بين الفأل الحسن ووهْم العلامات
صوت الغراب لا يكشف الغيب.. طاووس بن كيسان ينكر الطيرة
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن عَبْدالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُوْسٍ،
أَوْ غَيْرِهِ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَسِيْرُ مَعَ طَاوُوْسٍ، فَسَمِعَ غُرَاباً
يَنْعَبُ، فَقَالَ: خَيْرٌ، فَقَالَ طَاوُوْسٌ: أيُّ خَيْرٍ عِنْدَ هَذَا أَوْ
شَرٍّ؟ لَا تَصْحَبْنِي، أَوْ قَالَ: لَا تَمْشِ مَعِي(1).
لم يكن موضع
الإنكار في هذا الخبر صوتَ الغراب، بل المعنى الذي عُلّق عليه؛ ففي كلمات قليلة
ينتقل الحوار من سماع طائر إلى مساءلة اعتقاد، ثم إلى موقف من الصحبة، ولا يحدد
النص مكان المسير، ولا يصف خوف الرجل أو مقصده الباطن؛ ولذلك ينبغي أن تبقى
القراءة قريبة من عبارته، دون بناء مشهد نفسي أو تاريخي لا يشهد له النقل.
لماذا أبطل طاووس بن كيسان ربط الغيب بأصوات الطيور؟
يجمع سؤال طاووس
طرفَي الوهم؛ الخير والشر، فهو، بحسب ظاهر الخبر، لا يستبدل التشاؤم بالغراب
تفاؤلًا به، وإنما ينفي أن يُستخرج من صوته حكم على ما سيصيب الإنسان، والفرق كبير
بين إزالة الخوف من علامة موهومة، والإبقاء على سلطان العلامة مع تغيير تفسيرها.
ولهذا المعنى أصل في رد القرآن على المتطيرين: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) (يس: 19)، وقد روى الطبري عن قتادة تفسيرها بقوله: «أعمالكم
معكم»(2)، فالنظر يتجه إلى أعمال الناس ومسؤوليتهم، لا إلى تعليق ما
ينزل بهم على شؤم من يذكّرهم بالله.
ويبيّن حديث ابن
مسعود رضي الله عنه خطورة هذا الباب؛ إذ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
«الطيرة من الشرك»(3)، فالمسألة ليست مجرد ذوق يستثقل صوتًا أو يستحسن
آخر، بل تعلق يتجاوز المسموع إلى اعتقاد دلالة لا دليل عليها.
ومن هنا يمكن
فهم قوة الاستفهام في الخبر: إنه يعيد صاحبه إلى أصل الدعوى؛ ما الذي جعل هذا
الصوت خبرًا عن غدك؟ وبأي دليل صار الطائر مصدرًا للطمأنينة أو التحذير؟
وهذه طريقة
نافعة في تصحيح الاعتقاد: لا يكفي أن نقول لمن يتشاءم إن توقعه لن يقع؛ فقد يقع
المكروه اتفاقًا فيزداد تعلقه بوهمه، الأجدى أن نبيّن فساد الربط نفسه، وأن وقوع
حادث بعد سماع الغراب لا يجعل الغراب دليلًا عليه، فالمطلوب إسقاط سلطان العلامة
الموهومة، لا تقديم نبوءة مضادة لها.
كيف نميز بين الفأل الصالح والتشاؤم المذموم؟
قد يسأل القارئ:
إذا كان الرجل قد قال «خير»، فلماذا الإنكار؟ أليس استبشار الإنسان بالخير
محمودًا؟ يقتضي الجواب التمييز بين حسن الظن بالله، وبين اتخاذ صوت الطائر علامة
على نتيجة مستقبلية.
وقد نقل ابن عبد
البر عن محمد بن سيرين قوله: «كانوا يستحبون الفأل، ويكرهون الطيرة»، ونقل تفسير
ابن عون للفأل بأن يسمع طالب الشيء نداءً باسم يدل على الوجدان، أو يسمع المريض
اسمًا يدل على السلامة.
فعن ابنِ عَوْن،
عن ابنِ سيرين، قال: كانوا يَستحِبُّون الفألَ ويكرهون الطِّيَرة، قال: فقلتُ
لابن عَوْن: يا أبا عَوْن، ما الفألُ؟ قال: أن تكونَ باغيًا فتسمَع: يا واجدُ، أو
تكونَ مريضًا فتسمَع: يا سالمُ»(4)، فالمثال يتصل بكلمة حسنة يستبشر
بها السامع، لا بطريقة يستخرج بها أخبار الغيب.
وأصل ذلك ما
رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نفى الطيرة وقال: «لَا
عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ»(5).
وقد شرح الخطابي
الفرق بأن الفَألَ إنما هُوَ من طَريق حُسن الظَّنِّ بالله عَزَّ وجَلَّ،
والطِّيَرَة إنما هي من طريق الاتّكال عَلَى شيء سِواه(6).
وعلى هذا، ليس
المعيار جمال اللفظ وحده، وإنما المعنى الذي يحمله، فبين أن يستبشر المرء بكلمة
طيبة وهو ماضٍ في شأنه، وأن يعتقد أن نعيب الغراب يبشّره حتمًا بنجاح أو يحذّره من
مصيبة، مسافة بين الرجاء المشروع والدلالة المتوهَّمة.
ومع ذلك، لا
تكفي كلمة «خير» منفردة للحكم على اعتقاد كل من نطق بها؛ فقد يريد بها الدعاء، أو
تطييب خاطر صاحبه، دون نسبة تأثير أو دلالة غيبية إلى الطائر، والخبر لا ينقل
تفسير الرجل لعبارته، وإنما ينقل إنكار طاووس عليها في سياقها؛ فلا يصح أن نجزم
بتفاصيل نيته، أو نحوّل الواقعة إلى اتهام لكل لفظ مشابه.
وفي التربية
يظهر أثر هذا التفريق: نعلّم الطفل أن يرجو الخير من الله، لا أن ينتظر إذنًا من
صوت طائر؛ ونصحح المعنى الذي يقصده المتكلم، بدل الاكتفاء بمحاكمة كلمة محتملة، فلا
نحارب التفاؤل ونحن نحارب الخرافة، ولا نسمح للخرافة أن تختبئ وراء اسم التفاؤل.
كيف يدفع التوكل وساوس التطير النفسية العارضة؟
لا يستوي أن يجد
الإنسان انقباضًا عارضًا، وأن يصدّق هذا الانقباض ويجعله حاكمًا على سلوكه، وهذه
المسافة مهمة؛ لأنها تمنع أن يتحول التحذير من الطيرة إلى محاسبة للناس على كل
شعور لم يختاروه.
وفي هذا الباب
جاء قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا
إِلَّا(7)، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»(8)،
والحديث يذكر العارض، ثم يشير إلى علاجه، ولا يقر الاسترسال معه، ويؤيد هذا المعنى
جواب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، حين سأله عن
رجال يتطيرون، فقال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم»(9)، فالتوجيه
يتجه إلى ألا يملك الخاطر زمام الحركة، وألا يصير سببًا للرجوع عن الحاجة.
ومن هنا تكون
قراءة موقف طاووس أدق إذا انصرف الاهتمام إلى تصحيح الاعتقاد، لا إلى اختراع وصف
نفسي للرجل، فلا يخبرنا النص أنه كان شديد الهشاشة، ولا أنه سيفشل في الشدائد، ولا
أن كلمة واحدة كشفت جميع خصاله، هذه أحكام تتجاوز ما نعرفه عنه.
أما التطبيق
القريب من الخبر، فهو أن يسمع الإنسان صوتًا يكرهه، ثم يراجع ما طرأ عليه دون أن
يمنحه حجية: هل ظهر خطر حقيقي يستدعي الاحتياط، أم لم يظهر إلا خاطر؟ وفي ضوء
الجواب يتصرف، لا تحت ضغط التشاؤم.
والتوكل هنا لا
يعني ضمان أن يخلو الطريق من كل مكروه، بل ألا تُجعل الأوهام دليلًا على ما سيقع
فيه، وبهذا نجمع بين الحزم مع الاعتقاد الباطل، والرفق بمن يجاهد خاطره ولا يريد
الاستسلام له.
معيار مخالفة التطير بالاستمرار في قضاء الحوائج
قد ينكر الإنسان
الطيرة بلسانه، ثم يرجع عن حاجته بسببها؛ ولذلك لا يكتمل تحرير الاعتقاد ما لم
يتحرر القرار أيضًا، وليس المقصود إظهار الجرأة أمام الناس، وإنما ألا يكون الصوت
العابر سببًا خفيًا للإقدام أو الإحجام.
وعَنْ فَضَالَةَ
بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فَقَدْ قَارَفَ الشِّرْكَ»(10)،
وموضع الشاهد أنه علّق الإنكار على استجابة الإنسان للطيرة حتى ترده عما أراد.
ومن التطبيق
العملي لمخالفة التشاؤم قول عائشة رضي الله عنها: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ
نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ
مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي
شوال(11)، وبيّن النووي أنها قصدت الرد على التشاؤم بالزواج في هذا
الشهر(12).
والشاهد المتصل بموقف طاووس أن العادة الباطلة لا تُترك صاحبةَ الكلمة الأخيرة؛ فكما لا يمنع اسم الشهر زواجًا، لا ينبغي أن يحكم صوت الغراب على سلامة المسير أو فساده.
ومن ثم، ليس
العلاج أن نبحث عن صوت آخر «يبطل» الصوت الأول، أو عن علامة مريحة تعيد إلينا
الإذن بالمضي؛ فهذا يبقي أصل الوهم قائمًا، العلاج أن تستند الخطوة إلى سبب معتبر،
وأن يُترك ما لا دليل على دلالته.
وفي تعليم
الأبناء أو نصح الرفيق، يمكن تحويل هذا المعنى إلى ممارسة واضحة: نستوضح ما يخشاه،
وننظر هل له سبب حقيقي، ثم نبيّن أن مجرد سماع الطائر لا يوجب تغيير الخطة، وبذلك
يصبح رفض الطيرة سلوكًا مفهومًا، لا شعارًا يردده المرء بينما يظل أسيرًا لها.
ضوابط هجر المخطئ بين الزجر ومصلحة التأليف
يشتد ختام الخبر
حتى ينتهي إلى رفض الصحبة، ويمكن أن يُفهم منه، على فرض ثبوته، زجرٌ عن معنى رآه
طاووس خطيرًا، لكن النص لا يذكر ما سبق بين الرجلين، ولا ما آل إليه أمرهما، ولا
يثبت أن مفارقة المخطئ هي الطريقة المطلوبة في كل حال.
ومن الدقة كذلك
ألا نحمّل العبارة ما لم تقله؛ فهي لا تنقل حكمًا على مصير الرجل، ولا تصف جميع
أفكاره، ولا تخبر بأن الإبعاد أصلحه فعلًا، إنما تنقل موقفًا معينًا، أما تعميم
طريقته فيحتاج إلى النظر في هدي التعليم والإصلاح.
ومعاوية بن
الحكم رضي الله عنه، الذي نقل جواب النبي صلى الله عليه وسلم في الطيرة، شهد له
بقوله: «ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه»(13)، وقد
تضمّن حديثه سؤالًا عما بقي في بيئته من التطير، وجوابًا يوجّه إلى ترك الاستجابة
له؛ وهو شاهد على أن تصحيح هذا الباب يكون بالتعليم والبيان أيضًا.
أما الهجر الذي
فعله طاووس فقد حرر ابن تيمية ميزان الهجر بقوله: «يكون التأليف لبعض الناس أنفع
من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف»، مبيّنًا أن ذلك يختلف بحسب الأحوال
والمصلحة المترتبة عليه(14)، فلا تنفصل وسيلة الإنكار عن غايتها، ولا
تصبح شدة التصرف دليلًا كافيًا على صوابه.
ولهذا، فإن
المعنى الذي يصح استلهامه من موقف طاووس هو عدم مجاملة الاعتقاد الباطل، لا
المبادرة إلى قطع كل من زلّ لسانه أو جهل حكمًا، وقد يحتاج صاحب الخرافة إلى تفسير
يصحح فهمه، أو صحبة تعينه على التخلص منها، أكثر مما يحتاج إلى إبعاده.
ومن أراد أن
يتعلم الحزم من الخبر، فليبدأ بحزم السؤال الذي سبق المفارقة: ما وجه ربط الخير
والشر بهذا الطائر؟ فإن إصلاح الفكرة هو المقصود، وليس الانتصار على صاحبها أو
تعظيم المسافة بينه وبين من ينصحه.
يعيدنا هذا
المشهد إلى تمييزين متلازمين؛ بين رجاء الخير وادعاء معرفته، وبين إنكار الوهم
والحكم على صاحبه بما لا نعلم، فلا تكون سلامة الاعتقاد بإطفاء الأمل، ولا تكون
قوة التربية بإغلاق أبواب الرجوع.
وإذا استقر هذا المعنى، سمع الإنسان صوت الغراب دون أن يسأله عن غده، واستبشر بالكلمة الطيبة دون أن يجعلها ضمانًا لمستقبله، وأحسن نصح رفيقه دون أن يدّعي الإحاطة بسريرته، فالطريق يُسلك ببصيرة، والمقادير تُستقبل بالتوكل، ولا يُستدل على الغيب بنعيب الطير.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 40).
- 2 تفسير الطبري (20/ 503).
- 3 سنن الترمذي بسند حسن صحيح (1614).
- 4 التمهيد: ابن عبدالبر (15/ 487).
- 5 صحيح البخاري (5756).
- 6 غريب الحديث: الخطابي (1/ 183).
- 7 يعني: إلاّ ويعتريه شيءٌ من الوهم، انظر: الإيمان: أبو عبيد، ص 73.
- 8 سنن ابن ماجه بسند صحيح (3538).
- 9 أخرجه مسلم (537).
- 10 الجامع: ابن وهب، ص 744.
- 11 صحيح مسلم (1423).
- 12 شرح النووي على مسلم (9/ 209).
- 13 صحيح مسلم (537).
- 14 مجموع الفتاوى (28/ 206).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً