الشيخ حسين والي.. سيرة عالِم خدم العربية (1 - 2)
الشيخ حسين والي،
أحد علماء الأزهر الذين كان لهم باع طويل في خدمة اللغة العربية والدين الإسلامي، وقد
اشتهر بكتابه في الإملاء، غير أن جهوده اللغوية أوسع من هذا الجانب؛ تشهد بذلك
بحوثه المنشورة والمخطوطة، ومناقشاته في مجمع اللغة العربية بمصر، الذي كان من بين
أعضائه الأوائل.
فعن بحوثه يقول
الأستاذ منصور فهمي في كلمته في تأبينه: «أما بحوثه اللغوية وما نشر منها في مجلة
مجمعنا الموقر بالذات فتشهد له بعلو الكعب في اللغة العربية وسلامة الأسلوب
وبراعته، حتى ليكاد القارئ لما كتب الفقيد من هذه البحوث يجمع إلى الإيمان بتدقيقه
فيها الإيمان بفصاحة أسلوبه الكتابي البارع وعذوبته وطلاوته، وهذا بحثه "سبيل
الاشتقاق بين السماع والقياس" الذي نشر في الجزء الثاني من مجلة المجمع يكاد
يكون نموذجًا لدقة البحث والقدرة أشد ضروب القدرة على النفوذ إلى الغرض وحسن
التخريج، كما يكاد يكون نموذجًا للفصاحة الكتابية، وبراعة الأسلوب، وجمال التصوير،
وسلامة المنطق».
ويصف منصور فهمي
مناقشاته في المجمع بأنه كان الفيصل فيها؛ يقول القول اليقين حين يدور الجدل في
الاصطلاح أو القاعدة، ويستند إلى اطلاعه على دقائق العربية وأسرارها، فيضع قوله
موضع الحجة والبرهان.
ولكلام منصور
فهمي عن مناقشات الشيخ شواهد تعضده؛ من ذلك ما حدث عند مناقشة مواد لائحة مجمع
اللغة العربية الملكي بمصر، حين اعترض الأب أنستاس الكرملي على كلمة «حاجات» في
عبارة «ملائمة لحاجات الحياة في العصر الحاضر»، قائلًا: «لماذا عبرنا
بـ"حاجات" وهي جمع قلة، ولم نعبر بـ"حوائج" التي تفيد
الكثرة؟».
فرد الشيخ والي
قائلًا: «إن "حاجات" جمع قلة معرف بالإضافة إلى "الحياة"،
والجمع المعرف يصلح للقلة والكثرة»، وانتهى المجمع إلى إبقاء كلمة «حاجات».
كما يشهد لمكانة
شيخنا العلمية عضويته في هيئة كبار العلماء، ورئاسته للجنة الفتوى بالأزهر.
الشيخ حسين والي.. نشأة في بيت علم
هو الشيخ حسين
بن حسين بن إبراهيم بن إسماعيل بن وهدان والي الحسيني المصري الأزهري، وينتسب
وهدان والي، أحد أجداد شيخنا، إلى السلطان عامر بن مروان الحسيني، الذي ينتهي نسبه
إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وُلد الشيخ حسين
والي في بلدة ميت أبي علي، من أعمال مركز الزقازيق بمحافظة الشرقية بمصر، سنة
1869م، من أبوين صالحين ينتسبان إلى أسرة ذات شهرة من زمن طويل.
وكان والده
الشيخ حسين والي من علماء الأزهر المبرزين، وقد عاصر المشايخ الأشموني، والصدفي،
والنشوي، وحسن الطويل، والمرصفي، وكان مدرسًا بالمدرسة التجهيزية، كما كان مفتيًا
للسادة المالكية بمكة المكرمة، وإمامًا بالمسجد الحرام في المقام المالكي.
ولاهتمام الوالد
بالعلم أشرف على ابنه حسين منذ نعومة أظفاره، فأسلمه إلى كُتّاب القرية التي وُلد
فيها؛ فحفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، ولم يبلغ
التاسعة من عمره، وحينئذ استصحبه والده إلى القاهرة، حيث أقام مع عمه مصطفى بهجت
باشا في حي السيدة زينب، وأدخله مدرسة ابتدائية أتم بها الدراسة.
ثم التحق
بالأزهر وهو في الثالثة عشرة من عمره، فدرس التجويد والقراءات، ثم انتقل إلى
العلوم الشرعية والعقلية، فدرسها على المشايخ الشربيني، والأشموني، والنشوي،
والبرديني، والبشري، ووالده.
فلما أشرف على
العشرين تُوفي والده، فمضى يواصل الدراسة في الأزهر حتى حصل على شهادة العالمية،
في امتحان كان من أعضاء لجنته المشايخ محمد عبده، وسليم البشري، والنجدي، ومما
يُذكر أن امتحانه كان شديدًا، حتى استمر يومين متواليين.
من التدريس إلى مجمع اللغة
بعد حصوله على
العالمية من الأزهر عُين مدرسًا للعلوم العقلية والشرعية، فدرّس أغلب كتبها، وخاصة
كتاب «الأم» للإمام الشافعي، الذي أذن له بتدريسه أستاذه الشيخ الأشموني، وكان
يومئذ في سن الثلاثين، وقلما يُجاز تدريس هذا الكتاب لغير كبار العلماء الذين
أوتوا بسطة في العلم والتفكير.
ولما أُنشئت
مدرسة القضاء الشرعي سنة 1907م، اختير الشيخ حسين والي لتدريس الأدب العربي،
والإنشاء، والمنطق، وأدب البحث والمناظرة، وبعض العلوم الشرعية.
ثم عُين مفتشًا
عامًا للأزهر والمعاهد الدينية، ووضع مشروع قانون الأزهر الذي صدر سنة 1911م، ثم
عُين وكيلًا لمعهد طنطا، فكاتبًا للسر العام في الأزهر.
وعمل الشيخ
رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر، وكان الإمام محمد عبده يُحيل إليه استفتاءات مشكلة،
كثيرًا ما كانت ترد عليه من مختلف الأقطار الإسلامية، وقد احتوت مجلة «المنار» على
كثير من فتاواه.
كما عمل
سكرتيرًا عامًا لمؤتمر الخلافة الإسلامية، وكان عضوًا مؤسسًا في جماعة الدعوة
والإرشاد.
وفي سنة 1924م
تقدم للترشح لعضوية هيئة كبار العلماء ببعض مؤلفاته المطبوعة، ومنها: «أدب البحث
والمناظرة»، و«الاشتقاق»، و«رسالة التوحيد»، و«رسائل الإملاء»؛ فصدر الأمر بتعيينه
عضوًا في هذه الهيئة الموقرة، وكان أحد أعضائها الذين شاركوا في محاكمة الشيخ علي
عبد الرازق عندما نشر كتابه «الإسلام وأصول الحكم».
ولما أُنشئ مجمع
اللغة العربية الملكي في ديسمبر 1932م، كان الشيخ في صدر من اختيروا لعضويته، من
بين عشرين عضوًا من العلماء الأثبات في مصر والأقطار العربية، ومن المستشرقين من
علماء أوروبا؛ فكان اختياره تقديرًا لمنزلته العلمية والأدبية.
وقد شارك في
أعمال عدد من لجان المجمع؛ فكان عضوًا في لجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة
العلوم الاجتماعية والفلسفية، ولجنة الأصول العامة، ولجنة المجلة، ولجنة دراسة
معجم فيشر.
مؤلفات تتجاوز شهرة الإملاء
اشتهر الشيخ
حسين والي بكتاب «الإملاء»، حتى لقبه بعض العلماء بـ«العالم الإملائي»، يقول الشيخ
محمد رفعت فتح الله: «وكان للعالم الإملائي المرحوم الشيخ حسين والي حديث ظرافة،
إذ رأى بعض صور الهمزة فقال: أعوذ بالله من همزات الشياطين!».
بيد أن المتصفح
لحياة شيخنا يجد له مؤلفات وبحوثًا متنوعة، منها:
1- أدب البحث
والمناظرة: ذكره عمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين».
2- اسم الآلة:
بحث منشور في محاضر جلسات مجمع اللغة العربية، الدورة الأولى، ص371–378.
3- الإملاء في
علم الحساب: ذكره سركيس في «معجم المطبوعات العربية والمعربة».
4- الإملاء
الكبير: ولعله كتاب «الإملاء» الذي اشتهر به.
5- البحث في
قياس فَعَّال من المتعدي واللازم: كلمة ألقاها في الجلسة الثلاثين من الدورة
الثانية لمجمع اللغة العربية، ونُشرت في محاضر جلساتها، ص315–316.
6- بحث في
مَفْعَلة: منشور في محاضر جلسات المجمع، الدورة الثانية، ص219–222.
7- تاريخ آداب
اللغة العربية: في ثلاثة مجلدات ضخام، ذكره عمر رضا كحالة.
8- التضمين: بحث
منشور في محاضر جلسات مجمع اللغة العربية، الدورة الأولى، ص209–225.
9- تكملة فروع
مادة لغوية ورد بعضها في المعاجم ولم ترد بقيتها: بحث منشور في محاضر جلسات
المجمع، الدورة الثانية، ص81–87.
10- تمرين
الإملاء في الخُلُق والأدب واللغة والإنشاء وغير ذلك: ذكره الشيخ حسين والي نفسه
في كتاب «الإملاء»، فقال: «ألفت كتاب تمرين الإملاء، وطبعته في سنة 1326هـ 1908م،
وهو أول كتاب في تمرين الإملاء جمع مائة وستين تمرينًا، ورسم على طريقة الجمهور
المشهورة الآن، وليس فيه نبرة، ولم يقع فيه ولا في طبعه خطأ، فكله صواب يرجع إليه،
ويعتمد عليه، وفيه أمور علمية لا توجد في غيره، ونقلت منه بعض عبارات هنا عند
إعادة الطبع».
وقرّظت مجلة
«المنار» هذا الكتاب، فذكرت أن الشيخ لم يجعل تمارينه كلمات مفردة ولا جملًا
منثورة مختصرة، بل جاء بنبذ في الأخلاق والآداب من مختار الشعر، فجمع بين
الفائدتين، وأن الكتاب طُبع على ورق جيد في 304 صفحات.
11- رسائل
الإملاء.
12- رسالة
التوحيد: ذكرها عمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين»، وذكر سركيس في «معجم المطبوعات
العربية والمعربة» «كتاب التوحيد»، وقال: «وهو كتاب في علم الكلام، تم الجزء الأول
منه سنة 1329هـ».
وقرّظت مجلة
«المنار» كتاب «التوحيد» للشيخ حسين والي، فقالت: «إن كل طائفة من "كتاب
التوحيد" تشرح صدرك، وتترك في نفسك أثرًا صالحًا، لا يعقبه مرض في القلب، ولا
غشاوة على البصر».
13- سبل
الاشتقاق بين السماع والقياس: بحث منشور في مجلة مجمع اللغة العربية، الجزء
الثاني، ص195–227.
14- القصيدة
النومية المسماة بالإشارة النبوية، وأولها:
أمسيت بالله في
شؤون والإنس
والجن في شؤون
لم أنسه وهو خير
معطي لا في حراك ولا في سكون
وآخرها:
سقاني الله كأس
شوق على ضروب من اللحون
15- كتاب في علم
الحيوان: ذكره زكي مجاهد في كتابه «الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة
الهجرية»، وقال: «يناهز الثلاثمائة صفحة».
16- كتاب في فقه
الشافعية: ذكره زكي مجاهد في «الأعلام الشرقية»، فقال: «له كتب مخطوطة من أهمها
كتب في فقه الشافعية تزيد على الستين كراسة كلها تعليقات على مراجع المذاهب
الأصلية».
17- كتاب في
اللغة: ذكره زكي مجاهد في «الأعلام الشرقية»، وقال: «ينيف على الستمائة صفحة».
18- كلمة
التوحيد: ذكره سركيس في «معجم المطبوعات العربية والمعربة»، وبيّن أنه ألّفه
لتلامذة المدارس الأولى من القسم الأول من طلاب مدرسة القضاء الشرعي، وطُبع بمصر
سنة 1329هـ، وكان هذا الكتاب من مصادر بعض فتاوى مجلة «المنار».
19- كلمة في
القرارات السبعة التي رآها مجمع اللغة العربية في دور الانعقاد الثاني: منشورة في
مجلة مجمع اللغة العربية بمصر، الجزء الثالث، ص11–18.
20- مختصر
الإملاء والتمرين: قرر المجلس الأعلى للأزهر في 28 صفر سنة 1336هـ، الموافق 13
ديسمبر سنة 1917م، تدريسه لطلاب الفرقتين الأولى والثانية بالمعاهد الدينية.
وقد اطلعت على
نسخة مصورة من طبعته الثانية، الصادرة عن مطبعة علي سكر بمصر سنة 1920م، أخرجتها
دار الظاهرية ومركز «الراسخون» بدولة الكويت سنة 2018م.
21- المُعَرَّب:
بحث منشور في محاضر جلسات مجمع اللغة العربية بمصر، الدورة الأولى، ص310–316.
22- المُوَلَّد:
بحث منشور في محاضر جلسات المجمع، الدورة الأولى، ص334–345.
23- النسب إلى
جمع التكسير: بحث منشور في محاضر جلسات المجمع، الدورة الثانية، ص186–193.
24- هل ينوب بعض
حروف الجر عن بعض؟: بحث منشور في محاضر جلسات المجمع، الدورة الأولى، ص248–263.
وتكشف هذه
المؤلفات والبحوث عن تنوع اهتمامات الشيخ حسين والي، واتساع جهوده في خدمة
العربية؛ فقد جمع بين العناية بكتابتها، والبحث في أبنيتها وتراكيبها، والنظر في
قضايا الاشتقاق والتعريب والتوليد، وتبقى مناقشاته في المجمع ميدانًا آخر للتعرف
على دقة نظره، ومنهجه في معالجة مسائل اللغة.
وبعد، فإن هذه
السيرة وما حفلت به من مؤلفات وبحوث تكشف عن مكانة الشيخ حسين والي، وتنوع جهوده
في خدمة العربية، وفي حلقة قادمة، نقف على بعض آرائه اللغوية ومناقشاته في مجمع
اللغة العربية؛ لنتبين ملامح منهجه، ودقة نظره في معالجة قضاياها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً