مدخل تربوي لصناعة الوعي..
كيف تؤثر المجالس في اهتمامات الإنسان؟ درس من الأحنف بن قيس
أَوْرَدَ
الذَّهَبِيُّ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: «جَنِّبُوا
مَجَالِسَنَا ذِكْرَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ؛ إِنِّي أُبْغِضُ الرَّجُلَ يَكُونُ
وَصَّافًا لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ»(1).
وقع هذا الموقف
في بيئة البصرة خلال العصر الأموي الأول، وهي مرحلة شهدت تدفق الأموال، وانتشار
الترف، وتغيرات اجتماعية سريعة نتيجة الفتوحات.
كان الأحنف بن
قيس سيد بني تميم ومطاعًا في قومه، وتجلت عظمتُه في كونه قائدًا لمجتمع قبلي مشحون
بالحمية والانضباط؛ فتلقى التكوين الإيماني والتنظيمي وصاغ منه سياجًا يقي قومه
الانزلاق في الترف الفكري والسلوكي.
وهذا النص لا
يقف عند حدود أدب المجلس، بل يكشف عن رؤية عميقة في بناء الإنسان؛ فالأحنف لم يكن
يعترض على وجود حاجات البشر الفطرية، وإنما كان يرفض أن تتحول هذه الحاجات إلى
مركز الوعي، وأن تصبح مجالس الرجال مرآة للشهوات بدلًا من أن تكون ساحات للعقل
والمروءة، ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذا الموقف في سياقه التاريخي والتربوي،
بعيدًا عن تحميله ما لا يحتمل أو عزله عن منظومة القيم التي كان يمثلها.
كيف يبدأ تهذيب النفس بضبط الحديث والخواطر؟
تكشف كلمة
الأحنف بن قيس عن أصل تربوي كبير؛ أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يفعله، بل بما يسمح
لعقله ولسانه أن يعتاد عليه، فالمجالس في نظر الحكماء ليست أماكن محايدة، وإنما
بيئات تصنع الذوق وتوجه الاهتمامات وتعيد ترتيب الأولويات.
ولهذا جاء
اعتراض الأحنف بن قيس على الاستغراق في وصف الطعام والشهوة؛ لأن كثرة الحديث عن
الشيء تورث تعلق القلب به، وتحوّل المباح أحيانًا إلى استغراق يزاحم المعالي، فالإنسان
الذي لا يستطيع تجاوز حديث البطن والفرج يبقى أسيرًا لدائرة الاحتياجات الأولية،
بينما الإنسان الراشد يرتقي من إدارة الغرائز إلى توجيهها.
ويتضح هذا
المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم في ترسيخ ضبط اللسان وحفظ الجوارح، فعن
أسود بن أصرم المحاربي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: «أَتَمْلِكُ يَدَكَ؟»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَاذَا
أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ يَدِي، قَالَ: «فَتَمْلِكُ لِسَانَكَ؟»، قُلْتُ:
فَمَاذَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ لِسَانِي، قَالَ: «فَلَا تَبْسُطْ يَدَكَ
إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَلَا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلَّا مَعْرُوفًا»(2)،
فهذا التوجيه لا يقف عند منع السلوك الخاطئ، بل يؤسس لمعنى أوسع هو امتلاك الإنسان
لما يصدر عنه من قول وفعل.
وفي هذا الإطار،
تتضح قيمة التحكم في الخواطر والاهتمامات قبل أن تتحول إلى سلوك مستقر؛ إذ إن ما
يتكرر حضوره في الذهن والحديث قد يزداد تعلق النفس به، حتى يصبح جزءًا من
اهتماماتها الدائمة، وقد عبّر ابن القيم عن هذا التدرج بقوله: «دافع الخطرة؛ فإن
لم تفعل صارت فكرة؛ فدافع الفكرة؛ فإن لم تفعل صارت شهوة؛ فحارِبْها؛ فإن لم تفعل
صارت عزيمة وهمَّةً؛ فإن لم تُدافعها صارت فعلًا؛ فإن لم تتداركهُ بضدِّه صار
عادةً، فيصعُبُ عليك الانتقالُ عنها»(3)، ويكشف هذا التدرج أن ما يبدأ
خاطرًا عابرًا قد يتحول، مع الاسترسال والتكرار، إلى اهتمام ثابت ثم إلى سلوك
وعادة؛ ولذلك يبدأ تهذيب الإنسان من الأفكار والموضوعات التي يسمح لها بأن تتكرر
في ذهنه ولسانه، قبل أن تستقر في سلوكه.
وفي واقع الناس
اليوم يظهر هذا المعنى بوضوح؛ إذ أصبحت بعض المجالس والمنصات الرقمية تستنزف
الأعمار في متابعة تفاصيل الاستهلاك والمظاهر والملذات، ومنهج الأحنف يلفت النظر
إلى أن معركة الإنسان الكبرى ليست فقط في ترك المحرم، بل في ألا يسمح للمفضول أن
يطغى على الفاضل، وألا تتحول الأشياء الثانوية إلى مركز دائم للاهتمام.
كيف يصنع القادة بيئة فكرية تربوية لمجتمعاتهم؟
لم يكن الأحنف
بن قيس مجرد واعظ يعظ أفرادًا متفرقين، بل كان قائدًا يعرف أثر البيئة في تشكيل
الجماعة، فحين قال: «جنبوا مجالسنا»، لم يتحدث عن ذوقه الشخصي فحسب، بل وضع
معيارًا لما ينبغي أن يكون عليه المجلس الذي ينتمي إليه.
فالقيادة
المؤثرة لا تكتفي بوضع الأهداف، بل تبني الثقافة التي تحيط بالأفراد، وقد أدرك
الأحنف بن قيس أن الحديث المتكرر عن الملذات يغير طبيعة المجلس؛ فيصبح الحاضرون
مستهلكين للحديث عنها بدل أن يكونوا منتجين للأفكار والمعاني.
ويشهد لذلك موقف
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلسه، حين كان يُدخل عبدالله بن عباس رضي الله
عنهما، وهو شاب صغير، في مجلس مشايخ بدر، ويسألهم عن تفسير سورة النصر، ليرفع
اهتمامات المجلس ويختبر عمق الفهم لدى الحاضرين(4)، فهذا الموقف يكشف
أن المجلس يمكن أن يتحول عمدًا إلى بيئة لصناعة الوعي ورفع مستوى التفكير، لا مجرد
مكان للاجتماع.
ويتأكد أثر
المجالسة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ،
وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ»(5)؛
فالمجلس إذًا ليس وعاءً محايدًا للكلام، بل بيئة ينتقل أثرها إلى الجالسين، وما
يتكرر فيه من ألفاظ وموضوعات وسلوكيات قد يتحول تدريجيًا إلى جزء من اهتماماتهم
ومألوفهم، ومن هنا يُفهم حرص الأحنف على نوعية الحديث في مجلسه، بوصفه حرصًا على
صناعة بيئة توجه الاهتمامات نحو ما ينفع ويرتقي بالوعي.
ولا يقتصر هذا
المعنى على المجالس التقليدية، بل يمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل؛
إذ تسهم الكلمات والموضوعات المتكررة في تشكيل الثقافة اليومية والسلوك على المدى
البعيد، ولذلك فإن القائد لا يحمي بيئته بالقرارات الكبرى وحدها، بل يشارك في
تشكيلها من خلال نوع الخطاب الذي يسمح بتكراره وما يوجه إليه اهتمام الجماعة؛
فالكلمة التي تبدو بسيطة قد تصبح، مع التكرار، جزءًا من ثقافة راسخة.
منهج الإسلام في توجيه الغرائز لا قمعها
من الخطأ فهم
موقف الأحنف بن قيس على أنه دعوة إلى إنكار طبيعة الإنسان؛ فالشريعة أقرت وجود
الغرائز، لكنها جعلت العقل والإيمان قائدين لها، فالإنسان لا يصبح فاضلًا لأنه لا
يملك شهوة، وإنما لأنه يملك القدرة على ضبطها ووضعها في موضعها الصحيح.
وقد جمع النبي صلى
الله عليه وسلم جانبًا من هذا المعنى في قوله: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ
لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ»(6)؛ بما
يؤكد أن كماله لا يكون بإلغاء دوافعه الفطرية، وإنما بضبطها وتوجيهها إلى مواضعها
المشروعة، وهذا هو جوهر موقف الأحنف؛ فحديثه عن البطن والفرج لا يعني رفض حاجات
الإنسان، وإنما التحذير من أن تستولي هذه الحاجات على اهتمامه وتوجه سلوكه.
وفي جانب
الطعام، لا يعني الاعتدال إلغاء الحاجة الفطرية، وإنما منعها من التحول إلى
استغراق، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا
مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ..»(7)؛
فالمقصود الاكتفاء بما يحفظ القوة وتجنب الإفراط الذي يحول الحاجة الطبيعية إلى
انشغال مستمر.
وكذلك في جانب
الشهوة الجنسية، لم تُلغِ الشريعة الفطرة، وإنما وجهتها وضبطت مقدماتها، فقال
تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) (النور:
30)، فالشهوة في ذاتها ليست موضع الذم، وإنما الذم في انفصالها عن الضابط
الشرعي وتحولها إلى استرسال في اللذة.
ومن هنا، فإن
التربية الناجحة لا تقوم على القمع، بل على إعادة توجيه الاهتمام؛ فيتعلم الإنسان
أن يضبط ما يشتهيه، وأن ينتقل من سؤال: ماذا أشتهي؟ إلى سؤال: ماذا أحقق؟ ولذلك لا
ينبغي حمل كلام الأحنف على إقصاء الحديث عن الطعام أو الزواج، فهما من حاجات
الإنسان ومباحاته، وإنما المقصود ألا يتحولا إلى محور دائم يستنزف الوقت
والاهتمام، فيصبح الإنسان تابعًا لشهواته بدل أن يكون قادرًا على توجيهها في حدود
الفطرة والشرع.
كيف يمنع ضبط العادات اليومية الانحراف الأخلاقي؟
يظهر في موقف
الأحنف بن قيس جانب قيادي مهم؛ وهو أن القائد الحقيقي يضع حدودًا ثقافية قبل أن
تقع الأزمات، فهو لم ينتظر فساد المجلس ثم يعالج نتائجه، بل انتبه إلى مقدمات
التراجع، وسعى إلى منعها قبل أن تتحول إلى سلوك مألوف.
وهذا لون من
إدارة الأخطار الأخلاقية؛ فالسلوكيات الكبيرة كثيرًا ما تبدأ بعادات صغيرة تتكرر
حتى تصبح مألوفة، والإنسان قد لا ينتبه إلى تغيره الداخلي إلا بعد أن تتحول
الأشياء التي كان يستنكرها إلى أمور عادية، ولذلك فإن حماية الجماعة تبدأ أحيانًا
من ضبط ما يبدو بسيطًا في بدايته.
ويتسق هذا مع
أصل المسؤولية الذي قررته السُّنة النبوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ
رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(8)؛ فالرعاية لا تقتصر
على معالجة النتائج، وإنما تتضمن حسن التعهد والقيام بما يحفظ الجماعة ويصون
مصالحها، ومن هذا المنطلق لا تكون القيادة الأخلاقية مجرد تدخل عند ظهور الخطأ، بل
تشمل تهيئة البيئة التي تقل فيها فرص وقوعه.
ويتجسد معنى
الوقاية قبل تفاقم المشكلة في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند تجهيز الجيوش؛
فقد وضع لأمرائه ضوابط تفصيلية دقيقة لمنع الانحراف الأخلاقي قبل وقوعه، فقال: «أوصيكم
بتقوى الله.. لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا،
ولا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا
تقطعوا شجرة مثمرة..»(9).
وهنا تظهر
القيادة الأخلاقية في صورتها العملية؛ ضبط التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى خلل
كبير؛ فالقواعد التفصيلية لا تأتي بعد وقوع الانحراف، وإنما تسهم في منع أسبابه
منذ البداية.
وفي المؤسسات
المعاصرة، سواء كانت أسرة أو مدرسة أو فريق عمل، يبقى هذا الأصل حاضرًا؛ القائد
الذي يترك الثقافة تتشكل بلا توجيه قد يجد نفسه لاحقًا أمام نتائج لم يصنعها بقرار
مباشر، لكنه سمح لها أن تنمو، ولذلك فإن القيادة الأخلاقية لا تبدأ بالقرارات
الكبرى وحدها، بل تبدأ بما تسمح به الجماعة، وما تكرره، وما تعتبره طبيعيًا؛ لأن
التفاصيل الصغيرة التي تُترك بلا توجيه قد تصبح مع الوقت ثقافة، والثقافة قد تصبح
سلوكًا راسخًا.
كيف تعكس اهتمامات الإنسان اليومية حقيقة مروءته؟
في عبارة الأحنف
بن قيس ملمح بلاغي لافت؛ فهو لم يقل فقط: لا تتحدثوا عن هذه الأمور، بل عبّر عن
بغضه للرجل الذي يجعل حديثه وصفًا دائمًا للبطن والفرج، فالذم هنا ليس موجَّهًا
إلى وجود الحاجة، وإنما إلى اختزال شخصية الإنسان فيها، وكأن اهتماماته لا تتجاوز
ما يشبع بطنه أو يحقق شهوته.
فالإنسان صاحب
المروءة يُعرف باتساع اهتماماته؛ يتحدث عن العلم، والمصالح العامة، والإصلاح،
والتجارب، والحكمة، ولا يجعل المتع الجسدية محورًا دائمًا لحديثه، أما حين تضيق
دائرة الكلام حتى لا تتجاوز اللذة والشهوة، فإن ذلك يكشف فقرًا في المعنى قبل أن
يكون مجرد خلل في الأسلوب، ومن هنا كانت المروءة أوسع من مجرد حسن المظهر أو
الالتزام ببعض آداب السلوك؛ إنها قدرة الإنسان على أن يترفع عن سفاسف الأمور، وأن
يجعل اهتماماته متناسبة مع قدره الإنساني.
ويؤكد ذلك ما
ورد في وصف الأحنف بن قيس نفسه؛ فقد قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هو مؤمن
عليم اللسان»(10)، وقال الحسن البصري: «ما رأيت شريف قوم أفضل منه»(11)،
ويكشف اختلاف العبارتين وتكاملهما أن مروءة الأحنف لم تكن في جانب واحد؛ فقد اجتمع
له حسن اللسان والشرف والسؤدد، وهي صفات تجعل الإنسان جديرًا بأن يُقتدى به في
طريقة كلامه واهتماماته، لا أن يُختزل في حديثه عن الملذات.
ويتصل ذلك بهدي
النبي صلى الله عليه وسلم في صيانة الكلام حتى في مواضع المزاح والملاطفة؛ فعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ:
«إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»(12)، فالمزاح لم يكن ممنوعًا،
وإنما كان مضبوطًا بالصدق وحسن القول؛ وبذلك يتبين أن صيانة اللسان لا تعني الجمود
أو ترك الترويح، وإنما تعني ألا يتحول الكلام إلى وسيلة للابتذال أو تجاوز ما يليق
بالإنسان.
وتتسع دلالة
المروءة لتشمل الارتقاء عن سفاسف الأمور، وهو ما عبّر عنه الجنيد بن محمد حين سُئل
عن التصوف فقال: «الخروج عن كل خلق دني، والدخول في كل خلق سني»(13)، فالمروءة
في هذا التصور ليست مجرد تجنب الكلام القبيح، بل انتقال بالإنسان من الدنايا إلى
معالي الأخلاق، ومن الانشغال بما يستنزف اهتمامه إلى ما يبني شخصيته ويرفع قدره.
وفي عصر الإعلام
المفتوح، تتضاعف أهمية هذا المعنى؛ إذ لم تعد المجالس محصورة في مكان، بل أصبحت
المنصات الرقمية مجالس ممتدة، ومن ثم فإن مسؤولية اختيار ما يُنشر وما يُتابع
أصبحت جزءًا من بناء الشخصية وحماية الوعي؛ فما يكثر الإنسان من تداوله ومتابعته
يسهم مع الوقت في تشكيل ذوقه واهتماماته، كما كانت المجالس تفعل قديمًا.
ومن هنا يمكن
فهم عبارة الأحنف بن قيس على أنها تقويم لذوق الكلام ورفعة للاهتمامات، لا مصادرة
لمباحات الحياة؛ فالإنسان صاحب المروءة لا يُعرف بامتناعه عن الطعام أو الزواج،
وإنما بألا يجعل الحديث عنهما اختزالًا دائمًا لشخصيته ومجالسه.
كيف تنعكس وصايا السلف على التربية المعاصرة؟
يمكن قراءة موقف
الأحنف اليوم في مجالات متعددة؛ ففي الأسرة، يذكِّر الوالدين بأن تربية الأبناء لا
تكون فقط بالأوامر، بل بنوعية الأحاديث التي يسمعونها، والموضوعات التي تتكرر
أمامهم، وما يرونه مهمًا في حياة الكبار، فالأبناء لا يتعلمون القيم مما يُقال لهم
فقط، وإنما يتشكل جزء من وعيهم مما يرونه ويسمعونه بصورة متكررة داخل بيئتهم
الأسرية.
ويتسع هذا
المعنى في المجال الأسري، إذ جعل القرآن مسؤولية الإنسان ممتدة إلى أهل بيته، فقال
تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)؛
فالمسؤولية هنا لا تقتصر على إصدار الأوامر، وإنما تشمل القيام بما يحفظ الأسرة
ويهيئ لها البيئة التي تعين أفرادها على الاستقامة وحسن الاختيار، ويكشف تراث
السلف عن صورة عملية لهذا البناء التربوي، فقد قال زين العابدين علي بن الحسين
رحمه الله: «كنا نُعَلَّمُ مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كما
نُعَلَّمُ السورة من القرآن»(14)؛ فاختيار ما يُعلَّم للأبناء، وما
يتكرر على أسماعهم، كان جزءًا من صناعة وعيهم وتكوين اهتماماتهم.
وفي التعليم،
يبرز دور المعلم في صناعة بيئة ترفع قيمة المعرفة والانضباط، ولا تسمح بأن يطغى
التهريج أو الاهتمامات العابرة على قيمة العلم، ومن الشواهد على ذلك وصية عروة بن
الزبير لأبنائه: «يا بني تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبارهم،
واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل»(15)، فالتعلم في هذه الوصية ليس ترفًا
أو نشاطًا هامشيًا، وإنما استثمار مبكر في بناء الإنسان، ورفع قدره، وإعداده لتحمل
المسؤولية والقيادة في المستقبل.
وفي العمل
والمجتمع، يظل المبدأ نفسه قائمًا؛ فما يتكرر في البيئة الاجتماعية يتحول تدريجيًا
إلى ثقافة، وما يصبح ثقافة يؤثر في السلوك الفردي والجماعي، ولذلك فإن بناء البيئة
الصالحة لا يقل أهمية عن توجيه الأفراد بصورة مباشرة؛ فاختيار الموضوعات التي تحظى
بالاهتمام، وطريقة الحوار، وما يُكافأ عليه الأفراد أو يُستنكر منهم، كلها تفاصيل
يومية تسهم في تشكيل ثقافة الجماعة.
وهكذا يصبح معنى
الأحنف أوسع من مجرد آداب مجلس؛ إنه دعوة إلى إعادة ترتيب سلم الاهتمامات، بحيث لا
يحتل الجسد مساحة تطغى على العقل والروح والرسالة، ولا تتحول المباحات إلى محور
يستنزف الوقت والحديث، بل يبقى للعلم والحكمة والعمل والمصلحة والإصلاح نصيب يليق
بقدر الإنسان ودوره في أسرته ومجتمعه.
يبقى موقف
الأحنف بن قيس شاهدًا على أن عظمة الشخصيات التاريخية لا تظهر فقط في الأحداث
الكبرى، بل في قدرتها على صناعة المعايير اليومية، فقد رأى أن المجلس ليس مكانًا
لتمضية الوقت، بل مساحة لبناء الإنسان.
وهذا المعنى
يلتقي مع قوله تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:
11)؛ فإصلاح السلوك يبدأ من إصلاح ما يستقر في النفوس من عادات واهتمامات
ومعايير.
وعليه، فإن دلالة هذا الأثر تقوم على 4 معانٍ مترابطة؛ ضبط الشهوة، وامتلاك اللسان والاهتمامات، وصناعة بيئات ترفع قيمة الإنسان، والوقاية من تحول العادات الصغيرة إلى سلوك راسخ، وليس المقصود إلغاء المباحات أو إنكار الفطرة، وإنما منع أن تتحول الشهوة إلى مركز للوعي، أو أن يُختزل الإنسان في بطنه وفرجه، بينما هيأ الله له عقلًا يهديه، وضميرًا يراقبه، ورسالةً يسمو بها.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 94).
- 2 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (818)، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
- 3 الفوائد: ابن القيم (1/45).
- 4 أخرجه البخاري (4970).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (2101)، ومسلم، واللفظ له (2628).
- 6 أخرجه البخاري (6474).
- 7 أخرجه الترمذي في سننه (2380)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829).
- 9 تاريخ دمشق: ابن عساكر (2/ 9).
- 10 البداية والنهاية: ابن كثير (12/ 170).
- 11 المرجع السابق.
- 12 أخرجه أحمد بسند حسن (8723).
- 13 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (1/ 50).
- 14 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: الخطيب البغدادي (2/ 195).
- 15 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 349).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً