إنصاف الحق تحت ضغط الجماعة..
كيف يتجرد العقل للحق؟ موقف الأحنف بن قيس
أورد الذهبي
بإسناده عن الأحنف بن قيس، قال: «بَيْنَا أَنَا أَطُوْفُ بِالْبَيْتِ فِي زَمَنِ
عُثْمَانَ، إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ:
أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ إِذْ بَعَثَنِي رَسُوْلُ
اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِكَ بَنِي سَعْدٍ أَدْعُوْهُم
إِلَى الإِسْلَامِ، فَجَعَلْتُ أُخْبِرُهُم، وَأَعْرِضُ عَلَيْهِم، فَقُلْتَ:
إِنَّهُ يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ، وَمَا أَسْمَعُ إِلَّا حَسَناً؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِلأَحْنَفِ، فَكَانَ الأَحْنَفُ يَقُوْلُ: فَمَا شَيْءٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ
ذَلِكَ»(1).
يروي هذا الأثر
مشهدًا قصيرًا في ألفاظه، لكنه يكشف جانبًا عميقًا من شخصية الأحنف بن قيس؛ ذلك
الرجل الذي صار مضرب المثل في الحلم والسياسة ورجاحة العقل، فالموقف لا يعرض مجرد
لحظة من تاريخ إسلامه، بل يكشف عن طريقة تفكير رجل عرف قيمة الكلمة، وميز بين
الحقائق والأهواء، وجعل أعظم ما يطمئن إليه ليس جاهًا ولا سلطانًا، بل دعاءً صدر
من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يأتي هذا اللقاء
في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، بعد أن أصبح الأحنف بن قيس شخصية بارزة في قومه،
وعُرف بين الناس بالحكمة والقيادة، ومع ذلك بقي قلبه متعلقًا بمعنى أعمق من مظاهر
المكانة؛ فالرجل الذي قاد الرجال وشارك في أحداث كبرى يرى أن أرجى ما عنده موقف
إنصاف قديم، وكلمة خير قالها في بداية طريقه.
كيف يتجرد العقل للحق بعيداً عن ضغط البيئة؟
تكشف عبارة
الأحنف بن قيس: «إنه يدعو إلى خير، وما أسمع إلا حسنًا» عن عقلية متجردة قادرة على تقييم
الرسالة قبل الحكم عليها من خلال العادات أو الموروثات، ففي المجتمعات التي تحكمها
الروابط القبلية والانتماءات الجماعية، يكون الإنسان معرضًا لأن يرفض الجديد لمجرد
أنه جاء من خارج المألوف، لكن الأحنف لم يجعل الانتماء الاجتماعي حاجزًا أمام
النظر والتأمل، بل استمع ثم حكم، وهذه سمة من سمات أصحاب العقول الراشدة.
وقد أثنى القرآن
على هذا المنهج بقوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر)، وقد فسر الطبري معنى الآية بأن أصحابها يستمعون
الأقوال؛ «فيتبعون أرشدها وأهداها، وأدلها على توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون
ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد، ولا يهدي إلى سداد»(2)، فالآية
لا تمدح مجرد الاستماع، وإنما تجعل الرشد في القدرة على النظر فيما يُسمع، وتمييز
الأحسن ثم اتباعه؛ وهو ما يقترب من موقف الأحنف حين استمع إلى الدعوة ولم يحكم
عليها لمجرد مخالفتها لما ألفه قومه.
وهذا التجرد
الفردي في طلب الحق نجده متجليًا في أبهى صوره في قصة إسلام أبي ذر الغفاري؛ إذ
قاده بحثه المتجرد عن الحقيقة إلى أن يسافر بنفسه للتحقق منها، متجاوزًا ما ألفه
في بيئته، حيث قال: «كنتُ رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه
نبي»، فأرسل أخاه ليستطلع خبره، فلما عاد أخبره قائلًا: «رأيته يأمر بمكارم
الأخلاق»، غير أن هذه الإفادة لم تكن كافية لأبي ذر، فقال: «ما شفيتني مما أردت»،
فتزوّد ثم قصد مكة بنفسه؛ رغبةً في التحقق المباشر وسماع دعوة النبي صلى الله عليه
وسلم منه، والحكم عليها بعد نظرٍ وتثبت(3)، وهكذا يتجلى التجرد في عدم
الاكتفاء بالنقل، والانتقال إلى التثبت المباشر قبل تكوين الموقف وإصدار الحكم.
ولا يقتصر
التجرد للحق على التحقق منه وتتبعه، بل يمتد إلى الثبات عليه حين يصطدم الإنسان
بضغط الجماعة والكثرة؛ وهو معنى يتجلى في وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكيف
انتصر للحق متجردًا، حيث قيل فيه: «وثاني القوم عمر الفاروق.. غلب كيد المشركين
بما ألمز قلبه من حق اليقين، لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم»(4)؛ ما
يمثل قمة التجرد للحق دون الالتفات إلى بيئة الشرك الضاغطة أو الانحياز للكثرة.
ومن هنا يظهر أن
النضج العقلي لا يبدأ من كثرة المعلومات، بل من القدرة على استقبال الحق حين يظهر،
حتى لو خالف ما اعتاده الإنسان، ثم التحقق منه، والثبات عليه إذا تبين وجهه، وهذا
المعنى يحتاجه الناس اليوم في زمن تتزاحم فيه الأصوات، حيث يصبح الإنصاف مهارة
نادرة وسط سرعة الأحكام والانحيازات، وبذلك لا يكون البحث عن الحق مجرد استعداد
لسماعه، ولا مجرد قدرة على التحقق منه، وإنما يكتمل بالتجرد له والثبات عليه؛ وهي
معانٍ اجتمعت في موقف الأحنف بن قيس، حين تجاوز ضغط الانتماء والمألوف، فاستمع إلى
الدعوة، ونظر في مضمونها، ثم قال كلمة إنصاف بقي أثرها شاهدًا على رجاحة عقله ونضج
موقفه.
صناعة المناخ النفسي للقبول كقاعدة قيادية في السيرة
لم يكن موقف
الأحنف بن قيس مجرد قبول شخصي للدعوة، بل كان له أثر اجتماعي؛ لأن كلمة القائد أو صاحب
المكانة قد تهيئ المجتمع لقبول التغيير أو تدفعه إلى رفضه، فهو لم يقف موقف الصدام
أو الاستعلاء، بل عبّر عن حقيقة بسيطة؛ «إنه يدعو إلى خير»، وكانت هذه العبارة
القصيرة مفتاحًا نفسيًا يخفف المخاوف ويفتح باب النظر.
وهنا تظهر إحدى
قواعد القيادة المؤثرة؛ أن القائد لا يحتاج دائمًا إلى فرض الاتجاه بالقوة، بل قد
يصنع التحول بكلمة صادقة في الوقت المناسب، فالقيادة ليست فقط إصدار القرارات،
وإنما بناء القناعة التي تجعل الناس يتحركون من الداخل، وهذا يلتقي مع منهج القرآن
في الدعوة، قال تعالى: (ادْعُ
إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، فالآية تؤسس لمنهج في التأثير يقوم
على الحكمة وحسن الخطاب ومراعاة حال المخاطب، لا على مجرد فرض الرأي؛ ومن ثم فإن
قوة القيادة لا تقاس بقدرتها على إلزام الآخرين فحسب، وإنما بقدرتها على الوصول
إلى قناعاتهم.
ويظهر أثر هذا
المنهج القيادي في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم «فتح مكة»، حين وقف أمام قوم
أصبحوا تحت سلطانه بعد سنوات من الصراع، فلم يجعل لحظة النصر مناسبة لإذلالهم أو
الانتقام منهم، بل خاطبهم بما يهيئ نفوسهم لقبول العفو، فقال: «مَا تَرَوْنَ
أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، فقال: «أقول لكم
كما قال يوسف لإخوته: (لَا
تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، اذهبوا فأنتم الطلقاء»(5)، وهنا
تتجاوز القيادة مجرد إصدار القرار إلى صناعة المناخ النفسي الذي يجعل القرار
مقبولًا ومؤثرًا؛ إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين امتلاك السلطة، وضبط
استخدامها، وفتح الطريق أمام النفوس لتتلقى موقفه دون إذلال أو إكراه.
ويتكامل مع ذلك
بُعد آخر في القيادة، هو أن القائد المؤثر لا يكتفي بتوجيه الآخرين، بل يشاركهم
العمل ويتقدمهم بالفعل، وقد ظهر ذلك في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم «الخندق»،
حيث شارك أصحابه في حفر الخندق ونقل التراب، حتى قال البراء بن عازب: «كان
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنقُلُ التُّرابَ يَومَ الخَندَقِ، حتَّى
أغمَرَ بَطنَه، أوِ اغبَرَّ بَطنُه»(6)، وهكذا تجتمع في القيادة
المؤثرة الحكمة في الخطاب، والقدوة في الممارسة، والقدرة على بناء القناعة بدل
الاكتفاء بفرض الأوامر.
وفي واقع
المؤسسات والأسر والمجتمعات، يبقى هذا الأسلوب من أنجح أساليب الإصلاح؛ لأن
الإنسان يقاوم الإكراه غالبًا، لكنه يستجيب للمعنى حين يراه واضحًا ومقنعًا.
لماذا رجا الأحنف بن قيس دعاء النبي بالمغفرة؟
الجانب الأبرز
في قول الأحنف: «فما شيء أرجى عندي من ذلك» ليس مجرد تقديره لموقف قديم، وإنما ما
تكشفه العبارة من قلب متعلق بالله، لا بما يملكه الإنسان من أسباب دنيوية؛ فمهما
عظمت أعمال المرء ومكانته، تبقى رحمة الله وفضله هي الغاية، ويظل الرجاء في
المغفرة والقبول أعظم ما يطمئن إليه المؤمن، ومن هنا يمكن فهم قول الأحنف؛ فهو لا
يذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره منزلة دنيوية، وإنما باعتباره بابًا
عظيمًا من أبواب الرجاء في مغفرة الله.
وقد قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:
53)، فالرجاء الذي عبّر عنه الأحنف لا يعني الجزم بمغفرةٍ مقطوع بها، وإنما
يدل على رجاء عظيم في فضل الله ورحمته، وهو ما يوافق دلالة الأثر ويضبطها علميًا.
وتتضح منزلة
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الصحابة من موقف أبي عامر الأشعري رضي الله
عنه؛ فعندما أُصيب في غزوة أوطاس، كان من آخر ما أوصى به أن يُبلّغ النبي صلى الله
عليه وسلم سلامه ويطلب منه الاستغفار له، فلما بلغه خبره دعا له قائلاً: «اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ»(7)، ثم دعا له بالرفعة يوم
القيامة، ويكشف هذا الموقف أن طلب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة لم يكن
أمرًا عارضًا، بل كان مما يَعظم رجاؤه في نفوس الصحابة، وهو ما يضيء دلالة قول
الأحنف حين جعل ذلك الدعاء أعظم ما يرجوه.
وهكذا بقي دعاء
النبي صلى الله عليه وسلم في وجدان الأحنف بن قيس أكثر من ذكرى لموقف مضى؛ فقد تحول إلى
رجاء متصل بالمغفرة والرحمة، حتى قال بعد سنوات طويلة: «فما شيء أرجى عندي من ذلك»،
ومن هنا تتجلى قيمة الموقف؛ كلمة إنصاف قالها الأحنف في لحظة مبكرة، بقي أثرها في
نفسه حتى أصبحت أعظم ما يرجوه من الله.
حين يكون ضبط النفس أنصر للقائد من كثرة الرجال
ارتبط اسم
الأحنف بن قيس بالحلم، والحلم في الشخصية القيادية ليس مجرد هدوء في الطبع، بل
قدرة على ضبط الانفعال، وتأجيل رد الفعل حتى يتبين وجه الصواب، وقصة إسلامه تكشف
جانبًا من هذا المعنى؛ إذ لم يندفع مع ضغط البيئة، ولم يتخذ موقفًا متسرعًا، بل
استمع وفكر، ثم عبّر عن موقفه بكلمة موزونة، ومن هنا كان الحلم عنده قوة تحمي
الإنسان من أن يصبح انفعاله قائدًا لقراره، وهو ما ينسجم مع قوله المنسوب إليه:
«وجدتُ الحلمَ أنصرَ لي من الرجال»(8)؛ فالحلم في هذا التصور ليس
تراجعًا عن القوة، بل وسيلة لضبطها وتوجيهها.
وتزداد أهمية
هذا الخلق في الحياة المعاصرة؛ إذ كثيرًا ما تنشأ القرارات المتسرعة في الأسرة
والعمل والمجال العام عن انفعال لحظي يحول دون التثبت وحسن التقدير، وقد وصف النبي
صلى الله عليه وسلم الحلم والأناة بأنهما من الخصال المحبوبة عند الله، فقال: «إنَّ
فيكَ خَصلتَينِ يُحبُّهما اللهُ؛ الحِلمُ والأناةُ»(9)، فالحلم يضبط
الانفعال، والأناة تمنح الإنسان مهلة للتثبت وعدم العجلة، واجتماعهما يؤسس لشخصية
أكثر اتزانًا في الحكم والتصرف.
ويؤكد القرآن
هذا المعنى في وصفه أهل الإحسان بقوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)، فالكظم هنا لا يعني
إلغاء الغضب أو العجز عن المواجهة، وإنما يعني القدرة على السيطرة عليه حتى لا
يتحول إلى سلوك يجاوز مقتضى العدل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليسَ
الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ»(10)؛
فجعل القوة الحقيقية في امتلاك النفس، لا في سرعة الغلبة أو شدة رد الفعل.
ويتجلى هذا
المعنى عمليًا في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم «حنين»، حين اعترض أحد الرجال
على قسمته للغنائم قائلًا: «والله إن هذه لقسمة ما عُدل فيها، وما أُريد بها وجه
الله»، وكانت العبارة شديدة في طعنها في عدالته، ومع ذلك لم يتحول الغضب إلى قرار
متسرع، بل أجاب صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ
اللهُ وَرَسُولُهُ؟!»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ
بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»(11)، ويكشف هذا الموقف أن الحلم لا
يعني غياب الحزم؛ فقد بقي الموقف واضحًا وقويًا، لكن الغضب لم يستولِ على القرار،
بل ظل القرار منضبطًا بالعدل والتقدير.
ومن هنا تتضح
قيمة الحلم في بناء الشخصية المتزنة؛ فهو لا يلغي قوة الموقف، وإنما يمنحها إطارًا
من ضبط النفس والتثبت وحسن التقدير، وهذه قيمة تتجاوز سياقها التاريخي إلى واقع
الإنسان المعاصر؛ فكلما ازدادت سرعة المواقف وتعددت دواعي الاستفزاز، ازدادت
الحاجة إلى إنسان يستطيع أن يؤخر استجابته حتى يملكها، وأن يفرق بين قوة القرار
وقوة الانفعال، ولذلك فإن قوة الشخصية لا تقاس بسرعة الاستجابة للغضب، وإنما بقدرة
الإنسان على امتلاك نفسه حتى يصدر القرار في موضعه، وبالقدر الذي يقتضيه الموقف.
كيف يمتد أثر الكلمة الطيبة عبر الزمن والمواقف؟
في هذا الموقف
صورة بديعة لعلاقة الكلمة بالزمن؛ فعبارة قالها الأحنف بن قيس في بداية الإسلام لم ينتهِ
أثرها بانتهاء لحظة صدورها، بل بقيت حاضرة في الذاكرة حتى جاءه صاحبها بعد سنوات
يبشره بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين أن الإنسان قد لا يدرك الأثر
الكامل لكلماته فور صدورها، غير أن الكلمة الصادقة قد تتحول إلى أثر ممتد في
النفوس يتجاوز زمانها وموقفها المباشر.
ويؤيد أصل هذا
المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»(12)؛
فالكلمة الطيبة ليست مجرد مجاملة عابرة، وإنما هي صورة من صور الخير التي يؤجر
عليها الإنسان، وقد يتجاوز نفعها اللحظة التي قيلت فيها، ويصور القرآن الكريم
امتداد أثر الكلمة الطيبة تصويرًا بليغًا في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً
كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم)، فالمثل القرآني يربط الكلمة الطيبة بالثبات والامتداد
والإثمار، وهي معانٍ تتصل بصورة مباشرة بأثر الكلمة التي قد يبقى خيرها ويتجدد بعد
زمن من صدورها.
ويتجسد هذا
المعنى بوضوح في موقف سراقة بن مالك، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟»(13)، وذلك في أثناء
الهجرة، في ظرف لم يكن يوحي بما تحمله تلك الكلمة من مستقبل، ومع ذلك بقيت العبارة
في ذاكرة سراقة، حتى تحققت بعد سنوات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلبس
سواري كسرى، ويكشف هذا الموقف أن الكلمة قد تتجاوز سياقها المباشر لتصبح وعدًا أو
أملًا أو معنى يظل حاضرًا في النفس حتى يتحقق أثره بعد سنوات.
ومن هنا، فإن
أثر الكلمة لا يقاس دائمًا بسرعة ظهوره؛ فقد تبقى كلمة تشجيع، أو شهادة إنصاف، أو
موقف عدل في ذاكرة الإنسان سنوات طويلة، ثم تظهر ثمرتها في وقت لا يتوقعه قائلها، ولذلك
فإن صناعة الخير لا تكون فقط بالأعمال الكبيرة الظاهرة، بل كذلك بالمواقف والكلمات
التي تحمل صدقًا وإخلاصًا؛ فقد تكون الكلمة الصغيرة ذات أثر أكبر بكثير مما يتوقعه
صاحبها.
كيف يتكامل الوعي العقلي مع الاستقامة الإيمانية؟
يجمع هذا الموقف
بين ميزتين قلَّ أن تجتمعا على نحو متوازن؛ قوة التحليل العقلي وصدق التعلق بالله،
فالأحنف بن قيس لم يصل إلى الحق بالعاطفة المجردة، ولم يتعامل معه بمنطق المصلحة، بل نظر
في الدعوة وتأمل مضمونها، ثم اتخذ موقفه بعد نظر وتثبت، مع بقاء قلبه متوجهًا إلى
الله، وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الشخصية المتزنة؛ إذ لا يكون العقل منفصلًا عن
الإيمان، ولا يكون الإيمان قائمًا على إلغاء التفكير، وإنما يتكاملان في توجيه
الإنسان نحو الحق.
ويؤكد هذا
المعنى ما ورد في بعض الآثار في بيان كمال العقل، من أن من تمامه «حُسن المعرفة
بالله عز وجل، وحُسن الطاعة لله عز وجل، وحُسن الصبر على ما أمر الله عز وجل»(14)،
وتبرز قيمة هذا الأثر في أنه لا يقدم العقل والإيمان باعتبارهما مجالين منفصلين،
بل يجعل كمال العقل متصلًا بمعرفة الله وطاعته والصبر على أمره؛ وهو ما يرسخ مفهوم
الشخصية التي يجتمع فيها الوعي العقلي مع الاستقامة الإيمانية.
ويضع القرآن
التدبر في صميم طريق الهداية، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29)، فالتدبر ليس نشاطًا ذهنيًا
منفصلًا عن الإيمان، بل وسيلة تقود إلى التذكر والهداية؛ وبذلك يلتقي العقل الذي
يتأمل مع القلب الذي يستجيب، وفي الجانب الإيماني، يقوم الاتزان على اجتماع الخوف
والرجاء، قال تعالى: (تَتَجَافَىٰ
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (السجدة:
16)، فالإيمان المتزن لا يقوم على الرجاء وحده ولا على الخوف وحده، وإنما
يجمع بينهما بما يدفع الإنسان إلى العمل دون اغترار، وإلى الرجاء دون غفلة عن
مسؤوليته أمام الله.
ويظهر هذا
التكامل بصورة تطبيقية في تجربة خالد بن الوليد رضي الله عنه، حين أعاد النظر في
موقفه من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ»(15)،
ثم انتهى من هذا التأمل إلى اليقين بقوله: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لِنَبِيٌّ أَذْهَبُ
فَأُسْلِمُ»(16)، ويكشف هذا الموقف عن انتقال من الملاحظة والتحليل إلى
الاقتناع ثم الاستجابة للإيمان؛ فالعقل هنا لم يكن حاجزًا أمام الإيمان، وإنما كان
وسيلة للوصول إلى الحقيقة حين تحرى صاحبُه وجهها بإنصاف.
ومن هذا المنظور، تكتسب قصة الأحنف بن قيس دلالتها المعاصرة؛ فالشخصية الناضجة لا تختار بين العقل والإيمان، بل تجعل أحدهما معينًا للآخر، فالعقل يميز ويتثبت، والإيمان يوجه ويهذب، واجتماعهما يحول المعرفة إلى موقف، والقناعة إلى سلوك، والقدرة على التفكير إلى قدرة على الإصلاح، وهذه من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من سيرة الأحنف في بناء شخصية متوازنة تجمع رجاحة العقل وصدق الإيمان.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 88).
- 2 جامع البيان: الطبري (20/ 184).
- 3 أخرجه البخاري (3522)، ومسلم (2474) باختلاف يسير.
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم، (1/ 71).
- 5 تاريخ الرسل والملوك: الطبري (3/ 61).
- 6 أخرجه البخاري واللفظ له (4104)، ومسلم (1803).
- 7 متفق عليه، أخرجه البخاري (4323)، ومسلم (2498).
- 8 العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (2/ 141).
- 9 أخرجه مسلم (17).
- 10 متفق عليه، البخاري (6114)، ومسلم (2609).
- 11 أخرجه البخاري (3405)، ومسلم واللفظ له (1062).
- 12 متفق عليه، البخاري واللفظ له، (11)، ومسلم (1009).
- 13 جامع الأصول في أحاديث الرسول: مجد الدين ابن الأثير، (12/ 435).
- 14 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم، (1/ 47).
- 15 أخرجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (5293)، وسكت عنه، وقال في مقدمة كتابه: «رواته ثقات، احتج بمثله الشيخان أو أحدهما.
- 16 المرجع السابق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً