; مصر: دوافع وأسباب توتر العلاقات المصرية السودانية! | مجلة المجتمع

العنوان مصر: دوافع وأسباب توتر العلاقات المصرية السودانية!

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992

مشاهدات 183

نشر في العدد 1016

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 15-سبتمبر-1992


·       تقارير خارجية وكتابات مغرضة تسعى لزيادة الخلافات بين مصر والسودان.

·       بدأت الغيوم في سماء العلاقات بين مصر والسودان بعدما بدأت ملامح النظام الجديد في السودان بعد عدة أشهر من انقلاب البشير.

 

القيادة السياسية المصرية سيكون لها وقفة مع المحاولات المستمرة لتهريب السلاح إلى مصر عن طريق السودان وبالتعاون مع إيران، وإن مصر لن تفرط في شبر من أرضها، وإنها سترد على كل المحاولات بالقوة.. و«حلايب وشلاتين وأبو رماد أرض مصرية وستظل مصرية».. هذه التصريحات التي أعلنها د. يوسف والي نائب رئيس الوزراء المصري والأمين العام للحزب الوطني في الشهر الماضي، كانت تعبيرًا عن حالة التوتر التي وصلت إليها العلاقات المصرية السودانية بعد فترة من حالة «عدم الانسجام» بين النظامين، فما هي الأسباب وراء ارتفاع حدة التوتر والتي دفعت بالبعض إلى الاعتقاد بأنه يمكن حدوث عمل عسكري بين البلدين!

 

ولن أضيف جديدًا إذا تحدثت عن العمق التاريخي للعلاقات المصرية السودانية منذ فجر التاريخ، وحتى بعد مؤامرة انفصال الجنوب عن الشمال، فما زال وسيظل السودانيون هم مصريو الجنوب، والمصريون هم سودانيو الشمال، وليس هناك دولتان عربيتان إسلاميتان تحملان من عوامل الوحدة والقوة مثلما يحمل المصريون والسودانيون، فشوارع القاهرة لا تخلو من أهل الجنوب، كما أن أحياء السودان لا تخلو من أهل الشمال وهكذا تمزج أخوة الشعبين الذي يجمع بينهما نهر النيل منذ فجر التاريخ وتوحد بينهما العقيدة الإسلامية واللغة والبساطة.. وحتى عام 1956 كان حاكم مصر هو حاكم مصر والسودان، حتى نجحت بريطانيا في نزع هذا الجزء العزيز من أرض مصر بمعاونة بعض رجالها في الداخل هنا أو هناك.

 

بداية التوتر:

 

واستمر موقف الحكومات المصرية المتعاقبة من السودان ونظام الحكم فيه، موقف الاحترام والتقدير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعندما حدث انقلاب البشير عبرت القيادة المصرية عن ارتياحها الشديد له، وأعلنت وسائل الإعلام في القاهرة عن نجاح الانقلاب قبل أن تعلن عنه إذاعة الخرطوم نفسها، واستمر الموقف هكذا بضعة أشهر، حتى بدت ملامح النظام الجديد في السودان في التحول نحو الالتزام بتعاليم الإسلام، وتبني نهج الجبهة الإسلامية التي يتزعمها الدكتور حسن الترابي، وعندئذ بدأت الغيوم في سماء العلاقات بين البلدين وبالرغم من خطوات التكامل المصري السوداني، التي كانت قد بدأت بالفعل، إلا أنه سرعان ما زال كل شيء، وفترت العلاقات ولم نعد نسمع عن السودان شيئًا أو نقرأ في الإعلام المصري عن الأهل في جنوب الوادي. ثم بدأت حالة التوتر في التزايد بعد هجوم القيادة المصرية على الدكتور حسن الترابي وعلى وقوع قادة الإنقاذ السودانيين تحت سيطرة الترابيين ووصف هذا الخط بالتطرف ومحاولة زعزعة الاستقرار في مصر عن طريق دعم التيار الإسلامي وتدريبه وتسليحه، وتحدثت القيادة السودانية فنفت هذه الاتهامات مؤكدة استقلاليتها في القرار وأنها مسؤولة فقط عما يصدر عنها من تصريحات أو تُصدره من قرارات، وأن الدكتور الترابي لا يتولى أي منصب سياسي في الدولة.

 

في هذه المرحلة من التوتر ظهرت مشكلة «حلايب وشلاتين وأبو رماد» وهي مجموعة من القرى على الحدود المصرية السودانية تسكنها بعض قبائل النوبة، وهي قبائل منتشرة على الحدود المصرية السودانية، وليس هناك ما يثير الاهتمام، وفي إحدى جولات حرس الحدود السوداني شاهد مجموعة من الخيام منصوبة في هذه المنطقة، وعندما اقترب منها فوجئ بأنها مجموعات بحثية أمريكية تُجري أبحاثًا في منطقة حلايب دون استئذان من أحد فقاموا بمطاردتهم، فانتقلوا إلى داخل الحدود المصرية، وحسب المعلومات الخاصة، أبلغت الحكومة السودانية الحكومة المصرية وأجهزة مخابراتها بتواجد هذه المجموعة الأمريكية في داخل الحدود، حتى يمكن معرفة دوافعها في هذه المنطقة وماذا تهدف من وراء تواجدها هناك.. فعادت القوات المصرية «حرس الحدود» للسيطرة على هذه المنطقة وبدأت المشكلة.. هل هي تقع داخل الأراضي المصرية أم السودانية، وقبل أن تُشكَّل لجنة لدراسة القضية والوصول إلى حل يرضي الطرفين، صدرت التصريحات من هنا وهناك، ليتصاعد التوتر الذي كانت الأجواء مهيأة له، وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل العربي....

 

استمرار التصعيد:

 

وزير الأوقاف المصري بالإضافة إلى د. يوسف والي أسهم في تصعيد الأزمة، فأصدر قرارًا بضم مساجد حلايب وشلاتين وأبو رماد، وهي المنطقة المتنازع عليها، إلى وزارة الأوقاف، وكذلك الأعيان والأراضي الموقوفة عليها، وتعيين خطباء ومقيمي شعائر لها، وأُكثر من الحديث عن مثلث العنف والإرهاب «أي» راشد الغنوشي وحسن الترابي ود. عمر عبد الرحمن وبدأت بعض الأقلام الحكومية هنا وهناك تصب الزيت على النار وتضيف إلى الأزمة أزمات جديدة وكلما جاء مسؤول من السودان إلى مصر أو حدث العكس هدأت العاصفة حينًا، سرعان ما تعود الزوابع مرة أخرى، وإذا كانت بعض العناصر في السلطة المصرية أو السودانية تدفع إلى مزيد من التوتر بتصريحاتها، فإن الدبلوماسية المصرية تتعامل مع الأزمة بمنطق التهدئة وعدم الاستفزاز وكذلك السياسة السودانية، وهو بالطبع الحل الصحيح الذي يراعي الجذور التاريخية وعلاقات الشعبين، فماذا يحدث إذا ذهبت حلايب وشلاتين وأبو رماد إلى السودان أو إلى مصر؟! وهل سيطرة أي من البلدين على هذه القرى أهم من تصاعد مشاعر الكراهية بين الشعبين بسبب هذه المشكلة؟!

 

أسباب الأزمة:

 

إن أسباب الأزمة الحالية في العلاقات تعود إلى أبعاد ثلاثة:

الأول: البعد السياسي وهو يتمثل في عدم ارتياح القيادة المصرية للتوجه السوداني الإسلامي وخوف القيادة المصرية من تأثير ذلك على ارتفاع حدة العنف الديني في الساحة المصرية، خاصة وأن هناك أنباء تتردد كثيرًا في هذه الآونة عن وجود مجموعات إسلامية تنتمي فكريًا وسياسيًا لتنظيم عمر عبد الرحمن وعبود الزمر بينما يتواجد الأول في أمريكا والثاني يقضي عقوبة السجن المؤبد ويتردد أن هذه المجموعات تتدرب بدنيًا وعسكريًا في معسكرات خاصة بالسودان، وأن عددًا من الشباب المصري الذي كان متواجدًا في أفغانستان أثناء فترة الجهاد، قد توجه إلى السودان للإقامة هناك، وبينما تتردد هذه الأنباء بقوة، إلا أن القيادة السودانية تنفيها تمامًا، وتطالب المسؤولين المصريين بالدليل عليها.

الثاني: التصريحات غير المسؤولة التي تصدر من أعضاء في السلطة هنا أو هناك والتي تزيد الموقف تأزمًا، وتفتح الطريق أمام توتر العلاقات دون أن تضع المصلحة العليا للبلدين فوق كل سياسة، وفوق كل نظام.

الثالث: البعد الخارجي فهناك أطراف غربية عديدة على رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا تدفع القيادة المصرية إلى تصعيد التوتر عن طريق مدها بمعلومات خاطئة عن عمليات تهريب سلاح وتدريب متطرفين وإحداث قلاقل داخل مصر، من قبل الحكومة السودانية، وقد كشفت وثائق نشرت في القاهرة هذا الأسبوع عن دور المخابرات الغربية في إذكاء الصراع بين مصر والسودان، وتصوير الأمور في غير صورتها الحقيقية، وهو ما دفع العلاقات إلى حافة الخطر، فهل تدرك القيادة المصرية والقيادة السودانية أن الأمن القومي العربي، فوق كل الخلافات وأن مصالح الشعبين يجب أن تبتعد عن كل الصراعات الشخصية والسياسية؟.. هذا ما نرجوه.

 


الرابط المختصر :