بين الحِلم والسياسة
الأحنف بن قيس.. حين يصنع الصمت نفوذ القيادة
أورد الذهبي في
ترجمة الأحنف بن قيس: «قِيْلَ: كَانَ زِيَادٌ مُعَظِّماً لِلأَحْنَفِ، فَلَمَّا
وُلِّيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللهِ، تَغَيَّرَ أَمْرُ الأَحْنَفِ، وَقَدَّمَ
عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي الأَشْرَافِ،
فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللهِ: أَدْخِلْهُم عَلَيَّ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِم، فَأَخَّرَ
الأَحْنَفُ، فَلَمَّا رَآهُ مُعَاوِيَةُ، أَكْرَمَهُ لِمَكَانِ سِيَادَتِهِ،
وَقَالَ: إِلَيَّ يَا أَبَا بَحْرٍ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُم،
فَأَخَذُوا فِي شُكْرِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ زِيَادٍ، وَسَكَتَ الأَحْنَفُ، فَقَالَ
لَهُ: لِمَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: إِنْ تَكَلَّمْتُ خَالَفْتُهُم، قَالَ:
اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ عَزَلْتُ عُبَيْدَ اللهِ، فَلَمَّا خَرَجُوا، كَانَ فِيْهِم
مَنْ يَرُوْمُ الإِمَارَةَ، ثُمَّ أَتَوْا مُعَاوِيَةَ بَعْد ثَلَاثٍ، وَذَكَرَ
كُلُّ وَاحِدٍ شَخْصاً، وَتَنَازَعُوا.
فَقَالَ
مُعَاوِيَةُ: مَا تَقُوْلُ يَا أَبَا بَحْرٍ؟ قَالَ: إِنْ وَلَّيْتَ أَحَداً مِنْ
أَهْلِ بَيْتِكَ، لَمْ تَجِدْ مِثْلَ عُبَيْدِ اللهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعَدَّتُهُ، قَالَ:
فَخَلَا مُعَاوِيَةُ بِعُبَيْدِ اللهِ، وَقَالَ: كَيْفَ ضَيَّعْتَ مِثْلَ هَذَا
الرَّجُلِ الَّذِي عَزَلَكَ وَأَعَادَكَ وَهُوَ سَاكِتٌ!؟ فَلَمَّا رَجَعَ
عُبَيْدُ اللهِ، جَعَلَ الأَحْنَفَ صَاحِبَ سِرِّهِ»(1).
تكشف هذه
الحادثة جانبًا من شخصية الأحنف بن قيس بوصفه أحد أبرز رجال الحلم والسياسة في صدر
الإسلام، حيث لم يكن تأثيره قائمًا على منصب رسمي أو قوة مادية، وإنما على مكانة
اجتماعية وعقل سياسي استطاع من خلالهما أن يدير المواقف المعقدة بأقل قدر من
الكلام وأكثر قدر من التأثير.
وتنتمي هذه
القصة إلى سياق سياسي حساس في العصر الأموي، حين كانت إدارة العراق تحتاج إلى
شخصيات تجمع بين معرفة النفوس وفهم توازنات القبائل والقدرة على حفظ الاستقرار، والمقصود
من قراءتها هنا ليس إصدار حكم على كل تفاصيل المرحلة التاريخية، وإنما تأمل
الدلالات الإنسانية والقيادية التي تحملها الرواية.
لماذا اختار الأحنف الصمت في مجلس معاوية؟
لم يكن سكوت
الأحنف بن قيس في مجلس معاوية انسحابًا من المشهد، بل كان حضورًا من نوع آخر، فقد
كان الجميع يتنافسون في الثناء على عبيد الله بن زياد، بينما اختار الأحنف ألا
يدخل في موجة المجاملة التي لا يعتقدها، وعندما سُئل عن سبب صمته فقال: «إن تكلمت
خالفتهم»، ظهرت دقة اختياره؛ فهو لم يهاجم القوم، ولم يقدّم شكوى شخصية، وإنما ترك
للموقف أن يكشف الحقيقة بنفسه.
وهذا المعنى
قريب من الهدي النبوي في ضبط الكلام، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ
لِيَصْمُتْ»(2)، فالصمت هنا ليس غاية في ذاته، وإنما هو اختيار حين لا
يكون في الكلام خير أو حين يكون السكوت أبلغ في أداء المقصود.
وتؤكد السيرة هذا
المعنى في وصف جابر بن سمرة رضي الله عنه لمجلسه صلى الله عليه وسلم، فقد «كَانَ
طَوِيلَ الصَّمْتِ»(3)، وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتحدثون في أمور
الجاهلية، فيتبسم إذا ضحكوا؛ فكان صمته حضورًا ووقارًا وضبطًا للمجلس، لا غيابًا
عن مجرياته.
وتؤكد بقية
الرواية أن صمت الأحنف لم يكن عجزًا عن الكلام؛ فقد ظل ساكتًا حتى طلب معاوية رأيه
بعد أن تنازع القوم، فكانت كلمته هي التي رجحت القرار، وفي واقع الناس اليوم، تظهر
قيمة هذا الخلق في بيئات العمل والقيادة؛ فليس كل خلاف يحتاج إلى رد مباشر، وليس
كل استفزاز يستحق استنزاف الطاقة، أحيانًا يكون ضبط النفس هو الطريق الأقصر لإعادة
ترتيب موازين القوة، ما دام الصمت موقفًا واعيًا لا هروبًا من المسؤولية.
أثر الحكمة والكفاءة في صناعة النفوذ القيادي
كان الأحنف بن
قيس نموذجًا للقيادة القائمة على التأثير لا على السلطة، فَقَدَ مكانته الشكلية
عند عبيد الله بن زياد، لكنه لم يفقد مكانته الحقيقية عند الناس ولا عند أصحاب
القرار، وهنا يظهر الفرق بين النفوذ المرتبط بالمنصب والنفوذ المرتبط بالكفاءة؛
فالمنصب قد يمنح الإنسان قدرة مؤقتة على إصدار الأوامر، أما الحكمة والتجربة وحسن
قراءة الواقع فهي التي تمنح صاحبها مكانة طويلة الأثر.
ويأتي مصعب بن
عمير رضي الله عنه شاهدًا تطبيقيًا واضحًا لهذا المعنى؛ فقد كان سفير الإسلام إلى
المدينة، ولم تكن قوته مستمدة من ولاية أو سلطان، وإنما من شخصيته وحسن بيانه
وتأثيره في الناس، حتى أسلم على يديه سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير(4)
وغيرهما، فصنع تحولًا تاريخيًا بقوة التأثير الشخصي والإيماني لا بسلطة المنصب، وتكشف
سيرته أن القيادة لا تحتاج إلى منصب؛ فقد استطاع، بعيدًا عن مظاهر الحكم والولاية،
أن يؤثر في شخصيات ذات مكانة اجتماعية، ويسهم في تغيير اتجاه مجتمع بأكمله، بما
امتلكه من كفاءة وحسن بيان وقدرة على الإقناع.
وتتجلى في موقف
أبي بكر الصديق رضي الله عنه قيمة المكانة الاجتماعية بوصفها رصيدًا للقيادة؛ إذ
لم يكن يتقلد منصبًا ولا رئاسة رسمية في قريش، ولكنه كان رجلًا مألفًا محببًا،
سهلًا، ذا خلق معروف وحسن مجالسة، فدعا من وثق بهم، فأسلم على يديه كبار الصحابة
كعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن
بن عوف(5).
ويكشف هذا
الموقف أن المكانة التي تُبنى على الثقة وحسن الخلق يمكن أن تمنح صاحبها قدرة على
التأثير وصناعة التحول، حتى من غير منصب أو سلطة رسمية.
ومن هنا، فإن
القائد الحقيقي لا يقيس قيمته بعدد من يصفقون له، بل بقدرته على حفظ مكانته عند
تغير الظروف، وقد كشفت خاتمة الرواية أن تأثير الأحنف لم يكن مرهونًا بموقع رسمي؛
فعلى الرغم من إبعاده وتقديم غيره عليه، ظل حاضرًا في صناعة القرار حتى استعاد
مكانته، وجعله عبيد الله صاحب سرّه، وهكذا تثبت تجربته أن المنصب قد يمنح سلطة،
لكنه لا يصنع بالضرورة قيادة، وأن التأثير الحقيقي قد يصدر عن الحكمة والمكانة
والكفاءة، ولو غاب المنصب.
تغليب المصلحة العامة عند إدارة الخصومات السياسية
كان بإمكان
الأحنف بن قيس أن يجعل الموقف مع عبيد الله بن زياد معركة شخصية، لكنه اختار
طريقًا أكثر تعقيدًا وفاعلية، ترك الأحداث تكشف الحاجة إليه، ولم يحول الخلاف إلى
خصومة معلنة، وعندما أُعيد النظر في أمر الولاية، لم يدفع نحو الانتقام، بل رأى أن
بقاء الشخص المناسب قد يكون أصلح من فتح باب الفوضى والتنافس، وهذه صورة من صور
التفكير الإستراتيجي؛ إذ يفرق القائد بين خصومته الخاصة وبين مصلحة المجتمع، فلا
يسأل فقط: كيف أنتصر على خصمي؟ بل يسأل: ما القرار الذي يحفظ النظام ويحقق
المصلحة؟
ويؤصل القرآن
لهذا النوع من ضبط القرار بقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فالخصومة لا ينبغي أن
تتحول إلى سبب لإهدار العدل، ولا أن تجعل المصلحة الشخصية حاكمة على القرار العام،
ويتجلى هذا المبدأ عمليًا في إدارة النبي صلى الله عليه وسلم للأزمة التي نشأت بين
المهاجرين والأنصار في غزوة «بني المصطلق»، حين احتدم الخلاف وكادت العصبية أن
تفتح باب الفتنة، فقال صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»(6)،
ثم أمر بالرحيل، فحال بتدبيره دون اتساع دائرة النزاع، ويكشف هذا الموقف أن إدارة
الأزمة لا تكون بمجاراة الانفعال أو الدخول في تفاصيل الخصومة، وإنما بقطع أسباب
التصعيد وإعادة توجيه الجماعة نحو ما يحفظ وحدتها.
ويتجلى بُعد آخر
في موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان،
حقنًا لدماء المسلمين وإيثارًا للمصلحة العامة على حظ النفس والمنافسة، فسُمّي ذلك
العام بـ«عام الجماعة»(7).
وتبرز قيمة هذا
الموقف في أن القرار لم يكن استجابةً لرغبة في الاحتفاظ بالموقع، وإنما تغليبًا
لمصلحة الجماعة وما يترتب على القرار من آثار في استقرارها وحقن دمائها، وهو معنى
يلتقي مع موقف الأحنف بن قيس حين لم يجعل خلافه مع عبيد الله بن زياد دافعًا
للانتقام، بل نظر إلى ما يراه أصلح لاستقرار الأمر ومنع الفوضى.
وهكذا تكشف
مواقف هؤلاء أن القائد لا ينجح في إدارة الأزمات بمجرد قوة رد الفعل، وإنما بقدرته
على الفصل بين المشاعر الشخصية ومتطلبات المصلحة العامة.
كيف تحافظ على استقلالية رأيك وسط التزلف؟
كان الأحنف بن
قيس مدركًا لطبيعة المجالس السياسية؛ فالكثرة لا تعني دائمًا الصواب، والصوت
الأعلى ليس بالضرورة الصوت الأبعد نظرًا، لقد وقف أمام ظاهرة التزلف التي قد تظهر
حول أصحاب السلطة، فاختار أن يحافظ على استقلال موقفه، وهذه الاستقلالية هي التي
جعلت كلمته لاحقًا ذات وزن، وفي المجتمعات المعاصرة، يحتاج أصحاب المسؤولية إلى
أشخاص لا يكتفون بتأكيد رغبات القيادة، بل يمتلكون شجاعة الحكمة والنصح، مع
المحافظة على الأدب وحسن الأسلوب.
ويتجلى هذا
النوع من الحكمة الاجتماعية في موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مع أبي هريرة
رضي الله عنه؛ فعندما سُئل عن كثرة سماع أبي هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم،
لم يجعل ذلك موضع غيرة أو انتقاص، بل قال: «أما أن قد سمع من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما لم نسمع، فلا أشك»(8)، ثم بيّن سبب ذلك، موضحًا أن ملازمة
أبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم أتاحت له من السماع ما لم يتيسر لغيره، فالحكمة
هنا تتمثل في فهم اختلاف الظروف التي صنعت تميز الآخر، وحفظ مكانته بدل تحويل هذا
التميز إلى موضع منافسة أو خصومة.
ويظهر بُعد آخر
لصناعة التوازن الاجتماعي في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار يوم «حنين»،
حين أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنائم، ولم يعط الأنصار، فلما وجدوا في أنفسهم خطبهم
بكلمات جامعة، بيّن لهم حكمته من ذلك، وأنه إنما أعطى أولئك تأليفًا لقلوبهم، أما
الأنصار فقد أوكلهم إلى إيمانهم وثقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قالوا:
«رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا»(9)، فالموقف يكشف قدرة القيادة على
مراعاة تفاوت النفوس والظروف، وتوزيع المعاملة بما يحفظ وحدة الجماعة ويمنع تحول
الشعور بالغبن إلى انقسام.
ومن هنا، فإن
الحكمة الاجتماعية لا تعني مجرد الاستقلال بالرأي، وإنما القدرة على قراءة النفوس
والظروف، وحفظ مكانة الآخرين، وصناعة التوازن في المواقف التي تتعدد فيها المصالح
والانفعالات، ولهذا كان صمت الأحنف في ذلك المجلس ذا دلالة؛ إذ لم يكن صمتًا
نابعًا من ضعف في الشخصية، بل من إدراك لطبيعة الموقف، واختيار للوقت والطريقة
اللذين يحفظان له استقلال رأيه ومكانته دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
كيف نستفيد من حكمة الأحنف بن قيس اليوم؟
لا يتمثل الحضور
المعاصر لسيرة الأحنف بن قيس في استنساخ مواقفه في ظروف مختلفة، وإنما في الإفادة
من المنهج الذي حكمها؛ فهذه الحادثة تقدم نموذجًا مهمًا في التربية والقيادة
والإدارة.
- ففي الأسرة،
يحتاج الإنسان إلى الحكمة قبل الانفعال.
- وفي التعليم،
يحتاج المربي إلى بناء الشخصية لا مجرد كثرة التوجيه.
- وفي العمل،
يحتاج المسؤول إلى أصحاب الرأي المستقل لا أصحاب الموافقة الدائمة.
فالقيمة الكبرى
التي تقدمها سيرة الأحنف ليست مجرد قصة تاريخية، بل مبدأ متكرر؛ أن الإنسان قد
يخسر موقعًا مؤقتًا لكنه يحافظ على قدرته على التأثير إذا حافظ على اتزانه
ومبادئه.
ولم يكن بقاء
هذه القيم مرتبطًا بزمان الأحنف وحده، بل امتد أثر سيرته في الذاكرة الاجتماعية
والعلمية؛ إذ قال الحسن البصري في وصفه: «ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف»(10)،
وهي شهادة تختصر المكانة التي اكتسبها بسلوكه وفضله، وتكشف أن أثر الشخصية
القيادية قد يتجاوز زمنها ليبقى حاضرًا في وجدان الأجيال.
كما أسهم عناية
العلماء بتدوين السير والتاريخ في حفظ هذا الحضور وإتاحته للأجيال اللاحقة؛ فقد
قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ»(11)،
فكان تدوين أحوال الرجال وسيرهم وسيلة لحفظ التجارب وتمييز الثابت من الدخيل،
وبقاء سير الأعلام مصدرًا للاقتداء والاستفادة في إصلاح الفرد والمجتمع، ومن هنا
لا تُقرأ سيرة الأحنف بوصفها حكاية من الماضي فحسب، وإنما بوصفها تجربة إنسانية
وقيادية قابلة لاستحضار قيمها في واقع متجدد.
خلاصة تجربة الأحنف في الحلم والسياسة
تكشف سيرة
الأحنف بن قيس أن الحلم إذا اقترن برجاحة العقل لم يعد مجرد خصلة في السلوك، وإنما
أصبح منهجًا متكاملًا في فهم الناس والمواقف، وتقدير العواقب، والتعامل مع
المتغيرات دون اضطراب في المبدأ، ومن هنا جاءت قيمة تجربته من اجتماع خصال متعددة
في شخصية واحدة؛ فالعقل يوجّه الموقف، والحلم يضبطه، والاستقلال يحفظه، وحسن
التقدير يمنحه القدرة على التعامل مع تعقيدات الواقع.
ولعل أبلغ ما
يلخص هذه التجربة ما قاله معاوية لعبيد الله بن زياد: «كيف ضيعت مثل هذا الرجل
الذي عزلك وأعادك وهو ساكت؟!»؛ فالكلمة هنا لا تصف موقفًا عابرًا، وإنما تكشف قيمة
رجل أدرك خصمه نفسه أن وجوده يتجاوز حدود المنصب والظرف، وأن وزن الشخصية قد يظهر
في قدرتها على التأثير في مسار الأحداث من غير استعراض ولا طلب للمكانة.
ولهذا، تظل سيرة الأحنف جديرة بالقراءة في كل عصر؛ لا لأنها تقدم وصفة جاهزة لمواقف مختلفة، وإنما لأنها تكشف أن بناء الشخصية المؤثرة يقوم على تكامل الأخلاق والعقل والخبرة وحسن التقدير، فليست العبرة في أن يكرر الإنسان مواقف الأحنف، وإنما في أن يتعلم كيف يصنع لنفسه من القيم منهجًا، ومن العقل بصيرة، ومن التجربة قدرة على الاختيار؛ وبذلك تتحول السيرة من خبر يُروى إلى معنى يُبنى عليه، ومن تجربة تاريخية إلى درس إنساني قابل للحياة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 95).
- 2 أخرجه البخاري (6475)، ومسلم (47).
- 3 أخرجه أحمد بسند حسن (20810).
- 4 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 59).
- 5 البداية والنهاية: ابن كثير (3/ 29).
- 6 أخرجه البخاري (4907)، ومسلم (2584).
- 7 أخرجه البخاري (2704).
- 8 أخرجه أبو يعلى في مسنده (637)، وقال محققه: رجاله ثقات.
- 9 أخرجه أحمد بسند حسن (11730).
- 10 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 91).
- 11 الكفاية في علم الرواية: الخطيب البغدادي (119).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً