من الانطباع إلى بناء الثقة..

كيف أدار يزيد بن معاوية اختبار الانتقال السياسي؟

مشهد بصري رمزي لمدينة دمشق في العصر الأموي مع طريق يؤدي إلى قصر الحكم، يعكس لحظة انتقال السلطة ووصول حاكم جديد وسط تغيرات سياسية واجتماعية.

يروي الإمام الذهبي في ترجمة يزيد بن معاوية(1): «وكان يزيد -لما هلك أبوه- بناحية حمص فتلقوه إلى الثنية وهو بين أخواله على بختي ليس عليه عمامة ولا سيف، وكان ضخماً كثير الشعر، شديد الأدمة، بوجهه أثر جدري، فقال الناس: هذا الأعرابي الذي ولي أمر الأمة! فدخل على باب توما، وسار إلى باب الصغير، فنزل إلى قبر معاوية، فوقف عليه وصفنا خلفه وكبر أربعاً، ثم أتي ببغلة، فأتى الخضراء وأتى الناس لصلاة الظهر، فخرج وقد تغسل ولبس ثياباً نقية، فصلى وجلس على المنبر، وخطب وقال: إن أبي كان يغزيكم البحر، ولست حاملكم في البحر، وإنه كان يشتيكم بأرض الروم، فلست أشتي المسلمين في أرض العدو، وكان يخرج العطاء أثلاثا وإني أجمعه لكم، فافترقوا يثنون عليه»(2).

هذا النص يصور لحظة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ السياسي الأموي؛ لحظة انتقال السلطة بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان سنة 60هـ، حيث لم يكن التحدي مقتصرًا على مجرد استلام الحكم، بل كان متعلقًا بقدرة الحاكم الجديد على تثبيت حضوره في مجتمع اعتاد هيبة الخليفة السابق وخبرته الطويلة في إدارة الدولة.

والقراءة العلمية لهذا المشهد لا تعني إصدار حكم شامل على شخصية يزيد أو على مجمل عهده من خلال موقف واحد، وإنما تتجه إلى تحليل لحظة محددة من لحظات القيادة السياسية؛ كيف تعامل حاكم جديد مع انطباع أولي سلبي، وكيف استخدم الرمزية والخطاب والقرار العملي لتقديم نفسه أمام الناس.

من أعرابي إلى خليفة.. اختبار الصورة الذهنية

كان أول ما واجهه يزيد بعد وفاة أبيه اختبار الصورة الذهنية؛ فقد وصل من نواحي حمص في هيئة بعيدة عن الصورة التقليدية التي يتوقعها أهل العاصمة من خليفة انتقلت إليه دولة واسعة؛ فلم يكن عليه عمامة ولا سيف، وكان في هيئته أثر البيئة البدوية التي عاش فيها بين أخواله من بني كلب، فكان رد فعل الناس سريعًا ومحكوماً بالانطباع السطحي الأول: «هذا الأعرابي الذي ولي أمر الأمة».

تكشف هذه العبارة عن ظاهرة إنسانية قديمة ومتجددة؛ وهي أن الناس كثيرًا ما يبنون أحكامهم الأولى على العلامات الظاهرة قبل معرفة القدرات الحقيقية، فالهيئة الخارجية والبيئة الاجتماعية تسهمان في تشكيل هذا الانطباع الأولي العابر.

وقد جاء الهدي النبوي الشريف لينقض هذا الميزان السطحي القائم على الشكل والجاه الاجتماعي؛ كما تجلى في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، حين مرَّ رجلٌ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ: «ما تقولُ في هذا؟»، فقال: حريٌّ إن خَطبَ أن يُنكحَ وإن شَفعَ أن يُشفَّعَ وإن قالَ أن يُسمَعَ، قالَ: ثم سكتَ، فمرَّ رجلٌ من فقراءِ المُسلِمينَ فقالَ: «ما تقول في هذا؟»، فقال: هذا حريٌّ إن خطبَ ألا يُنكَحَ وإن شَفعَ ألا يُشفَّعَ وإن قالَ ألا يسمَعَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «هذا خيرٌ من مِلْءِ الأرضِ مثلَ هذا»(3).

ولأن الانطباعات الأولى غالباً ما تعمي عن الحقائق، أرسى التابعون قاعدة منهجية للتريث، حيث قال الإمام الحسن البصري: «المؤمن وقّاف حتى يتبين»؛ فلا يتسرع في تصنيف الناس بناءً على هيئاتهم، وهو ما يحذر منه القرآن الكريم كذلك في النهي عن التسرع في إطلاق الظنون، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: 12).

ومن هنا يتضح أن الموقف لم يكن مجرد استقبال حاكم جديد، بل كان مواجهة بين صورتين؛ صورة انفعالية صنعتها اللحظة الأولى ومظهر الثياب، وصورة حقيقية أراد صاحبها أن يصنعها بالعمل في الواقع.

من قبر معاوية إلى المنبر.. هندسة الانتقال

لم يبدأ يزيد دخوله إلى دمشق بإعلان القوة أو إظهار السيطرة، بل اتجه أولاً إلى قبر أبيه معاوية، فوقف عليه وكبَّر أربعًا، وهذا المشهد يحمل معنى رمزيًا حاسمًا؛ فالحاكم الجديد أراد أن يعلن اتصاله بالإرث السابق واحترامه له قبل أن يعلن استقلاله عنه.

فالانتقال السياسي في المجتمعات لا يقوم على إصدار القرارات الفوقية فحسب، بل يتطلب ذكاءً في التعامل مع الذاكرة الجمعية؛ إذ إن احترام الماضي يمنح الحاضر قبولًا نفسيًا وتماسكاً، خصوصًا في اللحظات الانتقالية الحساسة التي يخشى فيها الناس من الانقطاع والاضطراب.

وهذا المنهج أصلٌ أصيل في الفكر القيادي الإسلامي؛ كما تجلى بأعلى صوره في موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حين اتجه أولاً إلى جثمان النبي صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه وقبّله وفاءً وتعظيماً له، ثم خرج إلى الجماهير القلقة ليقود اللحظة الانتقالية ويصنع القبول النفسي بصلابة، مؤكداً استمرارية المنهج بقوله الخالد: «أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»(4).

فالوفاء للأصول وإظهار الامتداد المؤسسي يُرسل رسالة طمأنينة مفادها أن الدولة لا تبدأ من فراغ، ثم انتقل يزيد بعد ذلك إلى الخضراء، فاغتسل ولبس ثيابًا نقية، ثم خرج إلى الناس للصلاة والحديث، ليعلن تحولاً رمزياً مشهوداً من هيئة القادم من البادية إلى هيئة صاحب السلطة في مركز الدولة.

وهذا الاستخدام الواعي للغة الرموز والتهيؤ الشكلي لمخاطبة الأمة يتقاطع كلياً مع المشهد القيادي الذي صاغه الإمام عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه عند توليه الخلافة؛ حيث بدأ بشهود جنازة الخليفة السابق سليمان بن عبدالملك والوقوف على قبره والدعاء له اتصالاً بالذاكرة الجمعية، ثم تجرد من مظاهر الترف واغتسل ولبس ثياباً نقية بسيطة، وصعد المنبر ليخاطب الناس بخطاب التجديد وبداية عهد قائم على العدل والاستقرار(5).

إن هذا التغير لا يمكن فهمه على أنه مجرد اهتمام سطحي بالمظهر، بل هو إدراك عميق لطبيعة التأثير القيادي؛ فالقائد يتعامل دائمًا مع لغة الرموز، والناس لا تستقبل الأفكار مجردة، بل تستقبلها وتطمئن إليها عبر المشاهد الصادقة والتصرفات المدروسة.

كيف تتعامل القيادة الحكيمة مع الانتقاد والاعتراض؟

حين صعد يزيد المنبر لم يطل في الكلام، بل اختار نقاطًا عملية محددة تمس حياة الناس مباشرة؛ فقال: إن أباه كان يغزيهم(6) البحر، وإنه لن يحملهم في البحر، وإن أباه كان يشتيهم(7) بأرض الروم، وإنه لن يشتي المسلمين في أرض العدو، وإن العطاء الذي كان يخرج أثلاثًا سيجمعه لهم.

بغض النظر عن تقييم سياسة يزيد العامة، فإن هذا الموقف يكشف عن قاعدة قيادية مهمة؛ أن القائد في لحظات التحول والتأسيس يحتاج إلى معرفة أكثر الملفات تأثيرًا في الجمهور ورفع المعاناة المباشرة عنهم، فالجند لم يكونوا يستمعون إلى خطاب نظري مجرد، بل كانوا يحملون ذكريات مباشرة عن مشقة الغزو البحري، وقسوة الشتاء في بلاد العدو، وتأخر الأموال بسبب نظام العطاء؛ ولذلك خاطب يزيد مخاوفهم العملية وحاجاتهم اليومية.

وهذا المنهج أصل نبوي أصيل في مراعاة أحوال الناس ومخاطبة أولوية أمنهم وحاجتهم أوقات التحول؛ كما تجلى في الهدي النبوي الخالد عند قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، إذ يروي عبدالله بن سلام رضي الله عنه أن أوَّل شيء سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم به في ذلك الموقف الحساس كلمات موجزة لامست حاجة المجتمع الاستقرارية ينقلها عبدالله بن سلام قائلًا: كانَ أوَّلُ شيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أن قالَ: «يا أيُّها النَّاسُ، أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ»(8).

كما يتقاطع قرار يزيد مع الفقه الإداري والعسكري للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تفهم أحوال الجند والتخفيف عنهم؛ فحين سأل ابنته حَفْصة رضي الله عنها عن أقصى ما تصبر فيه المرأة عن زوجها فقالت: أربعة أشهر، أصدر عمر قراراً تنظيميًا حاسمًا يراعي النفسية العسكرية والحاجات الاجتماعية قائلًا: «فَكَتَبَ عُمَرُ أَلَّا تُحْبَسَ الْجُيُوشُ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»، ليرسي سُنّة قيادية في تقديم رفاه الجند واستقرارهم على التمدد والتوسع(9).

وفي واقع المؤسسات اليوم، يبقى هذا المعنى حاضرًا بصلابة؛ فالقائد الذكي الذي يريد كسب ثقة فريقه وتجاوز الأزمات لا يكتفي بإطلاق الشعارات الكبيرة، بل يبدأ بذكاء بمعالجة المشكلات التفصيلية التي يكتوي بها الناس في حياتهم وبيئة عملهم اليومية.

كيف تتعامل القيادة الحكيمة مع الانتقاد والاعتراض؟

كان بإمكان يزيد أن يواجه عبارة الناس الساخرة بالقوة، خصوصًا أنه أصبح صاحب السلطة، لكنه اختار طريقًا آخر: أن يترك للفعل أن يغير الصورة.

وهذه إحدى القواعد المهمة في القيادة؛ فبعض الانطباعات لا تُمحى بالجدال، وإنما تُمحى بالإنجاز، فالإنسان الذي يُساء فهمه قد يستهلك عمره في الدفاع عن نفسه، بينما يستطيع أحيانًا أن يقدم عملًا يجعل الآخرين يعيدون النظر من تلقاء أنفسهم.

وقد تجلى هذا الأصل الشريف في الحديث الذي يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قائلاً: كُنتُ أمشي مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه بُردٌ نَجرانيٌّ غَليظُ الحاشيةِ، فأدرَكَه أعرابيٌّ فجَذَبَه جَذبةً شَديدةً، حتَّى نَظَرتُ إلى صَفحةِ عاتِقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أثَّرَت به حاشيةُ الرِّداءِ مِن شِدَّةِ جَذبَتِه، ثُمَّ قال: مُرْ لي مِن مالِ اللهِ الذي عِندَكَ، فالتَفَتَ إليه فضَحِكَ، ثُمَّ أمَرَ له بعَطاءٍ(10)؛ فحوّل هذا التعامل بالحسنى والجود الجفاءَ إلى ثقة ومحبة دون حاجة للتصادم.

كما يتجسد هذا الفقه القيادي في حِلم الأحنف بن قيس رضي الله عنه؛ إذ تبعه رجل يسبّه ويوجه له الإهانات، فلم يرد عليه الأحنف بسلطانه وهو قائدٌ مُطاع تُسلّ لإشارته آلاف السيوف، فلما قرب من ديار قومه قال للرجل بحلم وبُعد نظر: «إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله قبل أن يسمعك فتيان الحي من قومي فيؤذوك، ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا»(11)، متمسكًا بالحلم ومستبدلاً الصدام بالاستيعاب والترفع.

وفي المجال التربوي والدعوي والإداري، يظهر هذا المعنى بوضوح؛ أن ليس كل اعتراض يحتاج إلى رد، وليس كل انتقاد يحتاج إلى مواجهة؛ أحيانًا يكون أفضل جواب بناء واقع جديد يجعل الحكم السابق يتغير.

على الرغم من أن هذا الخبر لا يمثل كل تاريخ يزيد بن معاوية ولا يكفي للحكم على تجربته السياسية كاملة، فإنه يقدم نموذجًا غنيًا لدراسة لحظة قيادية محددة؛ كيف يتعامل الإنسان مع صورة سلبية في بدايته؟ وكيف ينتقل من الاختبار إلى إثبات الحضور؟ وكيف يمكن للقرار العملي أن يسبق الخطاب الطويل؟

لقد انتقل المشهد خلال ساعات من استغراب الناس من هيئة القادم الجديد إلى ثنائهم على ما سمعوه منه، وهذا التحول يبين أثر الجمع بين الرمزية، وفهم حاجات المجتمع، والقدرة على إدارة اللحظة.

فالأمم لا تُقاد بالكلمات وحدها، ولا بالمظاهر وحدها، وإنما بقدرة القائد على تحويل المعاني إلى أفعال يراها الناس ويشعرون بأثرها.

الهوامش
  • 1 يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (26 - 64هـ)، ثاني خلفاء الدولة الأموية، تولّى الحكم عام 60هـ بعهدٍ من أبيه، لتبدأ بعهده الخلافة الوراثية أو «الملك العاض» كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، كان له في شبابه مشاركات عسكرية، من أبرزها قيادته لغزوة القسطنطينية التي شارك فيها جمعٌ من الصحابة، امتدّت خلافته لنحو ثلاثة أعوام ونصف عام، وشهدت أحداثاً مفصلية ومأساوية، وعلى رأسها استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء، إضافة إلى وقعة الحرّة وحصار مكة، ويتلخص موقف أهل السُّنة والجماعة فيه بالاعتدال والتوسط؛ فلا يُحبّونه محبة الصالحين والأئمة ولا يسبّونه، بل ينكرون ما وقع في عهده من مظالم ويكِلون أمره إلى الله تعالى.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص37.
  • 3 أخرجه البخاري (5091) بلفظه، وابن ماجه (4120)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (9998) مطولًا باختلاف يسير
  • 4 أخرجه البخاري (1185).
  • 5 تاريخ الطبري، ج5، ص552.
  • 6 يجعلهم يركبون البحر للغزو.
  • 7 يغزو بهم في الشتاء.
  • 8 حديث صحيح رواه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334)، والدارمي (2674) واللفظ لهم.
  • 9 القصة بتمامها مذكورة في مصنف عبدالرزاق (12188).
  • 10 أخرجه البخاري (3149)، ومسلم (1057).
  • 11 كتاب موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، ج1، ص343.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة