انقلاب الأدوار في البيت الرقمي!
لم تعد الفجوة بين الآباء والأبناء في عصرنا مقتصرة على اختلاف العادات والأذواق والرؤى، بل
امتدت إلى انقلاب الأدوار في البيت الرقمي، من خلال طريقة فهم العالم والتعامل مع تفاصيله اليومية، فقد يجد الأب الذي اعتاد
أن يجيب عن أسئلة أبنائه، نفسه اليوم يسأل ابنه عن تطبيق مصرفي، أو يستعين بابنته
لفهم إعدادات هاتفه، أو يطلب من حفيده مساعدته في إجراء معاملة إلكترونية.
وفي لحظات كهذه
لا يتغير مصدر المعلومة فحسب، بل يتغير أيضًا موقع كل جيل في منظومة المعرفة
الأسرية، وقد أتاحت الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الرقمية للأبناء فرصًا
مبكرة لاكتساب مهارات تقنية قد لا تتوافر بالقدر نفسه لدى آبائهم.
تغيُّر أدوار المعرفة داخل البيت الرقمي
يُطلق بعض
الباحثين على انتقال المعرفة من الأبناء إلى الوالدين مصطلح «التنشئة الاجتماعية
العكسية»؛ أي أن يتعلم الجيل الأكبر من الجيل الأصغر مهارات أو أنماطًا جديدة من
السلوك، وقد تناولت دراسة منشورة عام 2019م هذه الظاهرة، مبينة أن الأبناء
البالغين قد يصبحون مرجعًا تقنيًا لوالديهم، وأن هذا الاعتماد يمكن أن يؤثر في
ديناميات السلطة داخل الأسرة.
وأظهرت الدراسة
وجود مستويات متفاوتة من تبنِّي التكنولوجيا داخل الأسر الممتدة بين الأبناء الذين
يؤدون دور المؤثرين، وآبائهم الذين يقتدون بهم في استهلاك التكنولوجيا، كما تكشف
عن محدودية عملية التنشئة الاستهلاكية العكسية؛ إذ تحول مقاومة الآباء للتغيير دون
اكتسابهم لمعارف ومهارات واتجاهات مهمة حول التقنيات الجديدة من أبنائهم.
وتزداد هذه
العملية تعقيدًا بسبب مشاعر الإحباط الناجمة عن محدودية قدرة الآباء على تعلُّم
تقنيات جديدة، ونقص معرفة الأبناء بمبادئ (تعليم الكبار)، كما تكشف عن تحولات في
ديناميكيات الأسرة الممتدة عبر الأجيال، إذ يعتمد الآباء المسنون على خبرة أبنائهم
في مجال التكنولوجيا، بينما يكتسب الأبناء سلطةً وتأثيرًا ضمن عملية متبادلة وغير
متكافئة(1).
من تعليم التقنية إلى اهتزاز المكانة النفسية
قد يبدو تعليم
الأبناء لوالديهم استخدام الهاتف أو بعض التطبيقات أمرًا بسيطًا، لكنه قد يحمل في
بعض الحالات أبعادًا نفسية أعمق، فالوالد الذي اعتاد أن يكون مرجعًا لأبنائه قد
يجد صعوبة في الاعتراف بأنه لا يعرف كيفية استخدام خدمة رقمية، لا بسبب رفضه
للتعلم بالضرورة، بل خوفًا من أن يُنظر إليه بوصفه عاجزًا أو متأخرًا عن عصره، وقد
يتردد في السؤال، أو يتظاهر بالفهم، أو يتجنب استخدام بعض الخدمات حتى لا يضطر إلى
طلب المساعدة.
وفي المقابل، قد
يشعر الابن بالضيق حين يضطر إلى شرح الخطوات نفسها مرارًا، فيجيب بنفاد صبر، أو
ينتزع الهاتف من يد والده ليُنجز المهمة بدلًا منه، أو يطلق تعليقًا ساخرًا يراه
مزاحًا عابرًا، بينما يتلقاه الأب باعتباره انتقاصًا من قدره، وهكذا تتحول مسألة
تقنية صغيرة إلى تجربة تمس الكرامة والثقة بالنفس.
وتدعم الأبحاث
أهمية مراعاة هذه الجوانب، ففي دراسة منشورة عام 2021م عن ديناميات تعلُّم
الجدَّات المهارات الرقمية في 5 دول، أظهرت النتائج أن الدعم الأسري يمثل عنصرًا
مهمًا في اكتساب المعرفة الرقمية، لكن بعض التحديات العاطفية والمواقف النفسية قد
تعوق عملية التعلُّم(2).
وتقدم دراسة
منشورة عام 2026م، دليلًا بحثيًا على أهمية التعلُّم بين الأجيال، فقد حللت
الدراسة بيانات 402 شخص تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر، جُمعت من 10 مراكز في ماكاو،
ووجدت ارتباطًا إيجابيًا ذا دلالة إحصائية بين الإرشاد الرقمي الذي يقدمه الأصغر
سنًا والاندماج الرقمي لكبار السن، كما أظهرت أن التصور الذاتي للشيخوخة يؤدي
دورًا وسيطًا مهمًا في هذه العلاقة، وأن توافر الإنترنت المنزلي يعززها.
وتشير هذه
النتائج إلى أن مساعدة الوالدين على اكتساب المهارات الرقمية لا ينبغي أن تقتصر
على شرح استخدام الأجهزة والتطبيقات؛ بل ينبغي أن تراعي أيضًا نظرتهم إلى قدراتهم
وإمكاناتهم في التعلُّم(3).
ومع أن الدراسة
أُجريت في ماكاو ولا يمكن تعميم نتائجها مباشرة على الأسرة العربية؛ فإنها تدعم
أهمية بناء بيئة أسرية تشجع كبار السن على التعلُّم والمشاركة الرقمية، وتحفظ لهم
ثقتهم بأنفسهم وكرامتهم.
الثقة بالأبناء قد تتحوَّل إلى ثغرة رقمية
لا تقف أهمية
المعرفة الرقمية عند حدود استخدام الهاتف أو التواصل عبر التطبيقات؛ فقد أصبحت
مرتبطة بحماية المال والخصوصية والهوية الشخصية، وهنا تتضاعف مسؤولية الأبناء، لأن
الوالدين قد يلجآن إليهم بوصفهم أكثر أفراد الأسرة معرفة بالتقنية، فيمنحونهم
إمكانية الوصول إلى حسابات أو معلومات شديدة الحساسية، من غير أن يدركوا دائمًا
حدود الصلاحيات أو الأخطار المحتملة.
وقد يطلب الابن
-بحسن نية- من والده إرسال رمز التحقق الذي وصله إلى الهاتف، أو الاحتفاظ بكلمة
مرور حسابه، أو السماح له بالدخول إلى تطبيق مصرفي لإنجاز معاملة، وقد تكون هذه
المساعدة مشروعة في سياقها، لكن من الضروري أن يدرك الطرفان أن سهولة استخدام
التقنية لا تغني عن معرفة قواعد الأمن الرقمي، ولا تعني الثقة الأسرية الاستغناء
عن الضوابط الوقائية.
وتشمل الأخطار
مثلًا: الرسائل المصرفية المزيفة، والروابط المشبوهة، والحسابات المنتحلة، وطلبات
التحكم عن بُعد في الأجهزة؛ لذا، ينبغي تعليم الآباء عدم مشاركة كلمات المرور
ورموز التحقق، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، والتحقق من الهوية قبل تحويل
الأموال أو مشاركة المعلومات.
كما أن إتقان
استخدام التطبيقات وكثرة تصفح الإنترنت لا يعنيان بالضرورة القدرة على تمييز
المحتوى الحقيقي من الاحتيالي، فالمساعدة الرقمية الحقيقية لا تقتصر على إنجاز
المهام نيابة عن الوالدين، بل تتمثل في تمكينهما بالمعرفة التي تحميهما
باستقلالية.
كيف نؤسس لتعلُّم متبادل يحفظ الاحترام؟
لا تُعالَج
الفجوة الرقمية داخل الأسرة بلوم الآباء على تأخرهم التقني أو الأبناء على تفوقهم،
بل بتحويل المساعدة إلى تعلُّم مُتبادل يقوم على الصبر والاحترام، ويبدأ ذلك
بتحديد حاجة الوالد الفعلية، كاستخدام خدمة حكومية أو إجراء معاملة مصرفية بأمان،
ثم شرح الخطوات بلغة واضحة، وإتاحة الفرصة له للتطبيق بنفسه، مع تدوين إرشادات
مختصرة يرجع إليها لاحقًا.
ويمكن للأسرة
تخصيص وقت أسبوعي لتبادل المهارات؛ فيعلِّم الأبناء والديهم استخدام التطبيقات
والتحقق من الأخبار، بينما يشاركونهم خبراتهم في تقدير المواقف وإدارة شؤون
الحياة، فالمهارة التقنية لا تعني امتلاك الحكمة في كل مجال، كما أن التقدم في
العمر لا يعني العجز عن التعلُّم، والأهم ألَّا يستولي الابن على جهاز والده أو
يتخذ قرارات نيابة عنه دون إذنه، بل يساعده على الاستقلال والثقة بقدرته.
ويستند هذا
النهج إلى التوجيه القرآني في برِّ الوالدين؛ (فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل
لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء: 23)؛ فالقول الكريم يقتضي تجنُّب
السخرية والتعالي، والبعد عن عبارات مثل «كم مرة شرحت لك؟»، بل نقول: «دعنا نجرب
معًا»، فالبر لا يعني ترك الوالدين دون تعلُّم، بل تمكينهما مع صون كرامتهما.
كما ينبغي تنظيم أوقات المساعدة والاستعانة بالأدلة الرسمية أو البرامج التدريبية عند الحاجة، دون تحميل الأبناء عبئًا دائمًا، فالأسرة الناجحة هي التي يتبادل أفرادها الخبرات، ويحفظون الود والاحترام، ويجعلون التعلُّم مسؤولية مشتركة تستمر مدى الحياة.
الهوامش
- 1 بيريز ماريا أوجينيا، وكوينتانيلا كلوديا، وكاستانيو راكيل، وبينالوزا ليزا، (2019)، التنشئة الاجتماعية العكسية في ظل التكنولوجيا: فهم ديناميكيات الأسرة بين الأجيال- مجلة تسويق المستهلك- https://short-url.cc/1z-zi
- 2 روزاليس أندريا وبلانش تاراغو دانيال (2022)، ديناميكيات محو الأمية الرقمية بين الأجيال: الجوانب الصريحة والضمنية ودور الأسرة في تجاوز الفجوة الرقمية لدى الجدات، مجلة العلاقات بين الأجيال https://short-url.cc/1z-J9
- 3 وان هاوتيان، ووانغ هونغيو، (2026)، "أثر الإرشاد الرقمي العكسي في الاندماج الرقمي لكبار السن في ماكاو"، مجلة العلاقات الأسرية، 75(2). https://doi.org/10.1111/fare.70125
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً