العنوان رسالة إلى ولدي الأسير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 72
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
إلى ولدي ونور عيني أسامة حفظك الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبعث إليك برسالتي هذه وقلبي كله شوق
وحنين لرؤياك.. لقد عشت وما زلت يا ولدي أتذكر تلك اللحظة الأليمة حين دق جرس
البيت وإذا بأحد الأصدقاء يخبرني أن الجنود العراقيين اعتقلوك وبدون شعور أسرعت
إلى المخفر تائهًا حيران ظانًا أنني سألقاك وأتحدث إليك، وقد بذلت كل ما أستطيع من
وسائل الرجاء والتوسل حتى ألتقي بك ولكن قلوب هؤلاء الجنود الفجرة السوداء كانت
أقسى من أن تؤثر فيها هذه التوسلات.. إنها يا بني إرادة الله سبحانه وتعالى التي
حالت بيني وبين رؤياك والحمد لله على كل حال.
لقد رجعت يومها إلى البيت حزينًا مكسور
الجناح وكأن الدنيا قد ضاقت عليّ بما رحبت، وكانت أمك في انتظاري متلهفة لعلي
أطمئنها عليك، ولكني- والحزن يعتصر قلبي وفؤادي- طمأنتها عليك وأشعرتها أنك خارج
عن قريب بإذن الله.. هكذا أشعرني جلاوزة الطاغية صدام.
جاء وقت الغداء وما زلت يا أسامة أتذكر
هذا الغداء في هذا اليوم الحزين الذي خطفوك فيه منا وفررت منا كما يفر الطير
من القفص.
لم نشعر بلذة ولا بطعم هذا الغداء.. كيف
يا ولدي يطيب لنا طعام وشراب وصورتك ماثلة أمام أعيننا وكأنك تناديني.. أبتي.. يا
أبتي ارحمني من بطش وعذاب هؤلاء الطغاة.. أنقذني منهم.. ويزداد حزني عندما
أجد نفسي مكتوف اليدين لا حول لي ولا قوة.
يا بني إنك لا تعلم كم أشعر بالمرارة وأنا
آكل الطعام.. فلا يكاد الطعام يتجاوز الحلقوم.. إن قلبي يعتصر حزنًا عندما
أنظر إلى مكانك على مائدة الطعام وأنت تجلس على يميني دائمًا، وكأنني أراك الآن
تأكل معنا.. إنها لحظات تمر لا أكاد أصدق أنك غبت عنا.
أتذكر دائمًا عندما أدخل حجرتك بعد تردد
كثير خوفًا من أن يزداد حزني، خاصة عندما أرى فراشك وملابسك وكأني ألمحك الآن
أمامي وأنا أوقظك لصلاة الفجر أو أناديك وأنت جالس في غرفتك. ولدي.. إنك لا
تعلم كم قلبي يعتصر حزنًا وأسى على فراقك ولكن ما نقول إلا ما يرضي الرب سبحانه
وتعالى، وإنني على ثقة بالله سبحانه وتعالى أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطاك
لم يكن ليصيبك.. فيا بني اثبت على ما لقيت واحتسب ذلك في ميزان حسناتك وابتغ في
الله الأجر والثبات وادع لنا ما استطعت أن يثبتنا وإياك على طاعته وحسن
عبادته.
ابني العزيز.. لقد مرت الأيام والشهور حتى
يوم التحرير وبدأت بشائر الأسرى تهل علينا وبدأت المحنة تزداد فكل يوم نذهب إلى
مقر الأسرى أملًا برؤياك ولكننا والحمد لله نعود أدراجنا أملًا بلقائك مع المجموعة
القادمة غدًا وهكذا مرت الأيام ودخل علينا الشهر الفضيل.. رمضان.. اشتدت علينا
المحنة وبدأت رحلة العذاب للسؤال عنك يوميًا ولكن دون جدوى ولكن مع ذلك إن حبل
الثقة بالله مازال موصولًا والحمد لله.
ولدي العزيز إنك لا تتصور كم كنت أعتقد
أنك ستعود بعد القبض عليك مباشرة أو في غضون أيام أو أسابيع.. فرحت أشتري لك كل ما
أستطيع وأعلم أنك تحبه كما أنني اشتريت لك دراجة فاخرة وهي مازالت حتى الآن
بانتظارك.
إنني يا بني مازلت على يقين بالله أنك
ستعود بإذن الله تعالى لنفرح برؤياك يا ولدي العزيز.. أقبل علينا العيد وكأني
أسمعك تناديني.. يا والدي لا تنس الدشداشة ولا تنس عيديتي.. أبشر يا ولدي فلقد
وصيت والدتك أن تفصل لك ثياب العيد وعيديتك محفوظة.. وعيدنا سيكون يوم لقائك ويوم
تلبس ثيابك الجديدة التي فصلناها لك وتنزع ثياب هؤلاء الطغاة المجرمين، فلا تخش يا
ولدي على فوات العيد وأبشر بفرج الله القريب.
ولدي الحبيب.. إن قلبي لا يحتمل ما ألاقيه
من نصب وألم على فراقك فلا تكاد تمر أيام أو أسابيع إلا أراك في منامي ولا أذكر
أنني شاهدتك في منامي إلا وأنا أحتضنك وأنا في أشد حالات البكاء.. فيا بني رفقًا
بأبيك.. لقد زاد شوقي وحنيني لرؤيتك فلا تطل يا بني الفراق.. ورفقا بأمك الحزينة
المكسورة الفؤاد.. ولدي الحبيب لا يسعني يا بني وأنا أفارقك من خلال هذه الكلمات
والسطور والألم يعتصر قلبي إلا أن أدعو الله لك ولإخوانك الأسرى أن يفك الله أسركم
وأن ينزل السكينة على قلوبكم وأن يؤمن روعاتكم وأن يبدل أحزانكم فرحًا
وسرورًا وأن يرجعكم إلينا سالمين غانمين كما رد يوسف على يعقوب إنه نعم المجيب
وبالإجابة قدير.
أوصيك يا ولدي بالاعتصام بالله والإكثار
من الدعاء في جوف الليل وفي سجودك وبقراءة القرآن فإن ذلك هو خير حافظ لك في
هذه الظلمات.
يا بني.. إذا أراد الله لنا عمرا وشاءت
قدرته سبحانه وتعالى أن يجمعنا الله وإياك ونلتقي فذلك فضل من الله ورحمة،
وإذا اختارني الله إلى جواره قبل رؤيتك أوصيك بالتمسك بدينك الذي فيه فلاحك في
الدنيا والآخرة وأن تغفر لي ما أخطأت بحقك وما قصرت وأن تسامحني وألا تنساني من
دعائك الصالح.
وإن كان أجلك قد سبق أجلي فأسأل الله أن
يتغمدك بواسع رحمته وفسيح جناته، وأن يقبلك الله مع الشهداء الأبرار، وأن تكون
شفيعًا لي ولوالدتك يوم أن نلقاه سبحانه وتعالى.
أبلغك سلام وقبلات والدتك وإخوانك ومحبيك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
والدك: أبو عبد الرحمن- الكويت