; استعباد الأحرار! | مجلة المجتمع

العنوان استعباد الأحرار!

الكاتب فهد عبدالرحمن الرشدان

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 1009

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 28-يوليو-1992

- إن أهل الشام يحبونك؟

- كأني أعاونهم وأواسيهم(1)

هذا ما أجاب به سعيد بن عامر والي حمص على سؤال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وهذا هو أول مدخل إلى الناس لامتلاك قلوبهم وجذبهم إليك وهو يكمن في الاهتمام بالآخرين ومنحهم مزيدًا من الرعاية والمواساة، فالناس الآخرون بطبيعتهم يحبون من يظهر الاهتمام بهم ويتعرف على مشاكلهم ويتقرب إليهم ويصرف جزءًا من وقته وجهده في الاهتمام بشؤونهم ورعاية مصالحهم، ونحن نخسر كثيرًا عندما نريد من الناس أن يهتموا بنا دون الاكتراث بهم ومراعاة مصالحهم إن هذه الأنانية تبعدنا عن الناس كثيرًا.

والله- على عظم قدره وجلال منزلته- سمع قول امرأة من عامة المسلمين تجادل رسول الله في حدث صغير من حوادث الحياة اليومية.. استمع الله إلى النقاش وأنزل قرآنًا من سابع سماء يحكم في هذه الحادثة.. يقول تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة:1-2).

ويعلق سيد قطب فيقول: «السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضيتها، وقد سمع سبحانه للمرأة وهي تحاور رسول الله فيها، ولم تكن تسمع عائشةُ وهي قريبة منها، أرأيت كيف أن هذه الآية: كانت صورة معبرة عن وجود الله وقربه وعطفه على عباده»(2).

وعلى هذا المنوال كان رسول الله يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم وكان يمشي مع العبد والأرملة حتى يفرغ لهم من حاجتهم، وكان إذا دخلت عليه فاطمة- رضي الله عنها- قام إليها فرحب بها وقبّلها وأجلسها في مجلسه.

وكان كثيرًا ما يدل صحابته الكرام على رعاية الناس وإظهار الاهتمام بهم، فلقد كان يصنف هذا العمل من أبواب الخير كما قال في حديثه الشريف: «إن أبواب الخير كثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل عن حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك»(3).

أعرفت الآن سر افتتان الصحابة الكرام في حب الرسول صلى الله عليه وسلم.. إن هذه الأقوال والأفعال النبوية الكريمة هي التي تفسر لنا المواقف العظيمة في فدائه والذود عنه بالنفس والمال والولد والتي تجلت في موقف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في فداء الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وفي موقف الصحابة الكرام وانكبابهم للدفاع عنه صلى الله عليه وسلم وفدائه بالنفس في معركة أحد وغيرها من المواقع التي تزخر بها السنة النبوية الشريفة.

وهذه الرعاية النبوية للصحابة والاهتمام بشؤونهم والتقرب من أحوالهم ومشاكلهم اليومية هي التي جعلت من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعقة تنزل على رؤوسهم فتهيج الأفئدة وتطيش بالعقول.

وفي كتابه القيم «كيف تكسب الأصدقاء؟» يذكر «دايل كارنيغي» أن الاهتمام بالناس هو سر من أسرار شعبية الرئيس الأمريكي السابق روزفلت.. ويروي على لسان وصيفه جايموس أموس الحكاية الطريفة التالية: سألته زوجتي ذات مرة عن طائر الحجل إذ لم تكن قد رأت واحدًا من قبل فقام بوصفه لها، وبعد عدة أيام رن جرس الهاتف في بيتنا الموجود داخل أملاك روزفلت، وكان المتحدث السيد روزفلت نفسه، فقد اتصل بزوجتي ليخبرها بوجود طائر الحجل خارج النافذة وأن بإمكانها رؤيته!

إن مثل هذه الأشياء الصغيرة هي التي كانت تميز روزفلت.. وقد اعتاد أن ينادي الخدم بأسمائهم الأولى وبطريقة ودية جدًا.. فكيف يستطيع الموظفون تجنب حب مثل هذا الرجل؟

وكيف يستطيع أي إنسان الامتناع عن حبه؟

واهتمامك بالناس الآخرين قد يتمثل في أمور صغيرة بسيطة لا تتطلب جهدًا كبيرًا، إلا أنها تبقى محفورة في وجدان الناس كشاهد طيب وذكرى جميلة للمحبة والمودة، ففي خلافة عمر جاء سلمان الفارسي المدينة زائرًا فصنع عمر ما لا نعرف أنه صنعه مع أحد غيره أبدًا، إذ جمع أصحابه وقال لهم: «هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان» وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة.

ولعلك تتساءل: أين الذكرى الجميلة التي تظل محفورة في الوجدان كشاهد على المحبة والمودة ونحن نقدم لك الدليل على صحة كلامنا في الحادثة المعروفة عن الصحابي الجليل كعب بن مالك.

عندما تخلف كعب بن مالك عن معركة تبوك وقاطع المسلمون المتخلفين عن المعركة ظل كعب بن مالك في بيته وقد ضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وبينما هو كذلك إذ سمع صوت صارخ من على جبل ينادي قائلًا: «يا كعب بن مالك أبشر» فخر كعب ساجدًا لله وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاه الناس أفواجًا يهنئونه بالتوبة.. يقول كعب: «حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة»(4).

وهكذا الناس يقدرون أصحاب اللفتات الكريمة وإن كانت بسيطة ويحتفظون بودهم لهؤلاء الناس أبد الدهر، وتذكر دائمًا قصة كعب بن مالك وقوله «ولا أنساها لطلحة»!

إذن فبادر إلى الاهتمام بمن حولك واصرف لهم جزءًا من وقتك وجهدك.. شاركهم في المسرات والأحزان.. كن قريبًا منهم وعونًا لهم على حوادث الدنيا واجعل لهم من نفسك مفتاحًا من مفاتيح الخير، فعندها ستمتلك القلوب، وسيذعن لك الجميع، وتذكر دائمًا الحكمة المأثورة: «بالبر يستعبد الحر».

_____________

(1) رجال حول الرسول: ص ١٥٥.

(2) في ظلال القرآن: ج 6، ص 1، 35.

(3) رواه ابن حبان.

(4) صحيح البخاري: ص ٣٩٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

563

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

466

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28