; ليلة خميس | مجلة المجتمع

العنوان ليلة خميس

الكاتب د. حمدي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993

مشاهدات 35

نشر في العدد 1042

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 16-مارس-1993

لم تكن يد القدر قد أعطت أحدًا مثلما أعطته، كان عاصم يزيد عن العشرين في عمره حين اجتمع له المال والحسب والشباب والذكاء كله دفعة واحدة. بالأمس أنهى دراسته الثانوية بتفوق، وها هو ذا اليوم طالب في الجامعة يتمتع بفسحة الحياة الجامعية وانسجامها ورخائها. كان حديثَ أقربائه وأصدقائه وقريباته. المال مبذول كالثرى بين يديه يلعب به كما يشاء، الشباب ريحانة فائرة في جسمه الغض، وقد اكتمل نضجًا حتى صار مضرب المثل في فتوته، وهو ابن رجل الأعمال والتجارة المعروف حسبًا وثراء. لكن شيئًا واحدًا تفلت من بين أصابع عاصم، الإيمان بقضية تفجر ذاك المد الذاخر في مجراه الصحيح. كان شخصية بلا قضية، نهرًا بلا ماء، وماء بلا نهر، ويبحث أحدهما عن الآخر في طرفي الأرض دون جدوى، كأن غيومًا كثيفة موقرة بالماء، مشحونة بالحياة، تلعب بها رياح الهوى كما تشاء، وتسوقها في كل اتجاه، وتهش عليها بعصاها حتى تجعلها تمطر هناك حيث يتلاطم الماء فوق البحار، ويحزن حتى البحر من سقوط المطر فوقه، وهو يرى شقيقته اليابسة تشقق وجهها صدعًا وظمأ وجفافًا. ما أضيع المطر فوق البحار! ومصباح أمته يبحث عن قطرة زيت في زمان القحط والضياع.

ينجح ونادرًا ما يقرأ لشدة ذكائه، يكاد يحفظ ما يقول المدرس شفاهًا، وإذا قرأ فتح عشرين كتابًا دفعة واحدة: كتابًا جامعيًا، قصة غرامية، قصيدة قبانية...إلخ، يقرأ بالجملة، ولم ينس أن يلم بآخر أخبار الحركة الفنية وأسماء الفنانات المتزوجات منهن والعازبات، وطرفًا عن أخبار الكرة الجوفاء في القارات الخمس كعلامة على ثقافته العصرية.

وكم جلس عاصم هناك طريح الأحلام بين همسات العود وآهات الربابة، يتابع تصاعد الحرف المتموج من بين شفتي الفنانين في وله، وقد احتل الفيديو مساحة واسعة من حياته الصاخبة الثائرة، فجاءت نفسه أشبه بغابة مليئة بالأصوات والوحوش والزئير، لكن أشجارها العملاقة عقيمة لا تثمر، وإن أثمرت فلا تثمر إلا العليق البري والسدر القليل. كان فخورًا بمواطن القوة والثراء فيه، ركب أمواج الغريزة حتى لجتها، وتمدد فوق أثباجها المتموجة يتلمس أشعة الشمس الدافئة في ضحى الحياة. ورغم كل هذا لم يكن عاصم يحس بالسعادة، السعادة كانت سرابًا يسعى خلفه وهي تهرب منه كالأشباح، وانفجارات اللذة في حياته آنية زائفة، لا تكاد تتكامل حتى تنطفئ كفقاعات الصابون، ولا تكاد تولد إلا وينهشها مخلب الألفة والاعتياد، ويدعها إلى العدم.

كان للفنان محمد عبده نكهة خاصة في فمه، يسرح مع الأنغام التي تنبعث من فمه، ويتماوج وتتراقص أعضاؤه معها دون شعور في ظلال الكلمات وأفياء الخيال، حتى كأنه يعيش أحداثها حية حاضرة. (ليلة خميس) هذه الأغنية بالذات كان لها سرها بين أغانيه، كما كان لها سحرها بين ليالي الأسبوع عنده؛ لأنها فسحة فراغ واسترخاء وأحلام يعاقر لحظاتها حتى آخر لحظة، ويساهر نجومها وأقمارها وظلامها الحالم. ذلك الظلام كان أكثر إشعاعًا وثراء لديه من ضياء الأيام، والليل دائمًا كريم بإيحاءاته لدى العاشقين، إنه أشبه بصندوق أسود ختم بالشمع الأسود، ينغلق على الخطايا والذنوب، كما ينغلق المستنقع الآسن على أسرار النتن.

فشل أحمد أخوه كل الفشل في أن ينتزعه من نيوب اللهو مرارًا وتكرارًا، وقد رأى دمه ينزف عليها وأشلاءه مزقًا حولها. كم جرى خلفه يأخذ بمجامع ردائه يذبه عن المنحدر الآيل إليه، وعن النار الدنسة التي أوقدها بيديه ليتعبدها بخشوع كالمجوس، والنار تتواثب لذة وسعارًا وشهوات في لحمه. كان أحمد أخاه وتِربه نشآ معًا كقطين أليفَينِ في بيت واحد، يغمره الثراء، ويرفرف حوله الحسب والجاه، وقد ترك لهما والدهما الحبل على غاربه يأكلان ويغذوان ويندفعان في حرية دون ضغط أو توجيه. كان هم الوالد أن يعدد المال والعقارات والشاحنات، وأن ينمو أولاده في بحبوحة ورخاء. وما باللحم وحده يحيا الإنسان، وكان يمكن ليد العبث أن تتخطف أحمد كما فعلت بعاصم، لولا احتماؤه بالمسجد. لقد رفع التقوى وجاء ضد سهام التسيب القاتلة، واتخذ من حمائم المسجد -المصلين- أنيسًا وسياجًا، كما حاولوا دعوة عاصم وأمثاله إلى وليمة الإيمان والهدى التي يرتادونها، لكن عاصم كان نشارًا، كان فرسًا جامحًا يتأبى انقيادًا، لقد أسلم قياده للهوى، يُفطر فوق عطارد، ويتغدى فوق المريخ، ويسعده أن يصنع المفاجآت، ويكون حديث المساء والسهرات.

في أصيل يوم حزين تناهى إليهم خبر حادث سيارة عنيف ألمّ بعاصم، نزل النبأ على أخيه أحمد نزول الصاعقة، وطار إليه مع إخوانه كلمح البصر.. كان عاصم هناك مسجى على نقالة المستشفى في طريقه للإسعاف، يتأرجح بين الوعي والسبات، والدم يَتَدَفَّق من جراحه..

عاصم، عاصم، صاح أحمد والعبرات تخنق كلماته: عاصم. لكن عاصم لم ينبس ببنت شفة، كان هناك في سكرات الاحتضار يحرك أطرافه حركات لاإرادية كغريق يستغيث بين الأمواج في وسط المحيط. وأحس أحمد بخطورة حالة أخيه، قال لنفسه: ازرع نخلة واحدة في صحراء حياته القاحلة، تكون له ظلًا يفيء إليه يوم لا ظل إلا ظل الله.

عاصم: قل لا إله إلا الله.

فتح عاصم عينيه فجأة، أعادت لأحمد بصيص الأمل، إنه حي.. عاصم، عاصم: قل لا إله إلا الله. وتحركت شفتا عاصم، وتمتم بكلمتين هامستين على غير وعي: «ليلة خميس»!

حزن أحمد واسترجع: حتى في هذه اللحظات الحرجة، ليلة خميس!

وانهمرت دموعه على خد أخيه وصرخ:

عاصم: قل لا إله إلا الله، دع ليلة الخميس الآن.

موجة أخرى من موجات النزع غاصت به إلى دركات المجهول، ثم حملته ثانية إلى السطح، ففتح عينيه ثانية وهي تطفح ألمًا وعذابًا: «ليلة خميس».

كرر أحمد المحاولة، حاول كثيرًا انتزاعه من أسار ليلة الخميس هذه ولم يستطع، لقد أحاطت به أغنيته المحببة من كل جانب، وسد ظلام ليلة الخميس عليه نوافذه من حوله، وظل يرددها تلقائيًا دون شعور.. ثم حملته موجة نزع أخيرة بعيدًا بعيدًا إلى العالم المغيب، سكت عاصم، وسكنت آخر حركاته، وسلم روحه إلى عالم البقاء، كما يسلم حامل أمانة أمانته إلى صاحبها الموعود.

عاد أحمد من المستشفى إلى بيته ليخبر أهله بما حصل وعيناه مسربلتان بغلالة من الدمع الحار الحزين، وذهب يلقي نظرة على السيارة وملابسات الحادث.. اقترب من السيارة القتيلة، هي ذي كعاصم جثة هامدة طريحة الموت مشوهة مضرجة، وقد أصابها ما أصابها من تلف، فاستحالت كتلة شائهة من حديد، ودمه تناثر بين أحشائها.. ما هذا؟ إنه يسمع صوتًا ينبعث منها.. اقترب أكثر، تسارعت خطواته يستجلي الصوت.. كل شيء فيها كان قد طُعن، واندحق كل شيء إلا شفتا المسجل، ظلت تتمتم كعاصم آخر أغنية ودعته بها: «ليلة خميس»!

وتجتر آلاتها السوداء حداء الموت الذي رافق عاصمًا إلى مثواه الأخير، وكاد أن يلقنها «لا إله إلا الله»، ولكنه تذكر أنها السيارة، وليست عاصم.

ولَشَدَّ ما كانت دهشة أحمد حين أفاق من ذهوله، ومن هول المفاجأة ليسقط في هول مفاجأة أخرى، إنها الليلة التي مات فيها عاصم كانت «ليلة خميس» أيضًا. يا لغرابة التوافق والنذير في خطوات القدر!

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :