قبل أن تتكلم.. محاسبة النفس في موقف أبي العلاء بن الشخير
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة أبي العلاء بن الشخير(1)، أن الحسن البصري
كان في مجلس، فقيل لأبي العلاء: «تكلم»، فقال: «أَوَهناك أنا؟»، ثم ذكر الكلام
ومؤنته.
وعقّب الذهبي
بقوله: «ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه
الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه؛ فإنها تحب الظهور والثناء».
قد تبدو هذه
الحكاية قصيرة إلى حد لا يسمح ببناء معنى كبير عليها؛ رجل في مجلس، يُطلب منه أن
يتكلم، فيستعظم أن يتقدم للكلام، ثم يذكّر بمؤنته، غير أن الإمام الذهبي التقط من
هذه اللحظة الصغيرة بابًا واسعًا من أبواب تربية العالم والداعية والإنسان على
مراقبة نفسه حين يكون قادرًا على التأثير في الآخرين.
تواضعُ أبي العلاء بن الشِّخِّير عند طلب الكلام
في بعض المجالس
لا يكون أصعب شيء أن يجد الإنسان ما يقوله، بل أن يعرف: هل ينبغي له أن يقوله
أصلًا؟
هنا تكمن قوة
العبارة القصيرة: «أوهناك أنا»، فهي لا تنفي امتلاك أبي العلاء بن الشخير للعلم،
ولا تعني أن العالم ينبغي أن يمتنع عن البيان كلما حضر غيره، وإنما تصور لحظة
محاسبة داخلية سبقت الكلام، لقد طُلب منه أن يتصدر، فكان أول ما تحرك فيه ليس
الرغبة في إثبات الذات، بل السؤال عن موقعها وحدودها.
وهذا فرق بالغ
بين التواضع الحقيقي وبين تواضع العبارات، فقد يقول الإنسان بلسانه: «لست أهلًا»،
وهو ينتظر ممن حوله أن يؤكدوا له أنه أهل، وقد يصمت وهو يتمنى أن يسأله الناس مرة
أخرى، ولهذا لم يقف الذهبي عند ظاهر امتناع أبي العلاء، بل انتقل مباشرة إلى القلب
فقال: «ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد».
المسألة إذن
ليست في الكلام وحده، وإنما في المحرك الخفي الذي يدفع إليه.
وقد جعل القرآن
صلاح العمل مرتبطًا بصلاح القصد، فقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)، كما أن أصل الأعمال مربوط بالنيات في قول
النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(2).
وحين يدخل هذا
الأصل إلى ميدان التعليم والدعوة والإعلام، يصبح السؤال قبل الكلمة ضروريًا: هل
أتكلم لأن البيان يحتاج إليّ، أم لأن نفسي تحتاج إلى أن تُرى؟
كيف تجعل مراقبة تبعات الحديث الكلمة أمانة؟
وصف الرواية
موقف أبي العلاء بن الشخير بأنه ذكر «الكلام ومؤنته»، وفي بعض النقول: «ومؤنته
وتبعته»، وهذه العبارة تنقلنا من النظر إلى الكلام بوصفه قدرة إلى النظر إليه
بوصفه مسؤولية.
فالكلمة لا
تنتهي حين تخرج من الفم، قد تصنع فهمًا، أو تثبت وهمًا، أو تصلح علاقة، أو تشعل
خصومة، أو تنشر علمًا يبقى بعد صاحبه، أو تفتح بابًا من الباطل يصعب إغلاقه، ومن
هنا جاء التأديب القرآني الحاسم: (مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18).
وجاء في
الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»(3).
فالحديث لا يجعل
الصمت غاية في ذاته، كما لا يجعل كثرة الكلام فضيلة، الميزان هو الخير، متى كان في
الكلمة حق ونفع وإصلاح صار إخراجها مطلوبًا بحسب مقامها، ومتى غلب عليها العبث أو
الضرر كان الإمساك عنها سلامة.
وهذا يفسر دقة
تعقيب الذهبي: لم يقل للعالم «اصمت»، وإنما قال: «يتكلم بنية وحسن قصد»، فالعلم
الذي يحتاجه الناس لا يجوز أن يتحول الورع فيه إلى هروب دائم من البيان، كما أن
القدرة على البيان لا تمنح صاحبها رخصة في أن يتصدر لكل قضية.
كيف تتسلل رغبة الثناء إلى نفوس المتصدرين؟
ثم تأتي الجملة
الأشد نفاذًا في تعليق الذهبي: «ولا يفتر عن محاسبة نفسه؛ فإنها تحب الظهور
والثناء».
لم يقل إن كل
ظهور مذموم، فالعالم والمعلم والخطيب قد يحتاج إلى الظهور لأداء واجبه، وإنما كشف
موضع الخطر: أن تتحول الوسيلة من خدمة الحق إلى تغذية النفس.
والنفس لا تدخل
هذا الباب دائمًا بصوت واضح، قلما يقول الإنسان لنفسه: أريد أن أتكلم حتى يمدحني
الناس، لكنها قد تدخل في صورة ألطف: لماذا لم يسألوني؟ لماذا تقدم فلان قبلي؟
لماذا لم ينتشر كلامي؟ لماذا لم يُذكر اسمي؟ ثم يصبح قياس نجاح الفكرة بعدد من
أثنوا على صاحبها، لا بما أحدثته من حق أو إصلاح.
وهنا تتجلى قيمة
المحاسبة؛ لأنها لا تحارب العمل، بل تنقي دوافعه.
وهذا المعنى لم
يكن عند السلف مجرد وصية، بل ممارسة دقيقة في محاسبة النفس وإخفاء ما قد يجلب لها
الثناء؛ فقد كان أيوب السختياني شديد الحذر من حب الظهور، حتى إنه لما غلبته
العبرة في مجلس، جعل يمتخط ويقول: «ما أشد الزكام!»(4)؛ يخفي بكاءه عن
الناس، خشية أن يكون موضعًا لمدحهم وثنائهم.
مخالفة النفس بالصمت والكلام لعلاج العجب بالذات
يقول الذهبي:
«فإن أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق»؛ هذه ليست دعوة إلى قلب الأحكام
بصورة آلية؛ فليس كل من استحسن كلامه مأمورًا بالصمت، ولا كل ساكت مطالبًا بالكلام،
وإنما هي تربية للنفس بالمخالفة حين تتحول الطاعة أو الفضيلة إلى موطن إعجاب
بالذات.
فإذا وجد العالم
من نفسه تلذذًا بالتقدم إلى المجالس، وفرحًا بأن تصمت الأصوات لكي يتكلم،
واستثقالًا لأن يُقدَّم عليه غيره، فقد يكون الإمساك قليلًا دواءً يعيد إلى القلب
توازنه.
وفي الاتجاه
المقابل، قد يجد الإنسان لذة في صورة أخرى من صور الذات؛ أن يشتهر بأنه الرجل
الصامت الزاهد في الكلام، وأن يرى نفسه أرفع من الذين يتحدثون، عندئذ قد يصبح
الصمت نفسه بابًا إلى العجب، فيحتاج إلى أن يتكلم عندما يتعين البيان حتى يكسر
تعلق النفس بصورتها الجديدة.
بهذا الفهم لا
تكون الفضيلة في «الصمت» ولا في «الكلام» مجردين، وإنما في عبودية الله في الحالين؛
وهذا المعنى نفسه نجده عند التابعي الحكيم عبيد الله بن أبي جعفر، في مجاهدة النفس
ومخالفتها إذا أعجبت بعملها؛ إذ قال: «إذا كان المرء يحدث في مجلس، فأعجبه الحديث،
فليمسك، وإذا كان ساكتًا، فأعجبه السكوت، فليتحدث»(5)؛ حتى لا يصبح
الكلام ولا الصمت بابًا لإعجاب النفس بذاتها.
وهذه منزلة
دقيقة؛ لأن النفس تستطيع أن تتغذى من الشيء وضده، قد تتغذى من الشهرة، وقد تتغذى
من شهرة الزهد في الشهرة.
لماذا يقلل التعليق على القضايا من قيمة كلامك؟
تضاعفت في
زماننا مساحات الكلام، ولم تتضاعف بالضرورة مساحات العلم بالقدر نفسه؛ فأصبح
الإنسان يتلقى في يوم واحد عشرات الوقائع التي يُطلب منه ضمنيًا أن يعلن موقفه
منها؛ خبر سياسي، حادث اجتماعي، قضية شرعية، نزاع أسري، اكتشاف علمي، جدل ثقافي، وتغذي
سرعة المنصات شعورًا بأن التأخر في الكلام نقص، وأن السكوت غياب.
لكن موقف أبي
العلاء بن الشخير يعيد ترتيب المسألة: ليس السؤال دائمًا «ما رأيك؟»، بل قد يسبقه
سؤال أكثر أهمية: «لماذا ينبغي أن يكون لي كلام منشور هنا أصلًا؟».
فالقول بغير علم
مذموم، وقد قال تعالى: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).
ولا يعني ذلك
الانسحاب من الشأن العام، بل يعني التمييز بين المشاركة المفيدة وبين المشاركة
التي غايتها ألا يغيب اسم صاحبها عن النقاش.
وفي البيئات
المهنية أيضًا، قد يزداد أثر القائد حين لا يعلق على كل تفصيل، بل يختار اللحظات
التي تحتاج إلى كلمته فعلًا، فالاقتصاد في الكلام حين يكون مقصودًا يمنح الكلمة
وزنًا، بينما قد تجعل كثرة التعليق الرأي المهم مساويًا في ذهن السامعين لكل رأي
عابر قبله.
هل يُعد طلب الجمهور رخصة كافية للتصدر والكلام؟
في الرواية
تفصيل اجتماعي جدير بالتأمل: أبو العلاء لم يبتدئ الكلام، بل قيل له: «تكلم»؛ أي
أن الدافع الظاهر جاء من المجلس، لا من نفسه.
وهذا يزيد
الموقف دقة؛ لأن الإنسان يستطيع أن يبرر رغبته في الظهور بسهولة حين يطلب منه
الآخرون الكلام: «أنا لم أتقدم من نفسي؛ هم الذين طلبوا»، لكن تزكية النفس لا تقف
عند شكل الدعوة؛ فالطلب الخارجي قد يوقظ ميلًا داخليًا إلى الثناء.
ولهذا يبقى فحص
النية لازمًا حتى عندما يأتي المنبر إلى الإنسان ولا يذهب هو إليه، وهذا الميزان
في التعامل مع مواقع الظهور والصدارة يظهر بوضوح في توجيه النبي صلى الله عليه
وسلم لأبي ذر رضي الله عنه حين سأله الإمارة؛ فلم يجعل المنصب مكسبًا يُطلب، بل
أمانةً تُوزن بقدرة صاحبها على أداء حقها، فقال له: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها
أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»(6)؛
فليست كل مساحة متاحة للإنسان جديرة بأن يتقدم إليها، وإنما العبرة بقدرته على حمل
مسؤوليتها وأداء حقها.
كيف يبني القدوة معنى التواضع قبل النطق به؟
من أجمل ما في
هذا الموقف أن أبا العلاء أعطى درسًا في الكلام قبل أن يلقي كلامه؛ فكان بإمكان
أبي العلاء بن الشخير أن يبدأ موعظة طويلة عن التواضع وخطر الرياء، لكنه واجه
الموقف أولًا بسلوك عملي: تردد في التقدم، واستعظم مقام الكلام، ثم تحدث عن مؤنته.
وهذه إحدى أقوى
وسائل التربية؛ إذ يرى المتعلم الفكرة قبل أن يسمع شرحها؛ فالطفل الذي يرى أباه
يعتذر حين يخطئ يتعلم التواضع بطريقة لا توفرها عشر محاضرات عن الاعتذار، وطالب
العلم الذي يرى أستاذه يقول «لا أدري» حين لا يعلم يتلقى درسًا في الأمانة العلمية
يتجاوز المعلومة نفسها، وموظف المؤسسة الذي يرى قائده يحيل الفضل إلى فريقه يتعلم
معنى القيادة قبل أن يسمع تعريفها.
ولهذا لا تنفصل
أخلاق الخطاب عن مضمون الخطاب، وقد يبلغ فساد التناقض بينهما أن يدعو الإنسان
بلسانه إلى التواضع بينما تبني طريقته في الكلام مجدًا شخصيًا حوله.
كيف تصنع الأسئلة الداخلية مسافة لحماية الكلمة؟
تحتاج بعض
الكلمات إلى طول لكي تنفذ، «أوهناك أنا؟» استفهام قصير من أبي العلاء بن الشخير
يحمل معنى الاستبعاد والاستعظام: أأنا ممن يتقدم في هذا الموضع؟
وقيمته ليست في
بنيته البلاغية وحدها، بل في المسافة التي فتحها بين المؤثر وبين نفسه، ففي لحظة
كان المتوقع فيها أن يبدأ بالكلام، رجع أولًا إلى الداخل.
وهذه المسافة
القصيرة هي التي تضيع في كثير من القرارات الحديثة؛ إذ تقلصت المدة بين الحدث
والاستجابة، يصل الخبر، فتكتب التعليق، يُطرح السؤال، فتجيب، يقع الخلاف، فترسل
الرسالة، وكلما ضاقت المسافة بين الانفعال والفعل زاد احتمال الندم.
أما التربية
التي يظهر أثرها في هذا موقف أبي العلاء بن الشخير فتمنح النفس مهلة للمراجعة: هل
أعلم؟ هل يفيد كلامي؟ هل هذا وقته؟ هل أنا أنسب من يتكلم؟ وماذا أريد من وراء
ظهوري؟ ليست هذه الأسئلة ترددًا مرضيًا، وإنما حواجز جودة أخلاقية قبل خروج
الكلمة.
لماذا لا تكفي اللوائح الظاهرة لضبط أخلاقيات الخطاب؟
يمكن وضع لوائح
للخطاب، وتدريس آداب الحوار، وتعليم مهارات التواصل، لكن شيئًا من ذلك لا يغني عن
الحارس الداخلي.
فالإنسان يستطيع أن يلتزم القواعد الظاهرة ويظل منشغلًا بنفسه، وأن يتكلم كلامًا صحيحًا في ذاته وهو يريد به منزلة في قلوب الناس، ولذلك انتهى الذهبي إلى المحاسبة؛ لأنها العمل الذي لا يستطيع الجمهور القيام به نيابة عن الإنسان.
الناس يرون الكلمة، أما صاحبها فيفترض أن يفتش عن باعثها، وقد وصف القرآن نفس الإنسان بأنها محل تقلب وابتلاء، وجعل الفلاح متعلقًا بتزكيتها: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس).
ومن تزكية النفس
ألا يمنحها الإنسان كل ما تشتهي من الانتباه، وفي الوقت نفسه ألا يحرم الناس من
علم نافع بحجة الخوف على نفسه، فالمعادلة ليست إلغاء الذات، وإنما إخضاعها للغاية
الأعلى.
متى يكون الإمساك عن البيان أصدق للنية؟
لم يُحفظ هذا
الموقف عن أبي العلاء بن الشخير لأنه ألقى خطبة عظيمة، بل لأن لحظة تردده قبل
الكلام كشفت ميزانًا دقيقًا من موازين التربية.
كان عالمًا، ومع
ذلك لم ير العلم تصريحًا مفتوحًا بالتقدم في كل مجلس، ودُعي إلى الكلام، ومع ذلك
لم يجعل دعوة الناس حجة كافية لإسكات محاسبة النفس، ثم جاء الذهبي بعد قرون فحوّل
الموقف إلى قاعدة نافذة: راقب نفسك حين تتكلم، وراقبها حين تصمت؛ لأنها قد تطلب
حظها في الحالين.
وفي عالم أصبحت فيه فرص الظهور أكثر من أي وقت مضى، لا تقل قيمة هذا الميزان بل تزداد، فليس النضج أن نمتلك دائمًا شيئًا نقوله، وإنما أن نعرف لماذا نقوله، ومتى نقوله، ولمن نقوله، ومتى يكون تركه أصدق لنياتنا وأنفع لمن حولنا.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً