معايير الرفعة بين الشكل والجوهر

سالم بن عبد الله.. كيف هزم العلم هيبة المظهر؟

رجل بملابس رثة يجلس مع الخليفة على كرسي الخلافة وفي الحضور رجلان احدهما بملابس فاخرة يتنقد ذك والاخر عمر بن عبدالعزيز يرد عليه ويدافع عن الرجل ذي الملابس الرثه

يحكي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن سالم بن عبد الله بن عمر11)؛ حيث رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْحَارِثِيُّ، عَنِ الْعُتْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ سَالِمٌ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى سَالِمٍ ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ رَثَّةٌ، فَلَمْ يَزَلْ سُلَيْمَانُ يُرَحِّبُ بِهِ، وَيَرْفَعُهُ حَتَّى أَقْعَدَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أُخْرَيَاتِ النَّاسِ: مَا اسْتَطَاعَ خَالُكَ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابًا فَاخِرَةً أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ، يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟! قَالَ: وَعَلَى الْمُتَكَلِّمِ ثِيَابٌ سَرِيَّةٌ، لَهَا قِيمَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ هَذِهِ الثِّيَابَ الَّتِي عَلَى خَالِي وَضَعَتْهُ فِي مَكَانِكَ، وَلَا رَأَيْتُ ثِيَابَكَ هَذِهِ رَفَعَتْكَ إِلَى مَكَانِ خَالِي ذَاكَ(2).

تضعنا هذه الرواية التاريخية أمام مشهد تختبر فيه المظاهر؛ حيث يدخل إمام من أئمة التابعين على خليفة المسلمين بثياب غليظة بسيطة، فإذا بالخليفة يرحب به ويرفعه حتى يقعده على سريره، بينما يقف رجل آخر يرى في الثياب الفاخرة معياراً للتفاضل والرفعة، فجاء رد عمر بن عبد العزيز ليقلب الميزان السطحي بعبارة واحدة جامعة.

إن هذه القصة لا توثق زهد الإمام سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فحسب، بل تكشف عن حقيقة أخلاقية واجتماعية راسخة: إن القيمة الذاتية الراسخة بالعلم والورع والعمل هي التي تمنح الإنسان هيبته، بينما تعجز الثياب الفاخرة عن رفع صاحبها إذا خلا من أسباب الرفعة الحقيقية.

لماذا لم يغير سالم بن عبد الله مظهر بساطته بقصر الخليفة؟

لم يغير سالم بن عبد الله هيئته أو يرتدِ ثوباً خاصاً يوافق أبّهة القصر، بل دخل بثيابه الغليظة المعتادة التي يعيش بها بين الناس في المدينة المنورة؛ إذ لم يكن يعيش بشخصيتين متناقضتين؛ شخصية متخففة في حلقات العلم، وشخصية متصنعة عند أبواب الخلفاء.

ويكشف هذا السلوك عن استقرار الزهد لدى سالم؛ فلم يكن التخفف لديه مشهداً يستعرضه، بل نمط عيش يعبر عن اتساق الظاهر مع الباطن، فالشخصية الواثقة التي تستمد قيمتها من رسوخ علمها لا تحتاج إلى إعادة تشكيل مظاهرها كلما تغيرت البيئة.

وقد تجسد هذا التجرد في سيرة الصحابة والتابعين؛ فقد كان عمر بن الخطاب يخرج للناس بقميصه المرقوع أو إزاره الذي فيه أربع عشرة رقعة، وكان يخرج للجمعة متأخراً لعدم وجود ثوب آخر لديه، فيعتذر قائلاً: «حبسني قميصي هذا»(3)، وكان سلمان الفارسي وهو أمير على المدائن يخرج ويمشي في الأسواق بعباءته البسيطة دون تكلف، وفي تجرد سالم التام عن زينة الملوك، كان إذا سأله الخليفة عن طعامه يقول: «الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته»(4).

كيف انحنت المكانة السياسية أمام الهيبة العلمية؟

يبين المشهد موقَف الخليفة سليمان بن عبد الملك حين دخل عليه سالم بن عبد الله؛ فلم يلتفت إلى رثاثة ثوبه، بل بادر إلى الترحيب به وإعلاء قدره حتى أقعده معه على سريره، وتتجلى المفارقة في أن السلطة انحنت إجلالاً للمكانة العلمية والفضل الأخلاقي، دون أن يطلب سالم التكريم أو يقدم مظاهر التعريف بنفسه.

كانت منزلة سالم معلومة قبل أن ينطق بكلمة، وهو الفارق بين المنزلة الأصيلة بالعلم والورع، والمنزلة المستعارة من المظاهر الزائلة.

ويمتد هذا الإجلال لأهل العلم في التاريخ الإسلامي؛ فقد دخل أبو العالية الرياحي على عبدالله بن عباس وهو أمير البصرة وعليه قميص ورداء بسيط، فتناول ابن عباس يده وأجلسه معه على السرير إكراماً لعلمه، وكان عمر بن الخطاب يدخل عبدالله بن عباس مع أشياخ بدر في مجلس شورى الخلافة ويقعده بينهم توقيراً لفهمه وعلمه بالقرآن(5)، مصداقاً لقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11).

حين تعجز العين السطحية عن إدراك قيمة العلماء

ظهر في المجلس اعتراض أحد الحاضرين الذي ينظر إلى الأمور بظواهرها؛ إذ انصب اهتمامه على هيئة سالم الخارجية واستنكار دخوله على أمير المؤمنين بهذه الثياب الغليظة، ويكشف هذا الاعتراض عن نمط فكري يكتفي بالصورة الخارجية جاعلاً إياها المقياس الوحيد للحكم على منازل الرجال.

لم يتساءل الرجل عما يحمله سالم من الفقه، بل اختزل الإنسان في ثوبه وبنى حكمه على الظاهر، وهو الاختلال نفسه الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين صعد عبدالله بن مسعود شجرة أراك وكان دقيق الساقين فضحك بعض الحاضرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ»(6).

كما تجسد هذا الوهم البصري حين رأى رجل من أهل الشام سلمان الفارسي يمشى في السوق بعباءته البسيطة وظنه حمالاً أجيراً، فقال له: تعال احمل هذا! فحمله سلمان تواضعاً حتى عرفه الناس وأخبروا الرجل أنه أمير المدائن، ولما شتم رجل الإمام سالم بن عبدالله خادعاً بمظهره البسيط وقال له: ما أراك إلا رجل سوء، أجابه العالم الجليل بتواضع وحلم: ما أحسبك أبعدت(7).

كيف فند عمر بن عبدالعزيز معيار الثياب؟

جاء رد عمر بن عبد العزيز قاطعاً؛ إذ قال للرجل: «مَا رَأَيْتُ هَذِهِ الثِّيَابَ الَّتِي عَلَى خَالِي وَضَعَتْهُ فِي مَكَانِك، وَلَا رَأَيْتُ ثِيَابَكَ هَذِهِ رَفَعَتْكَ إِلَى مَكَانِ خَالِي ذَاك»، وتشكل هذه العبارة الميزان الدقيق للقضية؛ فهي لا تعيب المظهر الحسن، ولكنها تهدم الوهم الذي يجعل اللباس أساس القيمة ومصدر المنزلة.

وضع عمر بن عبد العزيز المعترض أمام حقيقتين: سالم بن عبد الله بثيابه الغليظة يجلس بجوار الخليفة، والمعترض بثيابه الفاخرة يجلس في أُخريات المجلس، فإذا كانت الثياب الفاخرة تصنع الرفعة فلماذا لم ترفع صاحبها؟ وإذا كانت الثياب الرثة تضع صاحبها فلماذا لم تحط بسالم؟

وهذا المفهوم يعيد للأذهان موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين قدم الشام ولقيه أبو عبيدة بن الجراح، وكان عمر يرتدي ثوباً مرقوعاً، فقال له أبو عبيدة: لو لبست ثوباً ألين من هذا، فقال عمر كلمته الراسخة: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ»(8)، كما قيل لِرَابِعَةَ رَحِمَهَا اللهُ: لَوْ كَلَّمْنَا رِجَالَ عَشِيرَتِكِ؛ فَاشْتَرَوْا لَكِ خَادِمًا يَكْفِيكِ مِهْنَةَ بَيْتِكِ! فَقَالَتْ: وَاللهِ؛ إِنِّي لأَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ الدُّنْيَا مَنْ يَمْلِكُ الدُّنْيَا؛ فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مَنْ لا يَمْلِكُهَا؟!»(9).

لماذا لم تمنع البساطة سالمًا من القيادة المعرفية؟

تتكرر هذه القاعدة في حياة سالم بن عبد الله وأعلام الهدى؛ فقد نقلت الأخبار أنه كان يرتدي الخشن من الثياب ويعمل بيده ويقضي حوائجه بنفسه، ولم تمنعه بساطة مظهره من أن يكون المرجع الفقهي الذي يقصده العلماء والطلاب، فالمكانة الراسخة تفرض حضورها على المظهر وتجعله تفصيلاً ثانوياً.

إذا كانت قيمة الإنسان العلمية راسخة صار مظهره تابعاً لها، أما إذا خلت شخصيته من الفضل فلن يسعفه المظهر الفاخر، ولذلك لم يجد سالم حرجاً في الدخول على السلطان بثوبه العادي؛ لأن قدره المعلوم أغناه عن المظاهر.

وقد تجلت هذه الحقيقة في وصف الأعمش للإمام المفسر مجاهد بن جبر بقوله: «كنت إذا رأيت مجاهدا كأنه جمال أو خربندج(10)، فإذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ»(11)، كما ظهرت في الإمام عطاء بن أبي رباح الذي كان مولى بسيط المظهر، ومع ذلك كانت الفتيا بمكة تنتهي إليه وكان كبار الخلفاء يأتونه للاقتباس من علمه.

الفارق بين الزهد الحقيقي واستعراض مظهر الزاهدين

لا يدعو الموقف إلى إهمال المظهر؛ فالإسلام يحث على النظافة والجمال، وإنما تكمن الإشكالية حين تتحول الشكلية إلى معيار أولي في تقييم الذات، لم يكن سالم بن عبد الله يلبس الثوب الغليظ ليعلن للناس عن زهده أو يصنع لنفسه "صورة الزاهد"، بل كان ذلك طبيعة عيشه دون تصنع.

وهناك فرق بين من يتصنع الرثاثة، وبين من يرتفع قلبه عن التعلق بالمظاهر؛ فالصورة الثابتة عن سالم تشير إلى التجرد الكامل.

وهذا التجرد هو ما كان عليه كبار الصحابة والتابعين؛ فقد خطب عمر بن الخطاب النَّاسَ وهو خليفةٌ وعليه إزارٌ فِيهِ اثنتا عشرةَ رقعةً(12)؛ ليبين لرعيته نمط حياته المتجرد، ولمّا مات عليّ بن الحسين غسلوه، ثمّ جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة(13).

كيف كشفت ثياب سالم بن عبد الله موازين الناظرين إليه؟

يكشف المشهد أن سالماً لم يكن هو الممتَحَن في المجلس، بل كان المجلس نفسه ومجتمع الحاضرين هما الممتَحَنين؛ حيث ظهر تفكير كل طرف ونظرته للحياة من خلال موقفه من مظهر سالم، فالخليفة سليمان بن عبد الملك رأى عالماً فرفعه، وعمر بن عبد العزيز رأى فضلاً فدافع عن ميزانه، بينما رأى الرجل المعترض ثوباً غليظاً فاستنكره.

توضح هذه المواقف أن أحكام الناس تكشف عن المعايير التي يحملونها؛ فمن جعل الشكل ميزانه ينظر للثياب، ومن جعل التقوى ميزانه يلتفت للجوهر، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

وقد امتحن هذا الميزان معايير المجتمع في مواقف عدة؛ منها حين دخل أبو العالية الرياحي بكسائه البسيط على ابن عباس والي البصرة فجلس معه على السرير، فاستنكر رجل من تميم تقديم مولى، فبيّن له ابن عباس فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المملوك على الأسرة(14)، كما امتحن الميزان أهل الشام لما ورد عليهم عمر بن الخطاب على بعيره وثوبه مرقوع، فذكرهم الصحابة بأن العزة بالإسلام والتقوى لا بزينة الأباطرة.

حين تعجز البيئة الجديدة عن تغيير مبادئ الفقيه

تتجلى قوة الشخصية الإيمانية لدى سالم بن عبد الله في ثبات سلوكه عند انتقال البيئة؛ فقد كان يعيش في المدينة المنورة حياة قائمة على البساطة والاشتغال بالعلم، ولما دخل مجلس الخلافة بدمشق لم يشعر بالحاجة إلى تبديل أسلوبه أو التملق لأصحاب السلطة والجاه.

فالاستقلال النفسي المكتسب من تقوى الله يمنح العالم ثباتاً أمام بيارق السلطة؛ فلا يغير مبادئه كي يرضي المتنفذين، وحين يستغني العبد بما عند الله، يقدر على قول الحق والنصح الصادق دون تردد.

وقد ثبت الإمام أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج على هذا المنهج حين دخل على الخليفة سليمان بن هشام بن عبد الملك بدعوة منه بقميصه الخشن، فوعظه بلسان صادق، ولما سأله الخليفة عن ماله قال: «لِي مَالَانِ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ»(15)، ولما أمر له الخليفة بمال رده ولم يقبله عزة واستغناءً، كما كان أبو هريرة وهو والي المدينة يحمل الحطب على ظهره ويمشي في الأسواق(16) بالهيئة البسيطة نفسها.

كيف حسم عمر المناظرة بدليل الواقع المشاهد؟

تكمن بلاغة جواب عمر بن عبد العزيز في أنه نقل الحوار من المساجلة النظرية إلى الدليل المشاهد؛ فلم يطنب في الحديث عن فضائل الزهد، بل وضع المعترض أمام واقع قائم لا يمكن إنكاره.

كان المعترض يفترض أن الثوب الفاخر شرط للدخول على الخليفة، فرد عليه عمر بالشواهد الماثلة: ها هو سالم قد أجلسه الخليفة على سريره، وها أنت تجلس في أطراف المجلس.

ويمثل هذا المسلك نموذجاً بليغاً في الحوار؛ حيث يُلجم المعترض بحقيقة متحققة يراها بنفسه، وهو المنهج الذي سلكه سلمان الفارسي حين سأله عمر بن الخطاب: "أملك أنا أم خليفة؟"، فأجابه بعبارة حاسمة: "إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك(17)، فنقل النقاش إلى التطبيق المباشر.

ما مقومات العظمة العلمية لواحد من الفقهاء السبعة؟

كان تحت ذلك الثوب الغليظ رصيد عظيم من الفقه والحديث والورع والخشية، فقد كان سالم بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة الذين انتهت إليهم المرجعية العلمية والفتيا في عصره، وروايته عن أبيه عن جده تشكل إحدى أصح الأسانيد في الحديث النبوي.

فالثوب لم يرفع سالماً، بل العلم والعمل هما اللذان رفعا قدره وجعلا ثوبه البسيط صغيراً أمام عظمة حامله، فالتبذل لا يصنع عالماً بمفرده، ولكن حين يجتمع العلم الراسخ مع التواضع الصادق، تكتمل للشخصية مهابتها في قلوب العباد.

وقد تجسد هذا المضمون في عبدالله بن مسعود الذي كان دقيق الساقين نحيف الجسم، لكن كان في صدره سبعون سورة أخذها طرية من فم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال فيه الرسول الكريم: «لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ»(18)، كما تجسد في الإمام علي بن الحسين وكان يقال له: السَّجَّاد لكثرة صلاته؛ كان يصلِّي في اليوم والليلة خمس مئة ركعة (يسجد فيها ألف سجدة، وفي رواية ابن سعد أنه كان يصلي في اليوم والليلة) ألف ركعة وقال أبو نُعيم بإسناده عن هشام بن سليمان المخزومي: إن عليًّا، كان إذا قدمَ حاجًّا أو معتمرًا عطَّلت قريشٌ مجالسَها في المسجد الحرام، وعطَّلت حِلَقَها، ولزمَتْ مجلسَه إعظامَّا وإجلالًا له، فإن قعد قعدوا، وإن نهض نهضوا، وإن مشى مَشَوْا جميعًا حتى يخرج من المسجد الحرام(19)، فكان يحمل تحت ثوبه قلباً عامراً بالعبادة والورع.

المعيار النبوي في التفريق بين الصورة والجوهر

المشكلة الحقيقية لا تكمن في ارتداء الثوب الجميل، وإنما في تحول المظهر إلى معيار وحيد لقياس قيمة الإنسان، وحين ينخدع المجتمع بالشكل الظاهر، يقع في خطر تقديم أهل الادعاء وإغفال أهل العلم والعمل الصالح.

لقد ضرب التابعون أروع الأمثلة في إعادة صياغة الموازين الاجتماعية؛ حيث تعلم أهل المدينة التفريق بين زينة الظاهر وأناقة الجوهر، وخاصة بعدما ظهر فيهم أبناء أمهات الأولاد كعالي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبدالله، ففاقوا المجتمع علماً وعبادة، وصاروا سادة دار الهجرة بفضل عقولهم وأعمالهم(20).

وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الميزان الواضح في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَآعْمَالِكُمْ»(21)، وهو المبدأ الذي طبقه عمر بن الخطاب حين أقر استخلاف نافع بن عبد الحارث لـ ابن أبزى (وكان مولى)(22) على أهل مكة لكونه قارئاً لكتاب الله عالماً بالفرائض.

كيف تتشكل العلاقة الرشيدة بين السلطة والعلماء؟

يكشف تكريم سليمان بن عبد الملك للإمام سالم بن عبد الله عن صورة جليلة لاستقلالية المرجعية العلمية؛ فالخليفة لم يطالب سالماً بأن يتصنع هيئة رجال البلاط حتى يفسح له في المجلس، بل احتفى به بمكانه العلمي المستقل الذي أثبته في مدينته قبل قدومه الشام.

فالعالم الصادق لا يحتاج القرب من السلطان ليحوز الاحترام، والحاكم العاقل يعرف قدر العلماء دون أن يحولهم إلى أتباع، وهكذا تتزن العلاقة حين تظل المكانة المعرفية حرة ومستقلة عن الامتياز السياسي.

وقد تجسدت هذه الاستقلالية في سيرة الإمام سعيد بن المسيب الذي كان يرفض دخول أبواب الخلفاء، وحين خطب منه الخليفة عبد الملك بن مروان ابنتَه لولي العهد رفض وزوجها لتلميذه الفقير ابن أبي وداعة على درهمين حماية لعلمه(23)، كما تجسدت في شجاعة الإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب حين سأله الخليفة أبو جعفر المنصور: أتراني أعدل؟ فقال له دون مداهنة: أما إذ نشدتني بالله، اللهم لا، أراك تجور وتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير(24).

تستحضر قصة دخول سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك بثيابه الغليظة درساً خالدًا في تصحيح موازين القيمة والرفعة؛ فقد استنكر بعض الحاضرين مظهر العالم الجليل كأن القيمة خيوط تُنسَج في الثياب، غير أن سرير الخلافة احتفى بالعالم، وجاءت كلمة عمر بن عبد العزيز لتلخص الزاوية الجوهرية التي أردنا التركيز عليها في هذه القراءة: إن الثياب الفاخرة لا ترفع من خلا من العلم والتقوى، كما أن الثياب البسيطة لا تحط من قدر من استقر العلم والورع في قلبه، لقد خلد التاريخ اسم سالم بن عبدالله بفقهه وزهده وسمته الصالح، لتبقى سيرته شاهدة على أن جوهر الإنسان وعلمه هما الميزان الخالد الذي ترتفع به المقامات وتبقى به الذكرى.

الهوامش
  • 1 سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عثمان بن عفان، وهو تابعي جليل ومن كبار فقهاء المدينة المنورة السبعة، اشتهر برواية الحديث والفقه والزهد والورع والتأسّي بالسنّة على طريق أبيه وجده، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 106هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
  • 3 الطبقات الكبرى (3/ 251/ 56).
  • 4 الزهد لأبي داود (358/ 429).
  • 5 صحيح البخاري (6/ 520/ 4958).
  • 6 مسند أحمد (7/ 99/ 3990).
  • 7 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 433).
  • 8 المصنف، ابن أبي شيبة (19/ 76/ 36114).
  • 9 المجالسة وجواهر العلم (4/ 378/ 1561).
  • 10 فارسية بمعنى الجمّال أو الحمّار.
  • 11 ميزان الاعتدال (3/ 440).
  • 12 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (15/ 754).
  • 13 التذكرة الحمدونية (1/ 110/ 211).
  • 14 الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم (3/ 510).
  • 15 الطبقات الكبرى، متمم التابعين، (332/ 238)، وقال المصنف انظر: حلية الأولياء (3/ 32).
  • 16 جمع الجوامع (15/ 630) (2/ 1808).
  • 17 سير أعلام النبلاء (2/ 614).
  • 18 المرجع السابق (10/ 381) (5162/ 23658).
  • 19 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (11/ 63).
  • 20 سير أعلام النبلاء (4/ 458).
  • 21 صحيح مسلم (8/ 11/ 2564).
  • 22 منة المنعم في شرح صحيح مسلم (1/ 511/ 817).
  • 23 وفيات الأعيان (2/ 376/ 262)، سعيد بن المسيب.
  • 24 الطبقات الكبرى (419/ 348).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة