; رمضان.. وقفات تأمل ومراجعة | مجلة المجتمع

العنوان رمضان.. وقفات تأمل ومراجعة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 82

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 23-فبراير-1993

الأيام المنقضية وحاجة النفس للتأمل

كثيرًا ما تمر الأيام وتنقضي، وتكر الليالي وتنتهي، وتمضي السنون وتنمحي، وتتسرب من بين الأيدي، وتتفلت من بين الجوانح، والإنسان ذاهل النفس، شارد اللب، تائه الخطو، لا يقف مع نفسه وقفة تأمل، ولا مع خطوه لحظة تدبر، وكم هو في حاجة إليها، وفي ظمأ إلى فيئها الحنون وظلها الوارف.


رمضان: واحة الروح وزاد العزيمة

ويلتفت الإنسان المؤمن إلى أيام رمضان، فيجدها تأتي غذاءً وريًّا وواحة وأمنًا، تقف عندها النفس مرفرفة محلقة نشوى تلوذ بحضنها، وتدخل في أمنها. وترشف من رحيقها، وتتعرض لنفحاتها، فتداخلها الأشعة الربانية، والأنوار القرآنية، فتجدد خلايا العقل، وتروح جوانح النفس، وتزيل قتامة الروح، وتنير فجاج الدرب، وترشد سبيل الخطو، تأتي محطة تزود الإنسان بالطاقة، وتمده بالنشاط، وتسلحه بالعزيمة، وتحصنه بالتقوى، تأتي لتوقظ النائم، وتنبه الساهي، وترشد الضال، وتُرجع العاصي.


الصوم: العمل الذي لا يعدله شيء

عن أبي أمامة- رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، مرني بعمل، قال: «عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له»، قلت. يا رسول الله، مرني بعمل، قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»، قلت: يا رسول الله، مرني بعمل، قال: «عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له»، وفي رواية قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة، قال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهارًا إلا إذا نزل به ضيف، ومن هذا نرى أن الصيام يجمع كل صفات الخير، ويعدل كل موازين الأعمال، ويكون سببًا في سيرة طيبة كريمة، توصل الإنسان في دنياه إلى المجد، وتسير به بعد ذلك إلى الجنة، تمامًا كما سارت بأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الدنيا عزيزة ملكوا أقطارها، وفجروا ينابيعها، وثمروا خيرها، وأعطوا كل ذي حق حقه، وملؤوها عدلًا ونورًا، وساروا بعد ذلك إلى الله، وإلى جنة ومقام كريم.


عظمة الأجر في صوم اليوم الواحد

وقد يظن الظان، ويحسب المتعجل أن الصوم عمل عادي، أو شيء قليل، وقد تلمح هذا في ثنايا حديث أبي أمامة ومراجعته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتكراره لنفس السؤال على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فما كان منه- صلى الله عليه وسلم- إلا أن كرر عليه نفس الجواب تأكيدًا، وتعليمًا، وتربية، ولفتًا إلى ما في الصوم من خير وبر ودرجات، ويقرأ الإنسان قول الرسول صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله- تعالى- إلا باعد بذلك اليوم وجهه من النار سبعين خريفًا»، فيرى عظم الثواب، ويلفت إلى جزيل الأجر، وقد يسائل الإنسان نفسه: أيكون هذا لصوم يوم فقط في سبيل الله، وللامتناع عن الطعام والشراب لفترة محدودة من اليوم؟ ولكن هذه النظرة هي التي في الدقيقة تكون عمر الإنسان، فهي وحدة من وحدات حياته، فما الحياة إلا أيام، وما العمر إلا تلك الفترات، فإذا استطاع الإنسان أن يصون يومه عن اللهو والحرام، وأن يدرب نفسه على الفضيلة، ويجعله في مرضاته سبحانه، فيكون ذاكر اللسان، راشد الفكر، طاهر الذيل، نقي الخطو، فقد أفلح في وضع اللبنة الكريمة لحياة عزيزة راشدة، وعمر سامق كريم، يجزيه الله وتجزيه الإنسانية عنه خير الجزاء.


كرامة الصائم والدعوة المستجابة

نرى هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما تُرد»، فنرى في هذا كرامة أخرى للصائم عند الله- تبارك وتعالى- وهي قبول دعوته عند فطره، وعند تمام يومه طاهرًا نقيًا كريمًا، وما كان هذا الفضل وما يكون إلا بعد إبداعات نفسية، واستقامات فكرية، ونهضات عملية تشكلت في ذاتية هذا المؤمن الرباني، فصاغته صياغة فريدة استحق بها هذا الفضل، ونال بها هذا الشرف.


دعوة للتأمل والمراجعة

وبعد، أفلا يستدعي كل هذا وقفة تأمل من الإنسان المسلم اليوم، ولحظة تدبر واستغراق وتبتل في جنبات هذه الأيام المباركة؛ ليحصل هذا الخير، ويظفر بهذا الفضل، ويحظى بتلك الكرامة، وينال هذا الرضوان في وقت نحن أحوج ما نكون إليه، بدلًا من تسرب الأيام، وتفلت الأوقات، وتجرع الحسرات، وضياع الأعمار.

نسأل الله السلامة.


اقرأ أيضا:

رمضانيات

 

فضل شهر رمضان

الرابط المختصر :