فقه الاختيار في زمن الفتن

عروة بن الزبير.. كيف اختار بناء الأمة بدل صراع السلطة؟

عروة بن الزبير في مجلس الخليفة الاموي معاوية رضي الله عنه ويتكلم بعزة وكرامة والخليفة يستمع باهتمام واحترام في موقف يرمز إلى اختياره العلم وبناء الأمة بدل صراع السلطة.

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عروة بن الزبير(1).

الزُّبَيْرُ فِي «النَّسَبِ»: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهُدَيْرِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: الْعِلْمُ لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ: لِذِي حَسَبٍ يُزَيِّنُهُ بِهِ، أَوْ ذِي دِينٍ يَسُوسُ بِهِ دِينَهُ، أَوْ مُخْتَبِطٍ سُلْطَانًا يُتْحِفُهُ بِعِلْمِهِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَشْرَطَ لِهَذِهِ الْخِلَالِ مِنْ عُرْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ عُرْوَةُ قَصْرَهُ بِالْعَقِيقِ قَالَ لَهُ النَّاسُ: جَفَوْتَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ! قَالَ: رَأَيْتُ مَسَاجِدَهُمْ لَاهِيَةً، وَأَسْوَاقَهُمْ لَاغِيَةً، وَالْفَاحِشَةَ فِي فِجَاجِهِمْ عَالِيَةً ; فَكَانَ فِيمَا هُنَالِكَ -عَمَّا هُمْ فِيهِ- عَافِيَةٌ.

وَلِعُرْوَةَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ: بَنَيْنَاهُ فَأَحْسَنَّا بِنَاهُ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ الْعَقِيقِ تَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ شَزْرًا يَلُوحُ لَهُمْ عَلَى وَضَحِ الطَّرِيقِ فَسَاءَ الْكَاشِحِينَ وَكَانَ غَيْظًا لِأَعْدَائِي وَسُرَّ بِهِ صَدِيقِي يَرَاهُ كُلُّ مُخْتَلِفٍ وَسَارٍ وَمُعْتَمِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.

وَقِيلَ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ وَبِئَارِهِ دَعَا جَمَاعَةً، فَطَعِمَ النَّاسُ، وَجَعَلُوا يُبَرِّكُونَ وَيَنْصَرِفُونَ.

مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ، فَكَشَفَنِي وَسَأَلَنِي، وَاسْتَنْشَدَنِي، ثُمَّ قَالَ لِي: أَتَرْوِي قَوْلَ جَدَّتِكَ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ: خَالَجْتُ آبَادَ الدُّهُورِ عَلَيْهِمُ وَأَسْمَاءُ لَمْ تَشْعُرْ بِذَلِكَ أَيِّمُ فَلَوْ كَانَ زَبْرٌ مُشْرِكًا لَعَذَرْتُهُ وَلَكِنَّهُ -قَدْ يَزْعُمُ النَّاسُ- مُسْلِمُ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَرْوِي قَوْلَهَا:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمِّي رَسُولًا       فَفِيمَ الْكَيْدُ فِينَا وَالْإِمَارُ

وَسَائِلْ فِي جُمُوعِ بَنِي عَلِيٍّ      إِذَا كَثُرَ التَّنَاشُدُ وَالْفَخَارُ

بَأَنَّا لَا نُقِرُّ الضَّيْمَ فِينَا          وَنَحْنُ لِمَنْ تَوَسَّمْنَا نُضَارُ

مَتَى نَقْرَعْ بِمَرْوَتِكُمْ نَسُؤْكُمْ      وَتَظْعَنْ مِنْ أَمَاثِلِكُمْ دِيَارُ

وَيَظْعَنْ أَهْلُ مَكَةَ وَهْيَ سَكْنٌ    هُمُ الْأَخْيَارُ إِنْ ذُكِرَ الْخِيَارُ

مَجَازِيلُ الْعَطَاءِ إِذَا وَهَبْنَا       وَأَيْسَارٌ إِذَا حُبَّ الْقَتَارُ

وَنَحْنُ الْغَافِرُونَ إِذَا قَدَرْنَا       وَفِينَا عِنْدَ عَدْوَتِنَا انْتِصَارُ

وَأَنَّا وَالسَّوَابِحُ يَوْمَ جَمْعٍ       بِأَيْدِيهَا وَقَدْ سَطَعَ الْغُبَارُ

قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ فِي قَتْلِ أَبِي أُزَيْهِرَ، تُعَيِّرُ بِهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَكَانَ صِهْرَهُ، قَتَلَهُ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ وَذِكَرَ الْقِصَّةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: حَسْبُكَ يَا ابْنَ أَخِي، هَذِهِ بِتِلْكَ(2).

تستعرض السير التاريخية نماذج فريدة لرجال استطاعوا أن يجسدوا قيم الإسلام في تفاصيل حياتهم اليومية، فكانوا منارات تهتدي بها الأجيال المتعاقبة، ومن بين هذه الشخصيات الفذة يبرز اسم الإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام، أحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، والذي مثل بتفاصيل سيرته نموذجاً شامخاً للإنسان الذي اختار بناء الأمة وحفظ علومها ودينها حين اختار غيره صراع السلطة والسياسة.

في أوج العصر الذي كانت تحسم فيه الخلافات السياسية بسيل الدماء وشغف الحكم، وبينما كان بيت الزبير يخوض غمار أشرس المعارك؛ حيث سقط أبوه الزبير بن العوام وأخواه عبدالله ومصعب في آتون الحرب والنزاع السياسي، وقف عروة بن الزبير خارج هذه المعادلة تماماً، لقد أدرك بوعي مبكر أن الدول تغيب والأمراء يرحلون والسيوف لا تبني أمماً، وأن الثغر الأشد خطورة وحرصاً على المستقبل هو حفظ الدين وبناء الإنسان وتشييد الوعي.

يروي الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء خبرًا عن الزبير في النسب: حدثنا يحيى بن عبد الملك الهديري، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبدالله المخزومي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: «العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب يزينه به، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختبط سلطاناً يتحفه بعلمه، ولا أعلم أحداً أشرط لهذه الخلال من عروة، وعمر بن عبد العزيز».

فتكشف هذه الأخبار عن جانب بالغ الأهمية في شخصية عروة بن الزبير؛ جانب الإنسان الذي عاش في زمن كثرت فيه التحولات السياسية، وتشابكت فيه قضايا الحكم والقبيلة والفتنة، لكنه لم يسمح لهذه العواصف أن تسلبه ميزانه الداخلي، فقد كان ابن بيت له حضور سياسي كبير؛ فأبوه الزبير بن العوام رضي الله عنه، وأخواه عبدالله ومصعب دخلا ميادين الصراع السياسي والعسكري، لكنه اختار طريقًا آخر: طريق العلم، والثبات، وحفظ الكرامة، وصيانة الدين.

عزة العالم ونسبه في مجلس السلطان

كان موقف معاوية بن أبي سفيان مع عروة بن الزبير اختبارًا حقيقيًا لشخصيته وفقهه؛ فقد استدعاه وسأله واستنشده في مجلسه، وكان السؤال متصلًا بتاريخ قبلي وشعري يحمل إشارات إلى مواقف قديمة بين البيوتات القرشية، كان بإمكان عروة أن يتعامل مع الموقف بمنطق الحذر الزائد أو المداهنة، فيتجنب ذكر ما قد يفتح بابًا للعتاب، لكنه لم يسلك طريق الانكماش أو الاعتذار، بل أجاب بثقة، وأنشد أبيات جدته صفية بنت عبد المطلب التي تحمل معاني العزة والأنفة والعفو عند القدرة.

تتضح هنا سمة رئيسية في شخصية العالم الرباني: أن العلم لا يورث صاحبه ضعفاً أو هواناً، بل يمنحه قدرة على الوقوف في موضعه بعزة دون تجاوز أو سفاهة، فهو لم يدخل على معاوية بوصفه خصمًا سياسيًا يبحث عن الصراع، ولم يقف أمامه بوصفه تابعًا يطلب الرضا، بل وقف موقف صاحب نسب وعلم يعرف قدر نفسه وقدر من أمامه، ومن أبرز معاني الأبيات التي ساقها أن الفضل والعزة يتجليان في امتلاك النفس والسمو بها: «ونحن الغافرون إذا قدرنا.. وفينا عند عدوتنا انتصار»، ولهذا جاء رد معاوية: «حسبك يا ابن أخي، هذه بتلك»، بعد أن أدرك أن عروة لم يأت بمنطق الخصومة السياسية، وإنما جاء بمنطق الحجة والبيان وعزة العلم.

ويتصل هذا الموقف بسلسلة من مواقف العلماء وأكابر الصحابة والتابعين الذين وقفوا أمام السلاطين بعزة الإيمان ورسوخ العلم؛ كحال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي ثبت على موقفه الحق أمام معاوية بن أبي سفيان برفض الخوض في الخصومات السياسية، وكحال التابعي الجليل سالم بن عبدالله بن عمر حين لقيه الخليفة هشام بن عبد الملك داخل الكعبة المشرفة، فقال له هشام: سلني حاجة، فأجابه سالم بعزة المؤمن الراسخ: «إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله»، ولما خرجا من البيت أعاد عليه هشام: سلني حاجة من حوائج الدنيا، فرد عليه سالم بثبات: «ما سألت الدنيا ممن يملكها، فكيف أسألها ممن لا يملكها؟!»(3).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»(4)، فالفقه الحقيقي ليس مجرد استحضار للفروع والأحكام، بل هو النور الذي يورث الفهم والعزة والتحرر من الرغبة فيما عند المخلوقين.

سر اعتزال عروة بن الزبير  للسياسة وبناء العقيق

تظهر خصوصية عروة أكثر عند النظر إلى اختلاف مساره عن مسار أخيه مصعب بن الزبير، فقد دخل مصعب ميدان السياسة والقيادة العسكرية، وتولى إمارة العراق في سياق الصراع بين أخيه عبدالله بن الزبير والدولة الأموية، وانتهى به المطاف إلى القتل في ذلك الصراع، أما عروة فلم يختر هذا الطريق، بل اتجه إلى بناء آخر: بناء العلم والتربية والفقه.

لم يكن انتقاله إلى قصر العقيق هروبًا من المسؤولية أو نكوصاً عن الواجب، بل كان اختيارًا واعياً لنوع مختلف من المسؤولية أشد أثراً وأبقى نفعاً، فقد رأى اضطراباً واختلالاً في البيئة المحيطة، فقال لمن عاتبه على مفارقة السكن المباشر قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة في فجاجهم عالية؛ فكان فيما هنالك -عما هم فيه- عافية»، فهو لم يكن يرفض المسجد النبوي الشريف ولا قيم المدينة، وإنما كان يقرأ الواقع بميزان إصلاح النفس وحماية الدين من آثار الفتن والتجاذبات.

وهذا المعنى يمثل الركن الركين في فقه التعامل مع الأزمنة المضطربة؛ فليس كل إصلاح يكون بالدخول المباشر في الصراعات السياسية، بل قد يكون الإصلاح بحفظ العلم الراسخ، وتكوين القدوات، وبناء جيل يحمل الرسالة الشريفة بعد انقضاء العاصفة، ويتناغم هذا المسلك مع موقف محمد ابن الحنفية من فتنة المختار بن أبي عبيد والصراع على السلطة، حيث اختار اعتزال الفتنة وحقن دماء المسلمين قائلاً: «إنّ أحبّ الأمر إليّ ما أطيع الله فيه فأطعه ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال وجدت الناس إليّ فيه سراعا، وعليه أعوانا، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين»(5)، ومع موقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين اعتزل الفتن ولزم أرضه وقصره بالعقيق حماية لدينه، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»(6)، فالاعتزال عند التباس الأمور مع التفرغ لطاعة الله ونفع الأمة من أسباب نيل محبة الله وعصمة الدين.

اختلاف الاجتهاد بين عبدالله ومصعب وعروة بن الزبير 

تقدم أسرة الزبير بن العوام رضي الله عنه نموذجًا غنيًا لفهم تنوع أدوار الرجال وتكامل تخصصاتهم في أوقات الفتن، فقد اختار عبدالله بن الزبير طريق القيادة السياسية، واختار مصعب طريق الإمارة والمواجهة العسكرية، بينما اختار عروة طريق الفقه والرواية والتعليم، ولم يكن طريق عروة أقل أثرًا أو أدنى مرتبة؛ فالسياسة والدول قد تنتهي بانتهاء معاركها، أما العلم والفقه فيمتد أثرهما عبر القرون والأجيال، لقد بقي مصعب مثالًا في الشجاعة والقيادة، وبقي عروة مثالًا في الفقه والرواية وصيانة الدين.

وهذا التنوع المعرفي والعملي يجسد سعة الدين الإسلامي وتكامل العطاء في الأمة؛ حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه بحسب قدراتهم ومواهبهم، فبينما كان المجاهدون يخرجون للقتال والمواجهة، كان يولي عبدالله ابن أم مكتوم(7) على المدينة المنورة لإمامة الناس ورعاية المجتمع من الداخل، وفي الوقت الذي كان فيه رجال القتال يحملون السلاح، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستثمر طاقات أصحابه في جبهات أخرى لا تقل أهمية؛ كما كان الحال مع حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي سُخر لسانه وقلمه للمنافحة عن الرسالة، والدفاع عن حياض الإسلام بالبيان والشعر.

ويتجلى هذا المعنى الشريف في قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11)، فالرفعة الإيمانية تتسع لكل من خدم أمته من ثغره وموقعه، سواء كان بالسيف والقيادة أو بالقلم والفقه والتعليم.

فقه الاعتزال الذكي عند عروة بن الزبير

قد يظن بعض الناس أن من يبتعد عن الصراعات السياسية يفقد هيبته أو ينكمش دوره، لكن عروة بن الزبير يقدم نموذجاً يصحح هذا الوهم، فهو لم يبتعد عن الصراع بدافع الضعف أو الخوف، والدليل الساطع ثبات موقفه وعزة لسانه أمام معاوية بن أبي سفيان، بل ابتعد لأنه رأى بعين الفقيه أن بقاءه في ميدان العلم والفقه أنفع للأمة وأحفظ للرسالة، فالعزة ليست دائمًا في رفع الصوت في المحافل أو دخول الحروب السجال، بل تكون في القدرة على اختيار المعركة الصحيحة التي يبنى عليها الدين وتصان بها الدماء.

إن إدارة الفتن تتطلب فهماً ثاقباً لميزان المصالح والمفاسد؛ فالمرء لا يقاس فقط بما يقدم عليه، بل يقاس أيضاً بما يتنزه عنه ويتركه حماية لدينه وأمته، ويتجلى هذا الفقه في موقف الإمام الأحنف بن قيس رحمه الله حين أراد المختار الثقفي جره إلى آتون الصراع برسائل التهديد، فرد الأحنف بعزة وتجاهل لمكايده محتاطاً لدينه ومبتعداً عن التورط في الدماء، متدبراً قوله الخالد: «تَرْكُ الأمورِ التي أخشى عواقِبَها.. في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّين»(8).

ويستند هذا المسلك الحكيم إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 3)، فالابتعاد عن مواطن الفتنة واللغو والاضطراب السياسي ليس هروباً، بل هو عين الحكمة والتقوى إذا كان المقصد منه حفظ الأصول الشرعية وصيانة الدين والقيام بما هو أنفع للمجموع.

كيف تحول قصر العقيق إلى مركز عطاء؟

قد يقرأ البعض بناء عروة لقصره في العقيق على أنه انقطاع تام عن الناس أو عزلة سلبيّة، لكن الروايات التاريخية الموثوقة تقدم صورة مختلفة كلياً؛ فقد حفر عروة بئراً، ودعا الناس، وأطعم الطعام، وجعل المكان منارة عطاء ونفع للسابلة والفقراء وطلاب العلم، فهو لم يغلق بابه، بل نقل مركز نشاطه إلى بيئة نقية تسودها العافية بعيداً عن صخب الفتن، مع استمرار العطاء المتعدي وإغداق الإحسان.

وهذا يوضح أن العزلة المحمودة ليست قطعاً للصلة بالمجتمع، وإنما هي إعادة تنظيم للمسار؛ بأن يبتعد الإنسان عن مصادر التشويش واللغو، مع إبقاء نفع يده وعلمه ممتداً في الناس، ويشبه هذا التوجيه ما أقره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استأذنه الناس في بناء المنازل والآبار في الأماكن النائية بين مكة والمدينة فَأَذِنَ لهم، وقال: ابْنُ السَّبِيلِ أحَقُّ بالماءِ والظِّلِّ(9)، ليتحول البناء والاعتزال المكانيّ إلى مركز خدمة وعطاء مجتمعي.

ويتطابق هذا البناء النفعي مع قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالخشية الراسخة لدى العلماء هي التي توجه أعمالهم وبناءهم نحو مرضاة الله، وتدفعهم لجعل العزلة فرصة للإحسان ونفع الخلق واستزادة الخير.

تقدم سيرة عروة بن الزبير رؤية متكاملة للتعامل مع الفتن والتحولات الكبرى؛ فبينما خاض أبطال ميدان القتال والسياسة معاركهم، اختار عروة أن يحفظ للأمة أصلها العلمي والفقهي والتربوي، لم يبع عزته عند أبواب أصحاب السلطان، ولم يجعل النسب القرشي الشريف بعثاً للخصومة، ولم يسمح لغبار الفتنة أن يسرق منه دوره التاريخي الحقيقي، لقد وقف أمام معاوية بن أبي سفيان بلسان العالم المعتز بدينه ونسبه، وانتقل إلى العقيق بعقل الفقيه الذي يعرف قدر البيئة النظيفة وأثرها في صيانة الفكر، وترك للأمة تراثاً فقهياً وعلمياً بقيت أنواره مشعة بعد أن انقضت كل الصراعات والرايات السياسية؛ فكانت عظمته الراسخة في أنه عرف متى يتكلم، ومتى يبتعد، ومتى يبني.

الهوامش
  • 1 عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، ولد سنة 23 هـ، وهو تابعي جليل وأحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، أخذ العلم عن كبار الصحابة ومن أبرز شيوخه خالته أم المؤمنين عائشة، وأبوه الزبير، وأبو هريرة، وابن عباس، واشتهر بالفقه والحديث وتدوين المغازي والعبادة والصبر، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 423).
  • 3 صفة الصفوة (1/ 352).
  • 4 اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/ 218/ 615).
  • 5 أنساب الأشراف (6/ 421).
  • 6 منهاج السنة النبوية (2/ 65)، وابن تيمية فِي الْمُسْنَدِ، ط. الْمَعَارِفِ (3/ 26/ 1441).
  • 7 القسم الثالث من المعجم الأوسط للطبراني (2/ 1107/ 887)، وقال الطبراني: يُنظر «معجم الصحابة» لابن قانع (2/ 204)، «معرفة الصحابة» (3/ 1659)، (4/ 1998)، «الاستيعاب» (3/ 1198) (997)، «أسد الغابة» (4/ 251)، «تهذيب الكمال» (22/ 26).
  • 8 تاريخ الإسلام (3/ 490).
  • 9 جمع الجوامع المعروف (15/ 629) (2/ 1804).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة