العنوان الإسراء والمعراج
الكاتب الشيخ محمد الأباصيري خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975
مشاهدات 13
نشر في العدد 256
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-يوليو-1975
تمخض حقد المشركين على المسلمين في مكة عن عقد
معاهدة فيما بينهم تعتبر المسلمين ومن يعاونهم فئة معزولة عن سائر الناس! [يقاطَعون]
فلا يبيع أحد لهم شيئًا ولا يبتاع منهم شيئًا، ولا يزوجهم ولا يتزوج منهم، وكتبوا
بنود تلك المعاهدة في صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة توثيقًا لها، وتوكيدًا للالتزام
التام بنصوصها، فاضطر المسلمون إلى الاحتباس في شعب بني هاشم ومكثوا على ذلك ثلاث
سنوات عانوا فيها ما عانوا حتى لقد أكلوا ورق الشجر من شدة الجوع، ولكن هذه الآلام
القاصمة لم تشغلهم عن العمل لدعوتهم فكانوا يعرضونها على الوفود في موسم الحج، وقد
أدت مثابرتهم على الدعوة رغم ما هم فيه من عنت وإرهاق إلى كسب أنصار كثيرين
للإسلام، وإلى تردد أعدائهم في صواب ما أقدموا عليه من مقاطعتهم، فشرع فريق منهم
يعمل على إبطال المعاهدة ونقض الصحيفة وتم ذلك.
وما إن خرج المسلمون من الحصار واستأنفوا
نشاطهم في العمل لدنياهم ودينهم حتى أصيب الرسول صلى الله عليه وسلم بوفاة زوجته
خديجة، ثم بوفاة عمه أبي طالب، وكان ذلك مصابًا فادحًا ورزءًا عظيمًا، فخديجة رضي
الله عنها قد آوت الرسول في أخرج الأوقات، وشاركته مرارة الجهاد، وصدقته حين كذبه
الناس، وعاونته بنفسها ومالها، فموتها نكبة.. وأبو طالب قد كفل محمدًا كفالة كريمة
ودافع عنه بعد الرسالة دفاعًا مجيدًا، وكان سدًا منيعًا بينه وبين إيذاء قريش،
فموته يهد ركنًا حصينًا من أركان حماية الدعوة.
ولهذا اشتطت قريش في إيذاء رسول الله بعد موت
أبي طالب، وكان من الصور البشعة لشططهم في الإيذاء أن وضعوا سلا جزور بين كتفي
الرسول وهو ساجد وأخذوا يتضاحكون، ولم يطرحه عنه إلا ابنته فاطمة، وقد قال الرسول
صلى الله عليه وسلم: «ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب».
وإزاء هذا الموقف من قريش فكر الرسول صلى الله
عليه وسلم في أن يتجه إلى قبيلة أخرى لها مكانة في القوة يلتمس فيها العون
والمناصرة، فاستصحب معه (زيد بن حارثة) واتجه إلى قبيلة «ثقيف» في الطائف ولكن
ثقيفًا أبت الإيمان، وردت الرسول ردًا منكرًا رغم طول تردده على منازلهم!
فلما يئس من استجابتهم لدعوته طلب منهم أن
يكتموا خبر مقدمه إليهم حتى لا يحمل ذلك قريشًا على المبالغة في إيذائه، ولكن
القوم -بدلًا من الاستجابة لهذا الطلب- حرشوا به صبيانهم وسفهاءهم يرمونه بالحجارة
حتى أدموا عقبيه، فلجأ إلى بستان وجلس في ظل كرمة يلتمس الأمن والنجاة من هؤلاء
الأراذل، وأخذ يستجمع في فكره ماضي مكة الظالم، وحاضر الطائف الخسيس، والمستقبل
المحجوب بالغيب فلم يجد مفزعًا إلا إلى الله يناجيه: «اللهم إني إليك أشكو ضعف
قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي
إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا
أبالي ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر
الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول
ولا قوة إلا بك».. ثم عاد إلى مكة (في جوار رجل مشرك هو المطعم بن عدي) والألم
يعتصر قلبه، ومرارة الإعراض عن الحق تحز في نفسه! ولم يمضِ كبير وقت على عودته من
الطائف حتى طمأنه الله وكرمه فكان الإسراء والمعراج.
والإسراء رحلة إلهية برسول الله صلى الله عليه
وسلم ليلًا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام وقد أشار القرآن
الكريم إلى الإسراء بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).
وقد أعد الله رسوله إعدادًا خاصًا لهذه
الرحلة، فجعل روحه في ذروة الإشراق، وكثافة جسده في منتهى الخفة حتى يتحمل هذا
الانطلاق السريع، فقد أركبه جبريل البراق وهو كائن يضع خطوه عند أقصى طرفه كأنه
يمشي بسرعة الضوء.
وكانت هذه الرحلة المعجزة إلى بيت المقدس
بالذات للدلالة على أن الإيمان الذي درج في رحاب بيت المقدس قديمًا على يد الرسل
السابقين على الإسلام هو الإيمان نفسه الذي نزل على رسول الإسلام وأن هذا الرسول
ورث تعاليم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقام يجاهد لنشرها ودعوة الناس إليها
بعد أن أهدرها اليهود فقضى الله بلعنتهم وسلب القيادة الروحية من أيديهم، وتسليمها
إلى ذرية إسماعيل.
ومن ثم كان المسجد الأقصى ثالث الحرمين في
الإسلام وصلًا للماضي بالحاضر، وتنبيهًا بأن على المسلمين أن يصونوه ويدفعوا
الأعداء عنه ما دامت الحياة.
وفي بيت المقدس جمع الله رسله السابقين
لاستقبال خاتم الرسل محمد -عليه الصلاة والسلام- وقدمه جبريل ليؤمهم في الصلاة،
وما هذا إلا إعلام بأن أصل الرسالة الإلهية واحد، وأن محمدًا هو صاحب الرسالة
الخاتمة، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الله أخذ الميثاق على أنبياء بني إسرائيل
بذلك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن
كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ
ذَٰلِكُمْ إِصْرِيۖ قَالُوا أَقْرَرْنَاۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ
الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81).
أما المعراج فهو ارتفاع الرسول صلى الله عليه
وسلم من بيت المقدس إلى السموات، سماء بعد سماء، إلى أن وصل إلى مكان لا يعرف كنهه
إلا الله، وفيه تلقى الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه فرضية الصلاة التي تصل
العبد بربه، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتطهر قلبه من كل فتنة تريد شده بعيدًا عن
خالقه.
روى البخاري - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى
الله عليه وسلم - قال: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفرها الصيام
والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وقد كانت فرضية الصلاة في السماء دون غيرها من
العبادات علامة على عظيم قدرها، وبالغ أثرها في مصير العبد، فهي الفارقة بين
الإسلام والكفر، وهي النور لمن أقامها وحافظ عليها.
وبعد هذا التكريم من الله لرسوله نزل الرسول صلى
الله عليه وسلم من السماء إلى بيت المقدس، وركب البراق، وعاد إلى مكة، وأدرك صلاة
الصبح بها وفي صبيحة تلك الليلة العظيمة حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس
في مكة بما تم له وبما شهد من آيات ربه الكبرى فكذبوه وتحدوه أن يصف لهم بيت
المقدس، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يصفه لهم لولا أن جلاه
الله له فأخذ ينظر إليه ويخبرهم بأوصافه، وذلك أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في
تلك الليلة لم تكن التعرف على بناء بيت المقدس وما يحويه هذا البناء من نوافذ
وأبواب وما يقوم عليه من أعمدة، وإنما كانت مهمة روحية تستهدف وحدة الإيمان الذي
أمر الله به جميع الرسل، وإطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض آيات الله
الكبرى، والتعرف على الملأ الأعلى.
روى البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم
عن آياته وأنا أنظر إليه».
ومع ما سمعوا من أوصاف بيت المقدس التي
يعلمونها لكثرة ترددهم على بلاد الشام للتجارة ظلوا على تكذيبهم حتى لقد أخبرهم
بعير لهم رآها في الطريق وقد ند منها بعير.
ووصلت العير وتحدث رجالها بما ذكره الرسول صلى
الله عليه وسلم عنها ومع ذلك أقاموا على تكذيبهم، بل لقد ارتد بعض المسلمين عن
الإسلام. في المسند من حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حدثهم
بمسيره إلى بيت المقدس وبعيرهم التي رآها في الطريق ارتد عن الإسلام بعضهم فضرب
الله أعناقهم مع أبي جهل.
وقد رأى الرسول الكريم في الإسراء والمعراج
بعض آيات ربه الكبرى التي اطمأن بها على تكريم الله له، وأنه بعين الله ورعايته،
وأن ما ناله وأتباعه من أذى على يد الكفار إنما هو سنة الله في الدعوات الحقة،
وبعد الابتلاء والنجاح فيه يتنزل النصر من عند الله العزيز الحكيم: ﴿إِنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51).
والقرآن الكريم كما أشار إلى الإسراء أشار إلى
المعراج بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ
عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾
(النجم: 13-18).
وستظل ذكرى الإسراء والمعراج أداة تنبيه
وإيقاظ لضمائر المسلمين أن يدفعوا عن المسجد الأقصى كل سوء ينزل بساحته، وأن
يبذلوا في ذلك نفوسهم وأموالهم، وألا يمكنوا شذاذ الآفاق وجراثيم الإنسانية من
الاستقرار فيه وفيما حوله من الأرض المباركة أرض فلسطين قلب العروبة والإسلام
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).