من ميراث الملك إلى ملك العلم
خالد بن يزيد.. كيف صنع مجده بعد فوات الخلافة؟
أورد الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنُ
مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ(1)، قال فيه: الْإِمَامُ الْبَارِعُ،
أَبُو هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ، الْأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، أَخُو الْخَلِيفَةِ
مُعَاوِيَةَ، وَالْفَقِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ
دِحْيَةَ وَلَمْ يَلْقَهُ،
وَروى عَنْهُ
رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبُو
الْأَعْيَسِ الْخَوْلَانِيُّ.
وقَالَ
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ، وَقَوْلِ الشِّعْرِ، وَقِيلَ:
دَارُ الْحِجَارَةِ كَانَتْ دَارُهُ، وَقَدْ صَارَتِ الْيَوْمَ قَيْسَارِيَّةً
لِلذَّهَبِ الْمَمْدُودِ.
وقَالَ أَبُو
زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: هُوَ وَأَخَوَاهُ مِنْ صَالِحِي الْقَوْمِ.
وَرَوَى
الزُّهْرِيُّ أَنَّ خَالِدًا كَانَ يَصُومُ الْأَعْيَادَ: الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ،
وَالْأَحَدَ.
وأَجَازَ
شَاعِرًا بِمِائَةِ أَلْفٍ لِقَوْلِهِ فِيهِ:
سَأَلْتُ
النَّدَى وَالْجُودَ حُرَّانِ أَنْتُمَا فَـقَـالَا
جـَمـِيعًا إِنَّنَا لَعَبِيدُ
فَقُلْتُ: فَمَنْ
مَوْلَاكُمَا؟ فَتَطَاوَلَا عَلَيَّ وَقَالَا: خَالِدُ بْنُ يَزِيد(2)
ليس كل من فاته
منصبٌ عظيم فقد خسر، فبعض الرجال حين تُغلق أمامهم أبواب السلطة والملك الدنيوي،
تُفتح لهم أبواب أخرى أرفع يكشفون فيها عن معدن مختلف أصيل، فقد يظن الناس أن
المجد لا يكون إلا على أريكة الحكم وكرسي السلطة، لكن التاريخ يحفظ أئمة ورجالًا
لم يتولوا الخلافة، ومع ذلك تركوا أثرًا ممتداً تجاوز أثر كثير من أصحاب المناصب
والولايات.
ومن أبرز هؤلاء
الأعلام خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان؛ الرجل الذي نشأ في بيت الملك
والسيادة، وكان قريباً من عرش الخلافة، ثم انتقل إلى ميادين أخرى أرفع؛ فجمع بين
العلم، والأدب، والجود، والنسك، حتى وصفه العلماء بأنه من صالحي قومه، ووُصف بأنه
الإمام البارع، وفي موقفٍ واحد ناصع مع شاعر أنشده بيتين من عيون الشعر، تجلت إحدى
أبرز سمات شخصيته: السخاء العالي الذي يحول المال إلى أثر خفي ومجد عظيم.
كيف تجاوز حفيد معاوية ضياع الخلافة؟
كان خالد بن
يزيد ينتمي إلى البيت الأموي السفياني العريض؛ فهو حفيد معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنه، وابن الخليفة يزيد بن معاوية، وأخو الخليفة معاوية بن يزيد، كما دُوّن
في نسبه الشريف: «خَالِدُ بْنُ الْخَلِيفَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي
سُفْيَانَ، الْإِمَامُ الْبَارِعُ، أَبُو هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ، الْأُمَوِيُّ
الدِّمَشْقِيُّ، أَخُو الْخَلِيفَةِ مُعَاوِيَةَ، وَالْفَقِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ دِحْيَةَ وَلَمْ يَلْقَهُ، وَعَنْهُ رَجَاءُ بْنُ
حَيْوَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبُو الْأَعْيَسِ
الْخَوْلَانِيُّ».
نشأ خالد في
بيئة لم تكن تعرف إلا لغة القيادة والسياسة، وكان اسمه مطروحاً بقوة للخلافة بعد
أخيه معاوية بن يزيد، لكن صغر سنه حال دون ذلك في مؤتمر الجابية، وانتقلت الخلافة
إلى مروان بن الحكم، وهنا يظهر جانب أخلاقي وعقلي فذ من شخصيته: فالرجل الذي كان
يمكن أن ينشغل بالتحسر على عرشٍ لم يصل إليه، أعاد توجيه طاقته إلى ميادين أخرى
نفعها أعم وأبقى، فلم يجعل فقدان السلطة نهاية دوره، بل صنع لنفسه مكانة من نوع
مختلف؛ مكانة العالم، والأديب، والزاهد، والكريم، متأسياً بأكابر أصحاب النبوة
كأبي محمد أسامة بن زيد رضي الله عنهما: «فخرجنا فَإِذا قَالَ فسطاط مَضْرُوب
فِيهِ مُحَمَّد بن مسلمة فَسَأَلْنَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ مَا أُرِيد أَن يشْتَمل
عَليّ شَيْء من أمصارهم حَتَّى تنجلي عَمَّا انجلت فإبن مسلمة اعتزل الْقِتَال
جملَة فَمَا ضرته الْفِتْنَة كَمَا أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَلذَلِك اعتزل الْفَرِيقَيْنِ»(3).
لماذا وصف العلماء خالدًا بالصلاح والإمامة؟
لم يكن خالد بن
يزيد مجرد أمير سابق أو ابن خليفة يعيش على كفاف الماضي؛ فقد كان حجة في الرواية
وحافظاً للأثر، وقد أثنى عليه ثقات المحدثين والنقاد: «قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ
بَكَّارٍ: كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ، وَقَوْلِ الشِّعْرِ، وقَالَ أَبُو
زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: هُوَ وَأَخَوَاهُ مِنْ صَالِحِي الْقَوْمِ، وَرَوَى
الزُّهْرِيُّ أَنَّ خَالِدًا كَانَ يَصُومُ الْأَعْيَادَ؛ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ،
وَالْأَحَدَ».
وهذه الصورة
الزكية تكشف جانباً عميقاً من شخصيته؛ فهو رجل عاش في بيئة السلطة والثروة
الواسعة، لكنه لم يجعل الدنيا تحجبه عن العلم والعبادة وصيام النافلة المتتابع، فاجتمع
فيه شيء من خصائص البيت الأموي السفياني: المكانة، والجود، والحضور الاجتماعي
الفاعل، مع جانب آخر إيماني: الاشتغال بالعلم الصالح والحكمة.
تاريخ دار الحجارة وقيسارية الذهب بدمشق
كان العرب يعدون
الكرم والسخاء أحد أكبر أبواب السيادة والمروءة؛ فلم تكن قيمة المال عندهم في كثرة
جمعه أو اكتنازه، بل في القدرة على بذله في مواضعه الشريفة، وكان خالد بن يزيد من
هؤلاء السادة الذين رأوا أن المال خادم للمروءة ووسيلة لصناعة الأثر الباقي.
فقد كانت داره
بدمشق موضعاً معروفاً بالفضل والجود ومقصداً للوفود والشعراء، كما ثبت في الآثار
الشامية: «قِيلَ: دَارُ الْحِجَارَةِ كَانَتْ دَارُهُ، وَقَدْ صَارَتِ الْيَوْمَ
قَيْسَارِيَّةً لِلذَّهَبِ الْمَمْدُودِ».
وهذا يدل على
ضخامة السعة والمكانة الاجتماعية التي كان يتحرك فيها بدمشق، لكن قيمة الرجل لم
تكن في ضخامة جدران داره ولا في سعة عقاره، بل في الطريقة التي استخدم بها ثروته
في كفالة المحتاجين وإكرام الأدباء وإعزاز المروءات.
قصة مكافأة خالد للشاعر بمائة ألف
يروي الإمام
الذهبي موقفا نادراً يجسد أريحية خالد بن يزيد وذوقه الأدبي الفذ؛ حيث أنشده شاعر
أبياتاً قائمة على التصوير البديع: أَجَازَ شَاعِرًا بِمِائَةِ أَلْفٍ لِقَوْلِهِ
فِيهِ:
سَأَلْتُ
النَّدَى وَالْجُودَ حُرَّانِ أَنْتُمَا
فَقَالَا جَمِيعًا إِنَّنَا
لَعَبِيدُ
فَقُلْتُ:
فَمَنْ مَوْلَاكُمَا؟ فَتَطَاوَلَا عَلَيَّ وَقَالَا: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ
كانت الأبيات
تقوم على صورة أدبية بارعة وفائقة البلاغة؛ فقد جعل الشاعر الجود والندى عبدين
مملوكين، ثم جعل خالد بن يزيد سيدهما ومولاهم الحقيقي، فلم يستقبل خالد هذا المدح
باعتباره مجرد كلمات مجردة أو إطراء عابر، بل تفاعل معه بما يناسب ذوقه الأدبي
الرفيع وسخاء نفسه الأموية.
فأمر بإجازة
الشاعر بمائة ألف درهم! وهنا لا تظهر قيمة المبلغ الضخم فقط، بل تظهر طبيعة
الشخصية؛ رجل يقدّر الكلمة الجميلة، ويعرف قيمة الأدب والبلاغة، ويرى أن مكافأة
المبدعين وإعزاز الأدباء جزء لا يتجزأ من حفظ المروءة وصيانة السيادة.
الوظيفة الاجتماعية للسخاء في الفكر العربي
قد ينظر البعض
إلى العطاء الكبير باعتباره مجرد إنفاق مالي، لكن في الفقه الإسلامي وثقافة
المروءة العربية كان للجود والجائزة وظيفة اجتماعية وأخلاقية أوسع بكثير؛ فالكرم
السخي كان تأليفاً للقلوب، وتقديرًا للمواهب البلاغية، وتثبيتًا للمكانة والجاه
النافع.
وخالد بن يزيد
لم يكن محتاجاً إلى المال ليقتات منه، بل استخدم ثروته ليصنع بها أثرًا خفيًا
ومجلداً؛ فكما يصنع العالم أثره الراسخ بالفقه والرواية، يصنع الكريم الشريف أثره
بالبذل وإكرام الناس، وكان هذا متوافقاً مع الميزان الذي قرره الإمام سعيد بن
المسيب رحمه الله: «لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ،
يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيُعْطِي مِنْهُ
حَقَّهُ».
لماذا لم يعد العلماء عطاءه إسرافاً؟
قد يرد سؤال
فقهي أو نفسي: هل إعطاء هذا المبلغ الكبير (مائة ألف) على بيتي شعر يعد إسرافاً أو
تبذيراً؟ والجواب الأصولي أن تقييم هذه المواقف الشريفة يحتاج إلى النظر في
سياقها، وموقع صاحبها، ونيته؛ فليس كل بذل جزل مذمومًا، كما أن الكرم الممدوح لا
يعني إتلاف المال بغير بصيرة.
والذي يوضح صورة
خالد بن يزيد أن هذا العطاء لم يكن موقفاً طارئاً أو نشازاً عن سيرته؛ فقد وصفه
علماء النقد بالصلاح والعبادة، ونُقل عنه العلم الحافل والنسك وصيام النافلة
المتتابع، فلم يكن المال عنده مظهراً للترف والعبث، بل كان جزءًا من منظومة أوسع
من الجود، والمروءة، وإحياء مكارم الأخلاق.
كيف عوض خالد بن يزيد الخلافة؟
أبرز ما تكشفه
سيرة خالد بن يزيد أن قيمة الإنسان وحضوره التاريخي لا يتحددان فقط بالمنصب
السياسي الذي وصل إليه؛ فقد كان حفيد مؤسس الدولة وأخا الخليفة، وكان قريبًا من
عرش الشام ولم يتوله، ومع ذلك حفظه التاريخ بحروف من نور لأسباب أخرى أرفع وأبقى:
- حفظه عالمًا
يروي عنه الزهري ورجاء بن حيوة.
- وحفظه شاعرًا
وأديباً بارعاً.
- وحفظه كريمًا
وسيداً من أسياد الجود والمروءة.
وهنا تظهر قيمة
تربوية جليلة؛ أن بعض الأبواب والمناصب التي تُغلق قد تدفع الإنسان الحكيم إلى فتح
مجالات وميادين أخرى يصنع فيها أثرًا أعم وأعظم.
قواعد القيادة المستفادة من سيرة خالد
تتصل الدروس
التربوية والإيمانية المستفادة من سيرة خالد بن يزيد الأموي اتصالاً وثيقاً بتقديم
نموذج علمي وعملي فريد لكيفية توجيه الطاقة والنسب في أبواب النفع والسيادة، وتتجلى
أهم هذه القواعد التي عبرت عنها مسيرته العطرة في المعاني الآتية:
- تحويل الخسارة
السياسية أو فقد المنصب إلى فرصة بناء جديدة: فليس كل فوتٍ نهاية للمسيرة، بل قد
يكون بداية لمسار جديد أكثر نفعًا وأبقى أثراً.
- العلم والصلاح
يمنحان الإنسان مكانة سامية تتجاوز السلطة والملك: فالمنصب السياسي يزول بزوال
أسبابه، لكن أثر المعرفة والتقوى يبقى محفوراً في ذاكرة الأمة.
- الجود والسخاء
صناعة للأثر والمروءة وليس مجرد إنفاق: فالمال حين يُوظف في تكريم أهل الفضل
والمواهب وتحصين المروءات يتحول إلى تركة خالدة.
- قيمة الإنسان
الحقيقية تكمن في تنوع مجالات عطائه: فقد جمع خالد بين الحفظ، والأدب، والصلاح،
والسخاء العريض؛ كما أثره سفيان الثوري: «قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّمَا
يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ، فَمِنْ ثَمَّ فُضِّلَ الْعِلْمُ
عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ عز وجل بِهِ»(4).
وبهذه المعالم
المتكاملة تكتمل صورة المربّي والعالم الذي يترجم ميراث أهله الشريف إلى أثر حَيّ
وممتد في الأمة، ليبقى جيل التابعين شاهداً على أن العلم والتزكية هما الحصن
الأكبر لحفظ هداية هذا الدين.
ملك العلم والجود في سيرة الأموي
تؤكد قصة خالد
بن يزيد بن معاوية أن السيادة الحقيقية لا تُوهب بالمرسوم السياسي ولا بالقعود على
العرش، فعندما فاتته الخلافة، لم يستسلم للتحسر والخصومة، بل انصرف إلى ملك الفقه
والحديث وصناعة الكيمياء والأدب والجود، وإن هذا التحول المسدد يعلم الأجيال أن
قيمة المرء بما يحمله من تقوى وعلم ومروءة، وأن القامات العظيمة هي التي تصنع
مجدها الخاص بالبذل المعرفي والمالي متجاوزة زوال السلطة الزائفة.
كان خالد بن
يزيد حفيد بيتٍ عُرف بالملك والسيادة، لكنه لم يجعل المجد محصورًا في العرش الأموي
والولايات، فحين لم يصل إلى الخلافة، وصل إلى مكانة أخرى أرفع وأدوم: مكانة العالم
الحكيم، والأديب الفصيح، والكريم البار.
وفي لحظة واحدة ناصعة مع شاعر أنشده البلاغة، كشف عن طهارة نفسه وطبيعتها الشريفة؛ فقد رأى في بيت شعر جميل قيمة أدبية تستحق أن تُكافأ بالمائة ألف، ورأى في الثروة وسيلة لصناعة الذكر الحسن وحراسة المروءات، فبقي اسمه مخلداً عبر القرون؛ لا لأنه كان قريبًا من الحكم فقط..، بل لأنه عرف كيف يصنع لنفسه ملكًا آخر لا يزول: ملك العلم والجود والأثر الباقي.
الهوامش
- 1 خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي: ولد في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وهو من أتباع التابعين وأحد أعلام بني أمية وفقهائهم، اشتهر بالعلم، والحديث، والخطابة، والبراعة في علوم الكيمياء والطب وتدبير الحرب والرمي، والزهد والفضل، سكن الشام (دمشق) وتوفي بها سنة 85هـ (وقيل: 90هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 383).
- 3 المنتقى من منهاج الاعتدال، ص60.
- 4 جامع بيان العلم وفضله (1/ 665/ 1159).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً