بين ملاذ النجاة وحرية القرار

عبد الرحمن بن الأشعث.. فقَدَ القائد قراره فاضطربت نهايته

صورة تصف قائد وهو فقد خوذته العسكرية ويبدوا عليه الهزيمة ويداه ورجلاه في الاصفاد والقيود وقد اسره عدوه.

ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في خبر عبدالرحمن بن الأشعث(1): وفي آخر الأمر انهزم جمع عبد الرحمن بن الأشعث، وفر هو إلى الملك رتبيل ملتجئاً إليه، فقال له علقمة بن عمرو: أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك أو قتلك، ولكن ها هنا خمسمائة مقاتل قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها ونقاتل حتى نعطى أماناً أو نموت كراماً، فأبى عليه، وأقام الخمسمائة حتى قدم عمارة بن تميم فقاتلوه حتى أمنهم ووفى لهم، ثم تتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل بطلب ابن الأشعث، فبعث به إليه على أن ترك له الحمل سبعة أعوام.

وقيل: إن عبد الرحمن بن الأشعث أصابه السل فمات، فقطع رأسه، ونفذ إلى الحجاج.

وقيل: إن الحجاج كتب إلى رتبيل: إني قد بعثت إليك عمارة في ثلاثين ألفًا يطلبون ابن الأشعث، فأبى أن يسلمه، وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث عبيد بن أبي سبيع، فأرسله إلى رتبيل، فخف على رتبيل واختص به، قال لابن الأشعث أخوه القاسم: لا آمن غدر رتبيل، فاقتله -يعني عبيدًا- فهمَّ به، ففهم ذلك وخاف، فوشى به إلى رتبيل وخوفه من غائلة الحجاج، وهرب سرًا إلى عمارة فاستعجل في ابن الأشعث ألف ألف درهم.

فكتب بذلك عمارة إلى الحجاج فكتب: أن أعط عبيدًا ورتبيل ما طلبا.

فاشترط أمورًا فأعطيها، وأرسل إلى عبد الرحمن بن الأشعث وإلى ثلاثين من أهل بيته، وقد هيأ لهم القيود والأغلال، فقيدهم وبعث بهم إلى عمارة، وسار بهم، فلما قرب ابن الأشعث من العراق ألقى نفسه من قصر خراب أنزلوه فوقه فهلك.

فقيل: ألقى نفسه والحر معه الذي هو مقيد معه، والقيد في رجلي الاثنين فهلكا، وذلك في سنة أربع وثمانين(2).

تصل قصة عبدالرحمن بن الأشعث في هذه المرحلة إلى أكثر لحظاتها دلالة؛ فالقضية لم تعد قضية معركة بين جيشين، ولا مواجهة بين قائدين، بل أصبحت قضية فقدان القدرة على التحكم في المصير.

فالرجل الذي قاد جموعًا ضخمة، وواجه الحجاج في معارك كبرى، ووقف معه العلماء والقراء، انتهى به الأمر في موقع مختلف تمامًا؛ أسيرًا تتحكم في مصيره قرارات ملك خارجي، ورسائل قائد أموي، وتفاوض بين أطراف لا يملك أيًّا منها.

وهنا تظهر إحدى السنن المهمة في قراءة التاريخ؛ أن القائد قد يخسر المعركة، لكنه يبقى قادرًا على إدارة نهايته إذا بقيت أدوات القرار في يده، أما إذا فقد هذه الأدوات، فقد يصبح حتى موته محل روايات متعددة، لأن الآخرين أصبحوا هم من يملكون المشهد.

كيف أنقذ الاحتفاظ بالقرار المقاتلين الخمسمائة؟

قبل أن يصل عبدالرحمن بن الأشعث إلى مآله الحزين عند رتبيل، كان أمامه خيار آخر عرضه عليه الناصح الأمين علقمة بن عمرو؛ أن يبقوا مع المقاتلين الخمسمائة الذين صدقوا وثبتوا معه، فيدخلوا مدينة منيعة يتحصنون بأسوارها، ويقاتلوا بأسلوب يحفظ كرامتهم حتى يحصلوا على أمان نافذ أو يموتوا شهداء كرامًا.

وتكشف هذه الواقعة المفصلية عن حقيقة كبرى في صراع الإرادات؛ فالعدد القليل من المقاتلين لم يكن يعني بأي حال من الأحوال ضعف الموقف أو حتمية السقوط، فقد امتلك أولئك المقاتلون الخمسمائة عنصرًا أساسيًا لا يُقدر بثمن؛ أنهم ما زالوا أصحاب قرارهم، يملكون سلاحهم وإرادتهم الحرة.

لقد دخلوا في مواجهة مباشرة وصمدوا بثبات عجيب، حتى اضطر القائد الأموي عمارة بن تميم إلى النزول عند شروطهم وإعطائهم الأمان والوفاء به كاملاً؛ شأن ما أظهره الصحابي الجليل عاصم بن ثابت(3) رضي الله عنه وأصحابه يوم «الرجيع» حين رفضوا تسليم إرادتهم وسلاحهم للخصوم، فقاتلوا باستهانة بالموت حتى نالوا الكرامة والشهادة، ومثل صمود وثبات عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما وأصحابه حين حوصروا بمكة(4) فاستمسكوا باستقلال إرادتهم ورفضوا إعطاء الدنية حتى آخر رمق.

وهنا يبرز الفارق الصارخ بين حالتين:

  • حالة قائد يملك عددًا قليلاً من الرجال لكنه يملك إرادته وقراره الخالص.
  • وحالة قائد يملك اسمه وتاريخه العريض، لكنه يسلم رقبته ومصيره إلى طرف أجنبي يحدد وحده شروط بقائه أو هلاكه.

وهذا هو جوهر نصيحة علقمة بن عمرو العميقة؛ فلم يكن يدعو إلى مجرد القتال والانتحار العسكري، بل كان يدعو إلى الاحتفاظ الأبدي بالقدرة على التفاوض والتحكم في المصير.

لماذا تبدلت معاملة رتبيل بعد الهزيمة؟

اختار عبدالرحمن بن الأشعث اللجوء إلى رتبيل، ملك زابلستان، ظاناً في قرارة نفسه أنه يقتنص فرصة ذهبية لإعادة بناء القوة، أو للاحتماء الحصين من ملاحقة الحجاج الضارية.

لكن جوهر المعضلة لم يكن متمثلاً فقط في اختيار المكان أو النطاق الجغرافي، بل في التبدل الجذري لمركز القرار وتفلته؛ فحين عبر ابن الأشعث حدود أرض رتبيل عارياً من سلاحه وقوته الميدانية، كفّ عن أن يكون الطرف الأصيل الذي يملك شروط التفاوض، ليغدو ضيفاً طريداً محتاجاً تماماً إلى رعاية وحماية صاحب الأرض.

وهنا انقلبت طبيعة العلاقة رأساً على عقب؛ ففي أزمنة القوة والمنعة تظل التحالفات قائمة على توازن المصالح المتبادلة، أما في أزمنة الانكسار وضعف الأدوات، فإن الطرف الأقوى وصاحب الدار ينفرد وحده بتحديد قيمة التحالف وحدوده القصوى؛ شأن ما واجهه الحسين بن علي رضي الله عنهما حين اعتمد في حركته على نصرة أهل الكوفة وتحالفاتهم المتغيرة(5).

فلما دخل أرضهم وتكشفت موازين القوة تحت ضغط الترغيب والترهيب الأموي، تحول الملجأ المفترض إلى طرف يملي شروطه بصرامة ويسلم القائد لخصومه، ومثل تحذير أئمة التابعين كالإمام أبي حازم سلمة بن دينار للولاة والأمراء من الارتكان إلى التحالفات الخارجية الظالمة؛ لأن الملتجأ إليهم يسرعون بالغدر والتخلي مع أول اهتزاز للمصالح.

لقد سقط السؤال الإستراتيجي القديم: ماذا يريد ابن الأشعث؟ وحل محله السؤال المرّ: ماذا يريد رتبيل؟ وما الثمن السياسي أو المادي الذي سيجنيه نظير هذه الصفقة؟

وهكذا يدفع القائد ثمن جهله بقاعدة التاريخ الكبرى؛ أن من يسلم زمام أمره لغيره، يفقد حق الاعتراض على نهاية طريقه.

لماذا تجاهل عبد الرحمن بن الأشعث تحذيرات شقيقه؟

تتجسد في تفاصيل الرواية التاريخية شخصية عبيد بن أبي سبيع بوصفها عنصراً حاسماً وفارساً خفياً في الانهيار المأساوي لموقف عبدالرحمن بن الأشعث؛ فقد قرّبه ملك سجستان رتبيل، وبسط له مكانة ونفوذاً جعلاه يمتلك تأثيراً بالغاً داخل بلاطه، حتى انخرط في نقل الأسرار والمعلومات بين الأطراف المتصارعة.

وقد فطِن القاسم، أخو عبد الرحمن بن الأشعث، لخطورة هذا الوافد، فبادر إلى تحذير أخيه بحزم صارخ قائلاً له: «لا آمن غدر رتبيل، فاقتله»، غير أن آفة التردد والتباطؤ في لحظات الخطر الداهم كانت باهظة التكلفة؛ فقد تنبه عبيد بن أبي سبيع لما يحاك ضده، فسارع إلى حماية مصالحه ونجاة رقبته، فانسلّ حتى أتى عمارة بن تميم، وكشف له بدقة بالغة المسالك والطرق المؤدية إلى مكان اختباء ابن الأشعث؛ شأن ما أصله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين تعامل بحزم حاسم مع الوشاة والمتسللين إلى دائرته الخاصة ممن حاولوا إثارة الفتنة وتوهين الصف من الداخل، قاطعاً دابر التردد قبل أن يؤدي الخلل إلى انهيار المعسكر ومثل وصايا أئمة الهدي في ضرورة تطهير البطانة وتحصين حلقة القرار من كل خائن أو متربص.

وهنا يبرز درس قيادي وإستراتيجي بالغ الأهمية؛ أن في الأزمات الكبرى ومنعطفات الصراع الفاصلة، لا تكون المشكلة الكبرى دائماً في ضخامة قوة الخصم الخارجي، بل قد تكمن تماماً في هشاشة الدائرة الداخلية وضياع الوصل بين القيادة وحراسة الصف.

إن الاختراق الصغير المهمل داخل مركز القرار، أياً كان حجمه، قادر حتماً على قلب الطاولة وتغيير مسار مشروع كامل من الوجود إلى العدم.

تفاصيل صفقة الحجاج ورتبيل لتسليم الثوار

تكشف الرواية التاريخية بوضوح جلي عن حجم التحول المأساوي الذي وقع؛ فقد تحول عبد الرحمن بن الأشعث من قائد ثورة عارمة يخشاها العرش إلى مجرد بند في صفقة تجارية وسياسية عابرة أُبرمت بين الملك رتبيل، والحجاج بن يوسف، فقد اشترط رتبيل شروطًا لتسليمه، تضمنت إيقاف الحملات وترك الحمل 7 أعوام، وسط روايات تاريخية تؤكد تدفق الأموال العظيمة التي دُفعت رشى وعطايا لوسطاء الصفقة كعبيد بن أبي سبيع، ورتبيل نفسه.

وهنا تبرز حقيقة سياسية قاسية لا تقبل المجاملة؛ أنه حين يفقد القائد أدوات القوة والمنعة الذاتية، فإنه يتهاوى من رتبة صاحب المشروع والمبادرة إلى مجرد ورقة خاسرة في مشاريع الآخرين وأطماعهم؛ وعلى النقيض من هذا السقوط المذل، يتجلى الشاهد التاريخي المعاكس في موقف مصعب بن الزبير(6) رضي الله عنه حين خذله أهل العراق وتفرق عنه الجند والأنصار، وعُرض عليه الأمان وترك العراق مقابل الاستسلام، فأبى الدنية ورفض أن يكون ورقة مساومة أو أسير مِنّةٍ لأعدائه، فتقدم يحمل سيفه ليقاتل حتى استُشهد عزيزًا في ساحة المعركة، حافظًا لإرادته وقراره ومبدأه بيده حتى آخر قطرة دم، مبرهنًا أن القائد قد يُقتل ويموت، لكنه لا ينبغي أن يقبل بأن يكون بضاعة تُباع وتشتريها أيدي الخصوم.

وهذه هي النقطة الأكثر دموية وفصلًا في مسيرته؛ فقد انطلقت ثورة عبد الرحمن بن الأشعث العارمة وهي تملك قرارها المستقل بملء إرادتها، وانتهت ذليلة وهي تبحث عمن يمنحها الأمان أو يقرر مصير قائدها المهان.

أسباب تضارب الروايات في مقتل عبد الرحمن بن الأشعث

يُعدّ اختلاف روايات الوفاة من أكثر الجوانب إثارة ودهشة في هذه النهاية التراجيدية؛ فقد تضاربت الأنباء وتعددت السيناريوهات التاريخية بشكل لافت:

فقيل: إنه أصابه مرض السل العضال فمات حتف أنفه، فقُطعت رأسه لاحقاً وأُرسلت إلى الحجاج بن يوسف.

وقيل: إنه آثر حريته على الخنوع، فألقى بنفسه متردياً من فوق قصر خراب أثناء عملية ترحيله ونقله أسيراً.

وقيل: إنه ألقى بنفسه وهو موثق بالأغلال ومقيد مع الحارس الذي كان يحرسه، فهلكا معاً في مشهد بطولي أخير؛ شأن ما جرى في اضطراب الروايات التاريخية وتعدد أخبار الاستشهاد عند انقطاع السيطرة وتولّي الخصوم لنقل تفاصيل مصارع الأعلام والرجال، كمثل اختلاف الأخبار والروايات في تفاصيل استشهاد الصحابي الجليل مصعب بن عمير(7) رضي الله عنه يوم أحد لغياب الرقابة والمصادر المباشرة من أصحابه ساعة الميدان الحاكمة.

وهنا لا ينبغي لنا التعامل مع هذا الاضطراب الروائي باعتباره مجرد خلل عرضي في سند النقل فحسب، بل يمكن قراءته بعمق بوصفه نتيجة حتمية ومباشرة لحالة فقدان السيطرة وتلاشي السيادة.

فحين يكون القائد في موقع الفاعل وصانع القرار:

  • يعلن قراراته بملء إرادته ووضوحه.
  • يختار معاركه وزمانها ومكانها.
  • يحدد بصورة جلية صورته الحقيقية أمام الناس والتاريخ.

أما حين يسقط في فخ الأسر وتفلت الزمام:

  • تتعدد الأيدي والألسنة التي تنقل أخباره وفق أهوائها.
  • تختلف الزوايا والأغراض التي تصف نهايته لتجملها أو تشوهها.
  • تدخل غايات السياسة، والصراعات، والولاءات المتباينة في تشكيل الرواية وتزوير تفاصيلها.

ولهذا غدت نهاية عبدالرحمن بن الأشعث مساحة واسعة لتضارب الأخبار وضياع الحقيقة المجردة.

الدلالة النفسية لإلقاء القائد عبد الرحمن بن الأشعث نفسه مقيدًا

إذا صحت رواية إلقاء عبدالرحمن بن الأشعث بنفسه من أعلى القصر، فإنها تحمل طيات دلالة نفسية وتاريخية عميقة الغوص، فالرجل الذي فقد تدرجاً كل أدوات التحكم في:

  • مكانه الجغرافي وحريته.
  • طريقه ومسيرته الهروبية.
  • مصيره السياسي والميداني.

ربما حاول في ومضة أخيرة يائسة أن يستعيد أطهر وأعز مساحة بقيت له وحده؛ اختيار لحظة النهاية وشكل المفارقة.

لكن هذه القراءة تظل محاطة بسياج الاحتمال التاريخي؛ لأن تضارب الروايات وتعددها يمنعان الجزم ببرهان قاطع على دفع داخلي لم ينص عليه الخبر بدقة، ومع ذلك، فإن مجرد شيوع وانتشار هذه الرواية الرمزية يكشف بوضوح عن الصورة الباقية في وجدان الذاكرة عن عبد الرحمن بن الأشعث؛ صورة القائد المأزوم الذي يرفض أن تكون نهايته مجرد خنوع أو تسليم كامل مبرم لإرادة خصمه اللدود؛ شأن ما أثره التاريخ من موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها لابنها عبدالله بن الزبير حين ثبّتته على الموت بشرف ورفضت له قبول الدنية، ومثل استبسال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم «مؤتة»(8) في رفض الأسر وحفظ الشرف الأخير حتى الشهادة.

خطورة التخلي عن القرار بساحات الأزمات

تكشف نهاية عبدالرحمن بن الأشعث عن معنى عميق يتجاوز تفاصيل الثورة العسكرية وأحداثها الدراماتيكية:

  • فالقائد لا يخسر معركته الأولى حين تفنى جيوشه أو يتفرق عنه الأنصار.
  • بل يخسر حقيقةً حين يفقد القدرة على اتخاذ القرار ويستسلم زمام أمره لغيره.

فالمقاتلون الخمسمائة الأشاوس الذين بقوا مع علقمة بن عمرو امتلكوا ناصية قرارهم المستقل، فصمدوا وتحصنوا حتى نالوا الأمان والوفاء التام من عمارة بن تميم، شأن الثبات العظيم الذي أبداه أمير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إنفاذ جيش أسامة(9) ومواجهة حروب الردة حين أصر على استقلال قرار الدولة ولم يخسره تحت وطأة الضغوط والمراجعات.

أما ابن الأشعث، ورغم جلالة مكانته وعراقة اسمه وتاريخه العريض، فقد تحول تدريجياً ليصبح عنصراً سلبياً ينتظر قرارات رتبيل، والحجاج، وعمارة.

وهنا تكمن المأساة الكبرى للتجربة بأسرها؛ فلم يكن سقوط ابن الأشعث واقعاً في خاتمته التراجيدية فحسب، بل بدأ حين تنازل عن سيادته وانتقل من موقع الفاعل الصانع للأحداث إلى موقع المفعول به الذي تُصنع به وتُدار عليه الأحداث.

إن التاريخ لا يرحم القادة الذين يفرطون في استقلال إرادتهم؛ فالقرار هو الدرع الأخير للقائد، وحين يسقط هذا الدرع، تسقط معه كل عروش الهيبة والبطولة مهما بلغت.

عواقب فقدان أدوات السيطرة والقرار

كانت نهاية عبدالرحمن بن الأشعث خاتمة درامية ثقيلة لمسيرة عريضة بدأت بطموح الجماهير وقوة الميدان، وانتهت بتآكل تدريجي وفقدان كامل للسيطرة، فقد خرج متبوعاً قائداً لجيش عرمرم يرهب العرش، وعاد مطلوباً مطارداً تتفاوض الأطراف على تسليمه، وبدأ بامتلاك ناصية قراره المستقل، لينتهي به المطاف محبوساً في ردهات قرارات الخصوم والوسطاء.

ولهذا لم تكن كثرة الروايات المتضاربة حول كيفية وفاته مجرد حدث عابر في كتب التاريخ، بل كانت انعكاساً دقيقاً لتحول أعمق وأقسى؛ فحين يفقد الإنسان القدرة العضوية على صناعة الحدث وتوجيه مساره، تبدأ الروايات الخارجية والسياسية في صناعة صورته وتشويه حقيقته كيفما شاءت.

ويبقى الدرس التاريخي الأبرز والأكثر مرارة مستنداً إلى هدي الوحي الإلهي في الثبات واستقلال الإرادة، مصداقاً لقوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146)؛ فاحفظ قوتك الذاتية واستقلال إرادتك، لأن القائد الذي يتنازل عن أدوات قراره لا يخسر معركته الميدانية فحسب، بل يفقد حتى أطهر ما يملكه؛ القدرة على كتابة خاتمته وشرف نهايته بيده.

الهوامش
  • 1 عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، من التابعين وأشراف قريش والعرب وقادتهم، اشتهر بالشجاعة والقيادة العسكرية وتولي الحروب، وكان من أمراء الدولة الأموية حتى خروجه وثورته الشهيرة ضد الحجاج بن يوسف الثقفي في وقعة «دير الجماجم»، سكن الكوفة وسجستان، وتوفي بكابل سنة 85هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 184).
  • 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 111).
  • 4 البداية والنهاية (11/ 633).
  • 5 المرجع السابق (11/ 482).
  • 6 سير أعلام النبلاء (4/ 141).
  • 7 السيرة النبوية لابن هشام (2/ 74).
  • 8 أخرجه أبو داود (3132)، والترمذي (998)، والطبراني (2/ 108) (1472)، والدارقطني في «سننه» (185) جميعاً باختلاف يسير.
  • 9 أخرجه البخاري (3730)، ومسلم (2426).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة