العبادة والعادة!
العبادة والعادة..
حين شرع أتاتورك
في تغريب بلاده، عمد إلى طمس كل مظهر يمت للإسلام بصلة، وأفرغ في ذلك الوسع،
والغرب له ردء في مسعاه، وقد آتت مساعيه هذه أكلها، فقد اختفت كل مظاهر الإسلام
إلا قليلًا، وصارت بلاد الترك إلى الغرب أدنى، وغلبت عليها ثقافة الفرنجة، وكل ذلك
قد تم في زمن غير طويل.
لنا أن نتأمل في
التجربة التركية هذه، ولنتبصر بها، ولنتساءل: كيف أفلح أتاتورك في مرامه؟! وكيف
أنجزه على سبيل السرعة؟!
والجواب مطروح
في ثنايا كثير من كتب المفكرين الإسلاميين الذين تصدوا لتحليل الحقبة الأتاتوركية،
وقد تعددت تفسيراتهم وتحليلاتهم لها، بيد أن أكثر ما يقع من العقل موقع الإقناع ما
قاله محمد قطب في كتابه «واقعنا المعاصر»، حين نوه بنكتة غاية في الأهمية، يكاد
يجزم من يقرأها أنها كانت السبب الرئيس في بلوغ أتاتورك لمرامه.
فلقد كانت مظاهر
الإسلام لدى الأتراك وقتئذ قد فقدت روحها، رغم شيوعها فيهم، وصارت تؤدَّى على سبيل
العادات، لا العبادات؛ عادات ورثوها عن أجدادهم والآباء؛ لذا صارت لديهم بغير
تغلغل في نفوسهم، ولا أثر في قلوبهم، هشة الوجود بغير جذور، قد اعتراها الضعف، فلا
قوة لها تصمد بها في وجه محاولات الإجهاز عليها، وقد ذهبت أدراج رياح التغريب التي
نفخ بها الشيطان من فم أتاتورك.
إن استحالة
العبادة إلى عادة، كما ذكر قطب، خير تفسير لما جرى للأتراك على يد أتاتورك، كما
أنها خير تفسير وأصوبه لما نراه من ازدواجية مقيتة لما عليه كثير من مسلمي اليوم،
الذين لا يتوانون عن تأدية الشعائر ويواظبون عليها، وفي الآن ذاته لا يتورعون عن
موبقات جمة فشت فيهم وذاعت، كسبِّ الدين، والغش، والخداع، والكذب.
فهؤلاء قد صارت
لديهم العبادات عادات درجوا على تأديتها بجوارح منفصلة عن القلوب، وحركات غابت
عنها الروح، فلم تترك فيهم أثراً يخلق وازعاً يردعهم عن إتيان المحرمات والمنكرات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً