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش استقبال
بطرس غالي حينما زار سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك في أول يناير الماضي، واستقبله
بدلًا منه نائبه أيوب جانيتش الذي قدم لغالي فنجانًا من القهوة المرة، ليخبره بأدب
-حسب تقاليد شعب البوسنة- بأنه ضيف غير مرغوب فيه، فيما رفع مئات المسلمين من سكان
البوسنة لافتات تعلن رفضها لزيارة غالي جاء فيها: «عار عليك يا غالي». وطالب جانيتش
غالي بوضوح قائلًا: «إما أن تتولى قوات الأمم المتحدة الدفاع عن سراييفو أو أن
تسمح المنظمة لمسلمي البوسنة بشراء الأسلحة ليتولوا بأنفسهم الدفاع عن المدينة».
إلا
أن بطرس غالي رفض الطلب البوسني بشدة، وقال إن الحوار والتفاوض هو البديل، وكان
هذا إشارة لبني جلدته من الصرب ليواصلوا فتكهم بالمسلمين والمسلمات في البوسنة،
حتى وصل الحال بالمسلمين في شرق البوسنة إلى أكل لحوم الموتى من شدة الجوع بسبب
الحصار الذي ضربه الصرب عليهم منذ ما يزيد على سبعة أشهر. ويكتمل السيناريو بمهزلة
الطائرات الأمريكية التي قامت في الأسبوع الماضي بإلقاء شحنات من الغذاء تحتوي على
لحم الخنزير-كما جاء في تقرير بثته وكالة رويتر من «بون»- على مناطق المسلمين
المحاصرة، لم تقع شحنة واحدة منها في قرى المسلمين، وإنما وقعت جميعها في المناطق
التي يسيطر عليها الصرب المجرمون، وسط انتقادات كثيرة وجهت للأمريكيين العاجزين عن
تحدي الصرب، فقاموا هم الآخرين بمسرحية هزلية تحت شعار إنساني خدموا بها الصرب
المعتدين ولم يخدموا بها المسلمين المعتدى عليهم، مثلما فعلت الأمم المتحدة حينما
اتخذت قرارًا بمنع قوافل المساعدات الإنسانية عن المسلمين الجائعين المحاصرين،
بسبب اعتداء الصرب على قوافل المساعدات المرسلة للمسلمين، وهي بهذا تكافئ الصرب
مرتين وتقتل المسلمين عدة مرات.
إن
الأمم المتحدة بتصرفاتها تخطت دور المشاهدة إلى دور المشاركة في الجريمة، ويكفي أن
يقتل نائب رئيس الوزراء البوسني حقي تورياليتش على أيدي الصرب في أوائل يناير
الماضي وهو في داخل ناقلة تابعة لقوات الأمم المتحدة.
ولهذا
لم تتحرج صحفية بوسنية مسلمة أن تواجه بطرس غالي قائلة له في مؤتمره الصحافي الذي
عقده أثناء زيارته للبوسنة: «أنت مذنب ومسؤول عن كل سيدة اغتصبت وكل رجل قتل»، ثم
سألته قائلة: «كم تطلبون من الضحايا في سراييفو حتى تتحركوا؟ ألا يكفيكم مائة
وعشرين ألفًا؟!».
فرد
عليها بطرس غالي بسخف وصلافة قائلًا: «إذا كنت مجرمًا فهذه مشكلتي، ولكن حالكم
أفضل بكثير من عشرة أماكن أخرى في العالم يمكن أن أعددها لكم».
لقد
عارض بطرس غالي فرض الحظر الجوي بالقوة فوق البوسنة، كما عارض التدخل العسكري
فيها، واتهم المسلمين المعتدى عليهم مرارًا بأنهم سبب في تفاقم الأمور وإغضاب
الصرب المعتدين، ورفض أكثر من مرة إرسال قوات إضافية إلى البوسنة، ووصف الحرب في
البوسنة والمجاعة التي يتعرض لها المسلمون بأنها حرب الأغنياء، ويصر على استمرار
التفاوض الذي لا فائدة منه لمنح الصرب فرصة كافية لمزيد من القتل والنهب
والاغتصاب، ويصر على استمرار فرض الحظر على المسلمين من السلاح والغذاء والدواء
أحيانًا، فيما لا يقر بإدانة روسيا واليونان والدول الأخرى التي تدعم صربيا ليل
نهار. ويقتل المسلمون ليل نهار تحت أعين الأمم المتحدة دون أن يتحركوا حتى
لحمايتهم، مكتفين بالمشاهدة وأحيانًا مساعدة الصرب المعتدين.
إن
بطرس غالي الأرثوذكسي زوج اليهودية وعديل وزيري خارجية إسرائيل أبا أيبان وديفيد
ليفي -حيث إن ثلاثتهم متزوجون من بنات تاجر الحلويات اليهودي المشهور «نادلر»- لم
يأت اعتباطًا إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وإن المهزلة التي يسعى
لإقرارها الآن بتقسيم البوسنة تحت رعاية الأمم المتحدة كما قسمت فلسطين من قبل تُؤكد
ذلك. ففي الوقت الذي يرفضون فيه إقامة دولة إسلامية أوروبية وشعبها أوروبي مئة في
المئة يكرسون بكل قواهم إقامة دولة صهيونية في قلب العالم العربي والإسلامي تتخذ
القدس عاصمة لها، وكما مهدت الأمم المتحدة قيام إسرائيل بقرار التقسيم الذي اتخذته
عام ١٩٤٧ وتشريد الشعب الفلسطيني، تُمهِّد الآن لتقسيم البوسنة وقيام صربيا الكبرى
وتشريد الشعب البوسني المسلم في أرجاء الدنيا.
إنها
المهزلة الكبرى.. مهزلة الأمم المتحدة.. والشرعية الدولية.. والمدعو بطرس غالي.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل