5 معينات على الاستقامة بعد رمضان

جرعة إيمانية عظيمة أخذها المسلم في رمضان، وتعد هذه الجرعة ركيزة يستطيع أن يبني عليها حياة مليئة بالخير مفعمة بالإيمان، إذا استمر على هذه الحال، وهذا يحتاج إلى جهد وعزيمة؛ لأن النفوس قد يصيبها الفتور بعد مواسم الطاعات؛ لذا كان المسلمون في حاجة إلى المعينات على الاستقامة ومواصلة العمل الصالح بعد رمضان، ومن هذه المعينات:

1- استشعار قيمة ما اكتسبه في رمضان:

كان رمضان فرصة للاستزادة من الطاعات، وتحصيل الحسنات، وتربية النفس على جميل الصفات، فلا ينبغي أن يكون مجرد محطة عابرة، بل وسيلة للانطلاق نحو حياة مليئة بالطاعات، فإذا كان المسلم قد جاهد نفسه وألزمها بالطاعة في رمضان حتى استقامت عليها؛ فإن هذا مكسب عظيم لا يليق بصاحبه أن يفرط فيه، بل يغتنمه ويؤسس عليه عملاً صالحاً دائماً.

2- الاستعانة بالله رب العالمين:

إن قلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالله سبحانه وتعالى يثبّت من يشاء ويهدي إلى صراط مستقيم؛ لذا أرشدنا سبحانه وتعالى إلى الاستعانة به في ذلك، حيث قال عز وجل: (رَبَّنَا ‌لَا ‌تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)، وفي مسند أحمد عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ‌ثَبِّتْ ‌قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ»؛ لذا كانت الاستعانة بالله تعالى سبيلاً إلى الثبات على طاعته.

3- ملازمة الصالحين ومفارقة الغافلين:

تعين الصحبة الصالحة المسلم على الثبات بعد رمضان وعدم الانقطاع عن الأعمال الصالحة، ذلك أن الناس بعد رمضان قد يصابون بالفتور في العبادة، وهنا يأتي دور الصحبة الصالحة في الإعانة على الالتزام والاستمرار، فالإنسان يتأثر بمن حوله، فإذا كانت صحبته صالحة؛ ساعدوه على تجنب المعاصي والاستمرار في الخير، كما تقوم الصحبة الصالحة بالتذكير للمسلم عند النسيان أو الانشغال عن العبادة.

أما من غفل عن ذكر ربه؛ فإن صحبته شر وضلال، بل هي الطريق إلى التفريط في جنب الله، وقد أمر الله عز وجل بصحبة الصالحين ومفارقة الغافلين في قوله تعالى: (‌وَاصْبِرْ ‌نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28)، فصحبة الصالحين من أكبر المعينات على الاستقامة، وقد سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة؛ لذا كان الصالحون يستعينون بالصحبة على مداومة الطاعة، ففي حلية الأولياء عن جعفر صاحب محمد بن واسع رحمه الله قال: كنت إذا وجدت ‌من ‌قلبي ‌قسوة ‌نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، ففي هذا دليل على أن الصحبة الصالحة معينة على الطاعة والعبادة.

4- العلم أن الاستقامة على الطاعة بعد رمضان دليل على قبولها:

أكد العلماء أن من علامة قبول الطاعة التوفيق لطاعة بعدها، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير رضي الله عنه، قَالَ: «‌إِذَا ‌رَأَيْتُ ‌الرَّجُلَ ‌يَعْمَلُ ‌الْحَسَنَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَهُ يَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا»، ففي هذا دليل على أن الله تعالى إذا تقبل من عبده عملاً صالحاً فإنه يوفقه إلى الاستمرار والمداومة عليه، وهذا من أهم الدوافع التي تعين على الاستقامة بعد رمضان.

5- الحذر من هدم البنيان بعد تمامه:

كان المسلم في رمضان حريصاً على بناء الصلة بينه وبين ربه، من خلال إقامة الصلاة ودوام الصدقة وإحسان الصيام وضبط الأخلاق.. إلى غير ذلك من أوجه الجمال في عبادة الله تعالى، فلا يليق بعاقل أن يبني هذا البناء الرائع في رمضان ثم ينقضه بعد رمضان وهو في أمسّ الحاجة إليه بعد ذلك، وقد حذّر الله تعالى من ذلك بقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي ‌نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل: 92)؛ أي: تفسده بعد إتمامه وإحكامه، بل إن الله تعالى ضرب مثلاً في القرآن الكريم ينكر فيه على من ينسلخ من الطاعة إلى المعصية، حيث قال عز وجل: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ‌فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف: 175).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها، ففي صحيح البخاري عن عَبْداللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، ‌لَا ‌تَكُنْ ‌مِثْلَ ‌فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»، وفي صحيح البخاري، ومسلم، عن أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ‌«كَانَ ‌عَمَلُهُ صلى الله عليه وسلم ‌دِيمَةً»؛ أي: يداوم على العمل الصالح، ولا يخص به يوماً دون يوم أو شهراً دون شهر أو عاماً دون عام.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة