الختمة السماعية.. سُنة مهجورة

أحمد الهولي

02 أبريل 2025

81

كلنا أو غالب عامة الناس تختم القرآن قراءة، وكل منا محدد لنفسه ورداً من جزء أو جزأين أو ثلاثة في اليوم، وربما أكثر أو أقل.

لكن تحديد ورد سماعي يومي ينتهي بختمه سُنة مهجورة هناك من فعلها وتركها وهناك من لم يفعلها قط.

دعني أحدثك عن الفائدة أولاً قبل أن أستعرض لك أدلة فضيلتها، ففائدتها:

1- تجعلك تتدبر بكلام الله وآياته وعباراته ولا تنشغل بتصحيح وتشكيل وقراءة النطق الصحيح للكلمات في الآية.

2- الأثر الوجداني التربوي، الذي يجعلك تخنع وتخشع من صوت القارئ الذي يحمل كلام الله عز وجل، وهو تأثير القرآن الفطري على الإنسان، وقد ترك هذا الأمر آثار الهداية والتوبة على كثير من البشر.

3- تتعلم من خلاله النطق الصحيح للقرآن والتجويد ويوفر لك وقتاً وجهداً كثيراً عن التعليم المنتظم لذلك.

4- مناسب للانشغالات والظروف خصوصاً المتنقل كثيراً، فتستطيع المحافظة على ختمتك السماعية وأنت تمشي وأنت في السيارة أو الطائرة أو الباص وغيرها، هناك أشخاص كانت لهم ختمات سماعية عديدة بسبب متابعتها وهو يمشي في ممشى منطقته أو قريته.

5- الاستماع يبعث السكون والراحة والطمأنينة والهدوء.

6- الاستماع يصرف الشياطين والوسوسة والأفكار الزائدة والسيئة.

حسناً.. هل هناك دليل على فضل الاستماع، وأن هناك أجوراً عظيمة مرتبة وهو مكمّل لمنهج القراءة له؟

نعم، المنهج التعليمي والإيماني للقرآن يجب أن يكون استماعاً وقراءة، لكن الاستماع مهم جداً وله الفضل الأكبر:

- قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) (الأعراف: 204)؛ أي: سبب نزول الرحمة على المستمعين.

- وقال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) (الجن)؛ أي: غاية في الجمال والإعجاز والتأثير والهداية.

- وقال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) (الأحقاف :29).

- وقال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: 18)؛ أي: فاستمع له وأنصِت

- وقال تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (مريم: 58)، الله عز وجل يثني هنا على المستمعين والمتأثرين به وأنعِم به من ثناء.

- وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2).

- وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 83).

- وقال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر: 18).

وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى آيةٍ من كتابِ اللهِ كُتِب له حسنةٌ مضاعفةٌ ومن تلاها كانت له نورًا يومَ القيامةِ»، وللدارمي عن ابن عباس قال: «من استمع إلى آيةٍ من كتابِ اللهِ كانت له نورًا».

وفي الحديث الذي رواه البخاري عن عبدالله بن مسعود قال: قالَ لي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلتُ: أأقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: «فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيرِي»، فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ «النِّسَاءِ»، حتَّى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء: 41)، قالَ: «أمْسِكْ»، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

والسؤال: أيهما أفضل الاستماع أم القراءة؟

التوفيق بينهما مطلوب، لكن أجر القراءة منوط بالاجتهاد والعمل وتحريك اللسان فهو عظيم الأجر وفق النصوص التي جاءت تحث على ذلك كحديث الحرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، وحديث النبي ‏صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وهو ماهرٌ فيه فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق ويتعتع فيه فله أجران»، يقول الإمام ابن باز: هذا فيه فضل عظيم، له أجران إذا قرأ القرآن وهو يتعتع فيه.

أما الاستماع ففضله في تأثيره على القلب والتدبر عند سماعه وأبلغ في الخشوع، كما أن له أجر وفضيلة الإنصات وسبب نزول الرحمات التي خصها الله عز وجل للمنصت والمستمع.

كما أن فوائده التي أسلفناها من تعليم وإتقان ومعرفة من خلال الاستماع كثيرة، خصوصاً أنك تأخذها من أفواه القراء والمتقنين.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة