احتجاجات فرنسا.. قراءة جديدة

مصطفى عاشور

29 أكتوبر 2026

12

احتجاجات فرنسا.. قراءة جديدة

الغضب في فرنسا يتسع إلى مواجهات ودعوات جديدة للاحتجاج، أسباب الغضب عميقة، ومحاولات الدولة لقمعها تتشابه مع الحلول الأمنية والعنيفة في دول العالم الثالث؛ إذ تبدو الأداة الأمنية الأداة المعول عليها لوقف الاحتجاجات والمظاهرات.

ولكن هذا الغضب أسبابه متداخله ما بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والهوياتي، فهو أزمة بين المواطن والدولة التي يراها المواطن أصبحت أقل من مستوى أحلامه وتطلعاته، وأقل قدرة على تلبية احتياجاته ومتطلباته، وأكثر انحيازاً لطبقات وفئات معينة على حساب أخرى.

هذا الانحياز من الدولة الفرنسية تجاه فئات وسياسات معينة، أنتج غضباً عارماً تتزايد القوى التي تنخرط لتأييده ودعمه، وهو ما ينذر بفوضى قد تهدد مستقبل الجمهورية الخامسة التي تأسست بموجب دستور 4 أكتوبر 1958م الذي وضعه الرئيس شارل ديغول وما زال مستمراً حتى الآن.

يلاحظ في موجة الاحتجاج الفرنسية عام 2026م حجم العنف والفوضى، فقد شهدت موجات عنف وحرق محلات ونهب لبضائع، وإحراق لمبان تاريخية، فقد تعرضت أكثر 1500 مؤسسة ومتجر للنهب، وسجلت خسائر -غير رسمية- تقدر بـ200 مليار يورو.

انحياز الدولة الفرنسية

الحقيقة أن انحياز الدولة تجاه سياسات وفئات معينة على حساب الآخرين كان وراء موجات الغضب المتكررة في السنوات الأخيرة في فرنسا، فالدولة الفرنسية مع تزايد سياساتها النيوليبرالية وتبينها لمحدودية دور الدولة في الاقتصاد، وتقديم إعفاءات ضريبية للشركات والفئات ذات الثراء، وتراجع لدورها في دعم سكان الضواحي والطبقات ذات الدخل الأقل، وتراجعها النسبي عن دعم الخدمات والرعاية الاجتماعية وخفض الإنفاق الحكومي، كان من الأسباب الحاضرة في الغضب الحالي.

ففي السنوات الأخيرة، تم خصخصة شركات ومؤسسات تملكها الحكومة، وإدخال تعديلات على قانون العمل الفرنسي عام 2017م منح سهولة أكثر من ذي قبل للشركات في تسريح العمال، وتعديل ساعات العمل لصالح الشركات، وتشديد الشروط لحصول العاطلين على إعانات البطالة لدفعهم إلى القبول بالوظائف المتاحة ذات الأجور الأقل.

وقد توازى ذلك مع انحياز واضح من الدولة تجاه الفئات الأكثر ثراءً، مثل تخفيض للضرائب على الثروة، وبخاصة الضريبة المعروفة اختصاراً بـ«ISF»، أو «ضريبة التضامن على الثروة» عام 2018م، بقرار من الرئيس إيمانويل ماكرون، التي كانت تُفرض على الأفراد الذين يملكون ثروة صافية تتجاوز حداً معيناً، وحلت مكانها ضريبة الثروة العقارية، والفارق الجوهري بين الضريبتين أن الأولى كانت تفرض على جميع الأصول بما في ذلك الأسهم، والسندات، والحسابات البنكية، والسيارات الفاخرة، بالإضافة إلى العقارات.

أما الثانية، فاقتصرت على الأصول العقارية؛ لذا لقب ماكرون بـ«رئيس الأغنياء»، مع الإصلاحات المالية التي استفاد منها الأثرياء عقب توليه السلطة في مايو 2017م.

ويلاحظ، مثلاً، في احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018م التي جاءت احتجاجاً على ضريبة الوقود، واستمرت 3 أسابيع وأحدثت فوضى وخسائر كبيرة في العاصمة باريس، أنه تم تجميد تلك الضريبة 6 أشهر، وصرح حينها رئيس الوزراء إدورد فيليب أن حكومته مستعدة لإعادة النظر في الضريبة إذا تم إيجاد حلول لا تؤثر على جيوب الناس.

لكنَّ هناك تعليقاً جاء وسط الأزمة من فرانسوا دي روجي، وزير البيئة، ذكر فيه أنه قال للرئيس ماكرون أثناء الأزمة: لدى الناس انطباع بأن هناك نوعًا من الخدعة، وأن الأمر قد تم تعليقه ولكنه سيعود بعد ذلك؛ وهو ما يعني أن الاحتجاجات المتتالية رأتها الحكومة أنها ليست معارضة سياسية، ولكنها معارضة للجمهورية الفرنسية ذاتها.

ولهذا، كانت المطالب منذ احتجاجات «السترات الصفراء» مطالب اجتماعية اقتصادية نظراً لحالة الانقسام في المجتمع الفرنسي؛ ولذا حظيت الاحتجاجات السابقة بتأييد من الشارع الفرنسي، فحسب ما نشرته صحيفة «ليبرالسيون» الفرنسية، فإن استطلاعاً للرأي أجري حينها ذكر أن 71% من سكان فرنسا يؤيدون حركة «السترات الصفراء»، واستطلاعاً آخر ذكر أن 84% من الفرنسيين اعتبروا الحركة مبررة.

ملف المهاجرين

كانت بداية احتجاجات عام 2026م من المدارس الفرنسية في الضواحي الشمالية لباريس، ذات الأغلبية من الطبقة العاملة والمهاجرين، وكان الاحتجاج رفضاً لانحياز الدولة وتجاهلها للاستثمار التعليمي في مستقبل تلك الفئات الشعبية، في حين إبقائها على الامتيازات في المدارس في الأحياء الراقية.

ومن هنا، فانحياز الدولة نحو تحميل الطبقات المهمشة والأقل من الناحية الاقتصادية لتكلفة التطورات الدولية وبخاصة ما يجري في ملف الطاقة نتيجة الأزمة في الخليج، أدى إلى تآكل القوى الشرائية لتلك الفئات، وشعورها بالمعاناة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار.

ولعل هذا التحول توازى معه أن الدولة اعتمدت على الأداة الأمنية للتعامل مع التظاهرات، وليس اعتماداً على الآليات والأدوات السياسية؛ ولذا، كانت صورة الرئيس ماكرون وسط ضباط الشرطة في مارسيليا معبرة للغاية؛ حيث قال لهؤلاء الضباط أثناء لقائه معهم في 17 أكتوبر الجاري: «ليس من الطبيعي أن تعيش البلاد مثل هذه الحالة من الاضطراب»، وربما يوحي ذلك بأن الحل الأمني الحل الذي تفضله وربما تملكه السلطة في باريس للتعامل مع تلك الاحتجاجات، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة بعد 6 أشهر.

تعامل فرنسا أمنيا

ويلاحظ في التعامل الأمني مع التظاهرات أنه كان صارماً لدفع التظاهر بعيداً عن الأحياء الراقية والمراكز الحيوية في العاصمة ومقرات الشركات الكبرى؛ أي أن تطويق الاحتجاجات ودفعها إلى أطراف وهامش الأحياء بعيداً عن الأحياء الراقية، وهو ما أكد فرضية انحياز الدولة للأغنياء.

وقد لجأت الدولة الفرنسية إلى مجموعة من الإجراءات التي تؤكد انحياز الدولة، مثل مشروع قانون يُلزم مثيري الشغب بدفع 10 آلاف يورو عن أعمال التخريب لتعويض المتضررين، وتثور مخاوف أن يقع المتظاهرون السلميون تحت طائلته، لكن خطورته في اقتطاع المساعدات الاجتماعية عن المُدانين أو ذويهم إذا كان المتظاهرون قاصرين، وهو ما يهدد حق التظاهر، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الحريات وحقوق الإنسان في فرنسا.

والأخطر مساعي اليمين الفرنسي المتطرف لدفع الدولة الفرنسية إلى انحياز آخر ضد المهاجرين، وذلك من خلال تركيز اليمين مثل ماري لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، على تغيير الاهتمام بمطالب المتظاهرين ضد تهالك المدارس وارتفاع تكاليف المعيشة إلى التركيز على القوى المتظاهرة التي يشكل المهاجرون وأبناء المهاجرين نسبة كبيرة منهم، والزعم أن ما يجري هو نتيجة انقسام في الهوية الوطنية الفرنسية بسبب فشل سياسات الاندماج، وأن هناك علاقة بين التظاهر والشغب والمهاجرين، الذين يشكل المسلمون نسبة كبيرة منهم، ومن ثم تحريض الحكومة على إصدار قوانين تقيد الهجرة ومنح الجنسية والإقامة لهؤلاء المهاجرين، خاصة أن اليمين يدرك أن ماكرون حاجة إلى دعم انتخابي في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2027م.

اليمين الفرنسي يسعى إعلامياً لشيطنة الجيل الثالث والرابع من المهجرين، ووصمهم بالعنف والشغب، وأنهم لا ينتمون للقيم الفرنسية ولا للحرية، وأن علاج التظاهر يكون من خلال إجراءات جذرية في التركيبة السكانية للضواحي من خلال تعديل القوانين الخاصة بالهجرة ومنح الجنسية.

ففي 25 أكتوبر 2026م، طرحت لوبان حزبها كمنقذ لفرنسا من أزمتها الحالية، وربطت بشكل مباشر بين استعادة الأمن وتغيير سياسات الهجرة، مصرحة: «سنستعيد السيطرة على حدودنا وسياسة الهجرة لدينا.. فرنسا لم يعد بمقدورها استقبال 500 ألف مهاجر شرعي سنوياً، وسنقوم بالترحيل المنهجي للأجانب المخالفين والمجرمين».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة