صور العناية بالشباب في الخطاب النبوي

يُعرَّف الشبابُ
اصطلاحًا بأنها المرحلة العمرية التي تلي مرحلة الطفولة، وتبدأ مع سن البلوغ (نحو
الخامسة عشرة)، وتنتهي مع سن الكهولة (نحو سن الأربعين)، وهي تعني: القوة والنماء،
والتهيئة لتناهي العقل وكمال الفهم، وهي فترة التغيرات الجسدية والنفسية التي تؤهل
الفرد لتحمُّل المسئولية، والمشاركة الفعّالة في المجتمع.
ومن خصائص
المرحلة أيضًا: توهج الشهوة، وقلة العلم والوعي غالبًا؛ إذ لا تزال خبرات الإنسان
حول الحياة قليلة ومشوشة، وفي المقابل فإنها مرحلة تفجُّر الطاقات وظهور المواهب
والميل لإثبات الذات، كما تتميز بقوة الدافع العاطفي، والبحث عن الهُوية
والاستقلالية، وزيادة الوعي بالقيم والمبادئ، والالتزام الخلقي. ومن ثمَّ فإن
الشابَّ في هذه المرحلة بحاجة إلى التربية والتوجيه، والتعليم والإرشاد، وبحاجة
إلى قدوة حسنة ومثل أعلى من أجل صياغة شخصيته صياغة سليمة.
أهمية
مرحلة الشباب
مرحلة الشباب هي
الركيزة الأساس في بناء المجتمعات، وهي أطول مراحل العمر، وأفضلها في حياة
الإنسان، وهي سن البذل والعطاء، والتضحية والفداء. والشباب –الذين يمثلون غالبًا
النسبة العظمى من سكان الدول- هم أغلى ما تمتلك الأمة، وهم سر نهضتها، ومنبع
قوتها، وعاقدو ألويتها، ووقود حروبها، ومبعث فخرها وعزّها، وهم الأقدر على إجراء
التغيير والإصلاح، ومواجهة التحديات، والوقوف في وجه الباطل، وهم الأسبق إلى قبول
الحق؛ إذ هم أرق قلوبًا وألين أفئدة.
اقرأ أيضاً: شبابنا والتقليد الأعمى!
مكانة الشباب في القرآن الكريم
حفل القرآن
الكريم بالعديد من الآيات التي تبين مكانة الشباب، وصفاتهم، ونماذجهم المشرقة،
الداعية إلى الخير والعدل، الجديرة بالاتباع، ومنها:
- أنه ما بُعث
نبيٌّ إلا شابًّا، كما ورد عن ابن عباس في «الطبراني»: «ما بعث الله نبيًّا إلا
شابًّا، ولا أوتي العلمَ عالمٌ إلا شابًّا، ثم تلا قوله تعالى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى
يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء: 60)».
- وهم مثال في
الإيمان الراسخ والتضحية من أجل الحق؛ (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ
نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (الكهف: 14).
- ومثال في
العفة والصبر؛ (مَعَاذَ
اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف:
23).
- ومثال في
الشجاعة والحرص على العدالة ونصرة المظلوم؛ (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي
مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) (القصص: 15).
- ومثال للنجاح
والسعي وتحمل المسؤولية؛ (قَالَ
اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55).
صور العناية بالشباب في الخطاب النبوي
أوْلَى النبي صلى
الله عليه وسلم عناية كبيرة بالشباب، مربيًّا وموجهًا، وممكِّنًا إياهم من التصدّر
والقيادة، حتى غدا جيل الشباب في عهده أعظم جيل حمل الرسالة ونشرها حول العالم؛
فهم في نظره صلى الله عليه وسلم:
- لهم الدور الأعظم في بناء الأمة؛ لصبرهم وجلدهم وثباتهم على الدين؛ «اغتنِم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمِك، وغِناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلِك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم).
- أنهم أوعى
وأحفظ للعلم من غيرهم؛ من ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس
في الحديث المشهور، وفيه: «يا غلام! إني أعلمك كلمات.. الحديث» (رواه الترمذي).
أما صور عنايته صلى
الله عليه وسلم بهم وتوجيهاته لهم، فهي أكثر من أن تعدّ، نذكر منها:
- أن جلَّ
أتباعه كانوا من الشباب؛ فقد آمن به أبو بكر وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وآمن عمر
ولم يبلغ الثلاثين، وكذلك علي، وخباب، والأرقم، وابن مسعود، ومصعب، وغيرهم مئات من
المشاهير.
- الاهتمام بهم
إيمانيًّا: فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معاذ بن جبل»، فقال معاذ:
لبيك رسول الله وسعديك؛ قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟»، قلت: الله ورسوله
أعلم؛ قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا)»، ثم سار صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل»،
قلت: لبيك رسول الله وسعديك؛ قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»،
قلت: الله ورسوله أعلم؛ قال: «أن لا يعذبهم» (رواه البخاري، ومسلم).
- الاهتمام بهم
أخلاقيًّا: وصيانتهم من فساد السلوك والوقوع في الآثام، مثل قوله صلى الله عليه
وسلم: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن
للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (متفق عليه)، ومثله الحوار الذي
دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الشاب الذي جاءه يستئذنه في الزنى، وقد انتهى
الحوار بانصراف الشاب عن هذه الوساوس واستقامته على طريق الإيمان. وقوله صلى الله
عليه وسلم: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الثانية» (رواه الترمذي).
- الرعاية
الفكرية: ويُقصد بها احتضان عقولهم وقلوبهم، مصححًا اعوجاجهم، مرشدًا إياهم إلى
الخير، فكانت مجالسه صلى الله عليه وسلم مدرسة تربوية قائمة على تصحيح الأخطاء
وضبط المفاهيم، بالإقناع، والرفق واللين؛ منعًا للتفريط أو الإفراط، أو التطرف
ومجاوزة الحد، ومن ذلك حديثه إلى الثلاثة الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه
وسلم فكأنهم تقالُّوها، فقال لهم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني
لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن
سنتي فليس مني» (رواه البخاري).
- التربية البدنية والجهادية: فقد زخرت السُّنة النبوية بوصايا عدة تحث المسلم على اهتمامه بالصحة الجسمية، فقال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري)؛ وذلك تشجيعًا على امتلاك القدرة على العمل والإنتاج، والحرب والقتال، فلا تُهمل القوة والفتوة، وقد فدى صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص بأبيه وأمه تشجيعًا له على الرمي، قائلًا له: «ارمِ، فداك أبي وأمي»، وسعد يومئذ ابن سبع عشرة سنة.
- تمكينهم من
القيادة والمسؤولية: بدعمهم ومنحهم الثقة في أنفسهم، فجعل منهم سفراء (مصعب بن
عمير إلى المدينة، جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، معاذ بن جبل إلى اليمن)، وسلّمهم
قيادة الجيوش (زيد، وجعفر، وابن رواحة؛ في «مؤتة»)، بل منح قيادة الجيش لأسامة بن
زيد (وهو ابن ثماني عشرة سنة) وفي هذا الجيش كبار الصحابة من أمثال أبي بكر، وعمر رضي
الله عنهما.
- تشجيعهم على
العلم والتعلم: فيأمر صلى الله عليه وسلم أسرى «بدر» بأن يعلِّموا الشباب والأطفال
القراءة والكتابة. ويأمر صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه بتعلم كتاب
اليهود؛ «يا زيد! تعلَّم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي»، قال
زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا
كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب. (رواه أحمد).
- احترامهم وإبداء التقدير لهم على حداثة سنِّهم: ومنه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قيل: فتلَّه (أي: وضعه) رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. (رواه البخاري).