المال في القرآن.. 7 أسئلة في عصر الاستهلاك
في بريطانيا،
بلغ صافي اقتراض الأفراد من الائتمان الاستهلاكي 2.5 مليار جنيه إسترليني في أغسطس
2026م، بينما ارتفع النمو السنوي للائتمان الاستهلاكي إلى 9.6%.
لا تكشف هذه
الأرقام عن حجم الاقتراض فحسب، بل تجبرنا على طرح سؤال: ماذا يحدث عندما يتحول
المال من وسيلة لإعمار الحياة إلى وسيلة لملاحقة الرغبات؟
وفي عالم تدفع
فيه الإعلانات والمنصات الرقمية الإنسان إلى شراء المزيد، يقدم القرآن الكريم أسئلة
تتجاوز مقدار ما نملك إلى كيفية رؤيتنا للمال وفيم ننفقه، لأن المال في القرآن جزء
أساسي من مسؤوليات الإنسان في الحياة.
المال في القرآن
1- هل المال ملكي حقاً؟
يضع القرآن هذه
العلاقة في إطار مختلف: (وَأَنفِقُوا
مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7)، فالإنسان مستخلف
فيما بين يديه، وليس مالكاً مستقلاً عن إرادة الله، ويبين الطبري، وابن كثير، في
معنى الاستخلاف أن المال الذي في أيدينا هو مما خوّلنا الله إياه، لننظر كيف نتصرف
فيه.
وهذا السؤال
وحده يغير نظرتنا إلى الاستهلاك؛ أنه ليس كل ما أستطيع شراءه يحق لي أن أشتريه.
2- متى يتحول الإنفاق إلى إسراف؟
لا يطلب القرآن
من الإنسان أن يحرم نفسه من الطيبات التي رزقه الله إياها، لكنه يرفض أن يتحول
الإنفاق إلى تجاوز للحدود: (وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ
قَوَامًا) (الفرقان: 67)، والإسراف كما جاء عن ابن عاشور هو تجاوز الحد
الذي تقتضيه حال المنفق وحال من ينفق عليه؛ فالمشكلة لا تكمن في شراء الأشياء، بل
في فقدان معيار «الكفاية» لصالح الرغبة المستمرة في المزيد.
3- هل كل رغبة تستحق أن تتحول إلى شراء؟
يحذر القرآن من
التبذير بقوله: (إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27)، ويبين
الطبري أن التبذير يتصل بإنفاق المال في غير موضعه، بينما يوضح القرطبي أن الإنفاق
في الشهوات بما يتجاوز الحاجة قد يدخل في باب التبذير.
وهنا يصبح
السؤال القرآني المعاصر: هل أشتري لأنني محتاج حقاً، أم لأن السوق أقنعتني بأنني
محتاج؟
4- لمن الحق في مالي؟
يقول تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ
وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) (الإسراء: 26)، فالمال في التصور
القرآني لا ينغلق داخل رغبات صاحبه، بل تتصل به حقوق أخرى، ويؤكد ابن عاشور أن
الآية تجمع للقريب بين حق الصلة وحق المواساة، وهكذا لا يصبح الإنفاق مجرد
استهلاك، بل يمكن أن يتحول إلى صلة ورحمة وتكافل.
5- هل زيادة المال تزيد من قيمتي الشخصية؟
قال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (التكاثر: 1)؛ ويفسر الطبري التكاثر بالتباهي بكثرة المال والعدد،
بينما يراه ابن عاشور انشغالاً عن المهم بالتنافس في الإكثار مما يرغب الناس في
كثرته، وهنا يضع القرآن يده على أحد جذور الاستهلاك؛ أن يتحول امتلاك المزيد من
الأشياء إلى وسيلة لإثبات الذات.
6- كيف نتعامل مع الدَّين والإعسار؟
حين يعجز المدين
عن السداد، لا يدعو القرآن إلى استغلال عجزه، بل يأمر بإمهاله: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ) (البقرة: 280)، فالمال في التصور القرآني لا
ينفصل عن الرحمة والعدل، خصوصاً في المعاملات المالية.
وفي زمن يتزايد
فيه الاقتراض الاستهلاكي، تذكّرنا الآية بأن القدرة على الاقتراض لا تعني بالضرورة
القدرة على الإنفاق؛ فالمال الذي يُنفق اليوم قد يتحول إلى التزام يثقل صاحبه
غداً.
7- ماذا سيتبقى لك مما أنفقته؟
يختم القرآن
سورة «التكاثر» بقوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ
النَّعِيمِ) (التكاثر: 8)، ويربط ابن عاشور الآية بالسؤال عن النعيم الذي أُعطي
للإنسان فلم يشكر الله عليه.
ويؤكد النبي صلى
الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ
حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ،
وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ
فِيمَ أَبْلَاهُ» (رواه الترمذي، 2417).
لذلك لا يسأل
القرآن الإنسان فقط عن مُلكه، بل يفتح أمامه أسئلة قد تنجي صاحبها أو تهلكه: فيم
اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ وماذا صنع المال بك؟ وهكذا يعيد المال في القرآن تعريف
علاقتنا بالمال من مجرد الاستهلاك إلى أمانة ومسؤولية يحاسب عليها العبد يوم
القيامة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً