المرأة المسلمة في الحياة العامة.. حين تصبح الهوية تهمة!
حين تظهر المرأة
المسلمة في الحياة العامة، قد يُسأل عن حجابها قبل عملها، وعن مظهرها قبل أفكارها،
وعن هويتها قبل إنجازها، وفي أحيان أخرى، تُوضع أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن
تتخلى عن بعض مظاهر هويتها حتى تثبت كفاءتها، أو أن تُقدَّم باعتبارها امرأة مقيدة
تحتاج إلى من يتحدث باسمها.
لكن ماذا لو
كانت المشكلة في الصورة التي تُرسم لها، لا في قدرتها على رسم صورتها بنفسها؟
المرأة المسلمة في الحياة العامة.. حين تسبق الهوية الكفاءة
تكشف البيانات
الأوروبية أن بعض النساء المسلمات يواجهن بالفعل عوائق مرتبطة بإظهار هويتهن
الدينية، ووفق «وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية»، قالت 45% من النساء
المسلمات اللاتي يرتدين ملابس دينية: إنهن تعرضن للتمييز العنصري عند البحث عن عمل
خلال السنوات الخمس السابقة للمسح، مقابل 31% ممن لا يرتدين تلك الملابس، وترتفع
النسبة بين الشابات من 16 إلى 24 عاماً إلى 58%، مقابل 38% بين الشابات في العمر
نفسه ممن لا يرتدين ملابس دينية.
ولا يتوقف الأمر
عند فرص الحصول على العمل؛ إذ أظهرت بيانات الوكالة أن 46% من النساء المسلمات
اللاتي يرتدين ملابس دينية كنّ يعملن، مقابل 61% ممن لا يرتدينها.
وفي بريطانيا،
خلص تقرير لجنة المرأة والمساواة في البرلمان لعام 2026م إلى أن المضايقات التي
تتعرض لها المسلمات، إلى جانب الخوف من التعرض لها، قد تدفع بعضهن إلى الرقابة
الذاتية والانسحاب من المشاركة في الحياة العامة.
مع أن المرأة
المسلمة قد تكون طبيبة أو باحثة أو معلمة أو رائدة أعمال أو صحفية أو ناشطة
مجتمعية، وقد تختار أخرى أن تجعل أسرتها محور حياتها أو أن تشارك في مجال مختلف، ولا
توجد تجربة واحدة تختصر ملايين المسلمات، كما لا يمكن اختزال امرأة كاملة في
لباسها أو انتمائها الديني.
حين يصبح الحجاب العائق
قد تدخل امرأة
مسلمة مقابلة عمل، فيصبح حجابها أول ما يُلاحظ قبل خبرتها ومؤهلاتها، وقد تشارك في
نشاط مجتمعي، فيُناقش لباسها قبل إسهامها، وقد تظهر في الإعلام، فيتحول مظهرها إلى
قصة بحد ذاته، بينما تتراجع أفكارها وإنجازاتها إلى الخلفية.
لماذا يُطلب من
المرأة المسلمة في الحياة العامة أن تشرح هويتها قبل خبراتها؟ فالملابس قد تعبّر
عن اختيار أو انتماء، لكنها لا تختصر علماً ولا كفاءة ولا طموحاً ولا شخصية، والحجاب،
مهما كان دالاً على هوية صاحبته، لا يقدم وحده إجابة عن قدراتها أو خياراتها أو
رؤيتها للحياة.
كما أن الاعتراف
بالتمييز الذي قد تواجهه بعض المسلمات لا يعني التعامل معها باعتبارها عاجزة عن
فهم تجربتها أو التعبير عنها.
صورتان متناقضتان.. واختزال واحد!
قد تواجه المرأة
المسلمة في الحياة العامة صورتين مختلفتين ظاهرياً؛ في الأولى، تُقدَّم باعتبارها
امرأة مضطهدة تحتاج إلى من ينقذها أو يحررها، ويُفسَّر حجابها أو التزامها الديني
باعتباره دليلاً تلقائياً على غياب الاستقلال.
وفي الثانية، قد
تُختزل في هويتها الدينية نفسها، وكأن التزامها يمنعها من أن تكون صاحبة رأي أو
مهنة أو مبادرة أو حضور اجتماعي.
وهذا ما يجعل
القضية أكبر من مجرد نقاش حول الحجاب، فالمرأة المسلمة ليست رمزاً لصراع ثقافي،
ولا نموذجاً مطالباً بإثبات موقف مسبق، ولا ممثلة تلقائية لملايين النساء.
إنها إنسانة لها
تجربتها وخياراتها وقدراتها، ومن حقها أن تتحدث عن نفسها دون أن تُحاصر داخل قالب
جاهز.
الإسلام لا يلغي صوت المرأة
حين ننظر إلى
التصور الإسلامي للمرأة، لا نجدها مجرد متلقية سلبية لقرارات الآخرين؛ قال الله
تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (التوبة: 71).
فالآية تقدم
المؤمنين والمؤمنات شركاء في المسؤولية الإيمانية والأخلاقية، كلٌّ بحسب ما كلفه
الله به، ولا تجعل المرأة طرفاً هامشياً ينتظر من يتحدث عنه.
وفي السُّنة
النبوية، تظهر للنساء صور متعددة من الحضور في المجتمع، قال النبي صلى الله عليه
وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وروت الربيع بنت معوذ: «كُنَّا نَغْزُو
مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ،
وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (أخرجه البخاري).
وثبت كذلك عن
عائشة رضي الله عنها قالت: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ
النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: (أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً) (الممتحنة: 12)، قَالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا
بِقَوْلِهِ» (صحيح البخاري).
وهذه النصوص لا
تعني إلغاء الضوابط الشرعية أو التسوية بين جميع صور مشاركة المرأة المسلمة في
الحياة العامة في الحكم الشرعي، لكنها تبين أن كينونة المرأة ليست سبباً في إلغاء
حضورها الاجتماعي أو قدرتها على الإسهام في مجتمعها.
الهوية الإسلامية ليست نقيضاً للمشاركة
من أكثر
الافتراضات رسوخاً في بعض النقاشات المعاصرة أن الاندماج في المجتمع يقتضي تخفيف
حضور الهوية الدينية، لكن المشاركة شيء، والذوبان شيء آخر.
فالمرأة المسلمة
تستطيع أن تدخل الجامعة وهي متمسكة بدينها، وأن تعمل في مؤسسة مهنية وهي محافظة
على قيمها، وأن تخدم مجتمعها وهي معتزة بانتمائها الإسلامي.
وفي المقابل، لا
ينبغي أن تتحول المحافظة على الهوية إلى عزلة مفروضة على المرأة أو انسحاب من
المجتمع، فالمشاركة العامة لا تتطلب التخلي عن الدين، كما أن الالتزام الديني لا
يفرض بالضرورة الانسحاب من المجال العام.
وتشير التجارب
التي تناولتها دراسات أوروبية إلى أن بعض المسلمات يواجهن الصور النمطية من خلال
الحضور والمشاركة الفعلية، لا من خلال التنصل من هويتهن.
لكن مسؤولية
تغيير هذه الصور لا تقع عليهن وحدهن، فإذا دفعت المضايقات أو التمييز امرأة إلى
تقليص حضورها، فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا انسحبت؟ وإنما ما الذي جعل
المجال العام أقل أمناً أو ترحيباً بها؟
من يتحدث باسم المرأة المسلمة؟
ليست المشكلة في
أن تتحدث المرأة المسلمة عن نفسها؛ بل في أن كثيراً من الخطابات تتحدث عنها قبل أن
تسمعها، تُعرَّف هويتها، وتُفسَّر اختياراتها، وتُروى تجربتها من الخارج، ثم
تطالبها أن تجد نفسها داخل هذه الرواية.
لكن المرأة
المسلمة لا تحتاج إلى صوت بديل عنها، تحتاج إلى أن يكون صوتها جزءاً أصيلاً من
النقاش؛ أن تقول ما تؤمن به، وأن تنتقد ما تراه خطأ، وأن تدافع عن دينها، وأن
تطالب بحقوقها، وأن تختار موقعها في المجتمع دون أن تتحول إلى متحدثة باسم ملايين
النساء.
فحين تُختزل
المرأة في حجابها، تضيق صورتها، وحين تصير رمزاً لصراع ثقافي، تضيع تجربتها
الفردية، أما حين يُنظر إليها باعتبارها إنسانة كاملة، قادرة على الاختيار
والتعبير والعمل والإسهام، فإن هويتها تصبح جزءاً من شخصيتها، لا بديلاً عنها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً