كيف تعامل النبي ﷺ مع الأزمات النفسية والضغوط الحياتية؟

كيف تعامل النبي ﷺ مع الأزمات النفسية والضغوط الحياتية؟

كيف تعامل النبي ﷺ مع الأزمات النفسية..

يواجه الإنسان ضغوطًا حياتية متنوعة تتصل بالنفس والأهل والمال والأولاد وغيرها، وقد تثير مشاعر الخوف والقلق والتوتر والحزن، وقد تتفاقم لدى بعض الأشخاص لتؤثر في صحتهم النفسية والاجتماعية.

التعامل مع الأزمات والضغوط النفسية في القرآن والسُّنة

1- الدنيا دار ابتلاء: قرر القرآن الكريم في آيات كثيرة أن الابتلاء سُنة ملازمة للحياة، فقال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35)، وقال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15)، وقال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11).

2- المؤمن لا يعرف اليأس إليه سبيلًا: يرسخ القرآن الأمل وينهى عن اليأس، قال تعالى: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) (يوسف: 87)، كما دعا إلى الصبر والثبات: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).

3- الهموم والأحزان لا يخلو منها بشر حتى الأنبياء: يقرر القرآن أن التأثر النفسي بالأحداث يصيب الناس جميعاً بلا استثناء؛ فالأنبياء علي علو مكانتهم أصابهم الحزن والمرض والخوف وشتى الابتلاءات البدنية والنفسية، وواجهوا ذلك بالإيمان والدعاء والصبر والثبات، كما ورد في القرآن الكريم في قول يعقوب عليه السلام: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، ودعاء أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء: 83)، وعبر موسى عليه السلام عن ثقته بالله عند المحنة بقوله: (كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، كما واسى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عند حزنه؛ فقال: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) (الأنعام: 33).

وتقدم السُّنة النبوية إطارًا إيمانياً متنوعاً في التعامل مع الأزمات:

1- تعزيز الصمود النفسي أمام الأزمات: قد تبدو الأزمات والمصائب في ظاهرها مؤلمة وشديدة الوطأة، إلا أنها قد تحمل للمؤمن معاني الصبر والأجر والثواب بما يحمي الإنسان من التحسر والوقوع في شرك اليأس أو الجزع المرضي، وهو ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له؛ وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(1)، وهذا يعزز الصلابة النفسية، ويحول دون اليأس والجزع.

2- الاستعانة بالله في مواجهة الهموم: العجز النفسي يظهر في شعور الإنسان بأنه غير قادر على تغيير واقعه أو التعامل مع مشكلاته، وطلب العون والقوة من الله سبحانه يعزز الشعور بالقدرة على الصمود النفسي، ويرشدنا إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل»(2)؛ فالدعاء من منظور نفسي يعترف بوجود الهم والحزن والعجز والكسل، والاستعانة بالله في التعامل معه، بما يعزز مواجهة الأزمة، مع الأخذ بالأسباب.

3- الإيمان بالقدر وتخفيف أثر الندم والقلق: ما أصاب الإنسان من خير أو شره إنما هو بقدر الله؛ كما جاء في الحديث: «ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك»(3)، ويمنح هذا الإيمان بالقضاء والقدر الطمأنينة والرضا، ويخفف أثر الصدمة والندم والخوف؛ فالإفراط في لوم الذات يستنزف الطاقة النفسية فيما يضره ولا ينفعه.

4- تجنب الاستغراق في التحسر ولوم الذات: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغراق في التحسر والندم، ولوم النفس فيما يعرف في علم النفس بجلد الذات، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان»(4)؛ فالتوجيه النبوي يحرر الإنسان من الاستغراق في الندم، ويدعوه إلى التعلم من الماضي ومواصلة الحياة، فكل ميسر لما خلق له.

5- الرضا والقناعة والطمأنينة: الرضا يقلل المقارنة بالآخرين والحسد والاحتراق النفسي، ويعزز الطمأنينة والثقة بالله والرضا بما قدره سبحانه؛ فلا يقارن حياته بغيره، ويبتعد عن التركيز الدائم على ما ينقصه، لذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذا النهج القويم بقوله: «وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس»(5).

أبرز الأزمات النفسية في حياة النبي

مر النبي صلى الله عليه وسلم بمواقف شديدة الحزن والضغط النفسي، وتعامل معها بصورة اتسمت بالصبر والتوكل وتنظيم الانفعال والاستمرار في أداء المسؤولية، ومن نماذجها:

1- فقد الأحبة وأثره النفسي: شكّل فقد الأحبة تجربة مؤلمة ومتكررة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بداية من فقد السند الداعم له في طفولته؛ أبيه وأمه وجده؛ ثم وفاة زوجته خديجة بما تمثله من أهمية كبيرة في حياة الأسرية والدعوية، ثم وفاة عمه أبي طالب حتى أطلق عليه «عام الحزن».

وتوفي أبناؤه وبناته في حياته؛ القاسم، وعبدالله، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، ثم ابنه إبراهيم سنة 10هـ الذي عبّر عن حزنه عليه بالبكاء مع الرضا بقضاء الله، فقال: «إنَّ العينَ تدمع، والقلبَ يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنَّا بفراقكَ يا إبراهيمُ لمحزنون»(6).

ويكشف هذا الموقف النبوي أن الحزن والبكاء استجابة طبيعية للمشاعر، والتعبير عنها بصورة منضبطة تحافظ على الاتزان السلوكي والرضا بقضاء الله.

2- «حادثة الإفك»وضبط الانفعالات: تمثل «حادثة الإفك» نموذجًا للأزمة النفسية والاجتماعية الناتجة عن الشائعات، خاصة حين تمس الشرف والأسرة، وقد شكّلت الحادثة ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا بالغًا على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمجتمع المسلم؛ نتيجة انتشار الشائعة في المجتمع شهرًا كاملًا حتى نزول الوحي ببراءتها، وقد وصف القرآن خطورة الشائعة بقوله تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15).

وتكشف «حادثة الإفك» أن الصبر لا يعني غياب الألم النفسي، بل القدرة على إدارته دون الانقياد للغضب أو الصدمة، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا متوازنًا في إدارة تلك الأزمة، كما واجهتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالثقة بالله والصبر، قائلة: «فصبرٌ جميل»، حتى جاء الفرج ببراءتها في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ) (النور: 11).

3- إدارة الضغوط في الأزمات والحروب: تكشف السيرة النبوية عن منهج متكامل في احتواء الأزمات:

أ- الدعم الأسري: عند نزول الوحي أول مرة، احتوت خديجة رضي الله عنها اضطراب النبي صلى الله عليه وسلم وثبّتته باستحضار خصاله الإيجابية، فقالت: «كَلَّا واللهِ ما يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوَائِبِ الحَقِّ»(7)، ويمثل موقفها نموذجًا للاحتواء والدعم النفسي والتثبيت واستحضار نقاط القوة وقت المحنة.

ب- الصمود النفسي وصناعة الأمل وقت المحنة: لما اشتد أذى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، لم يستسلم للحزن أو اليأس، بل واصل دعوته في أرض جديدة.

وبث النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور الثبات والطمأنينة عند خوف أبي بكر رضي الله بقوله: «ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنَيْنِ اللهُ ثالثُهما».

وفي بدر، دعم النبي صلى الله عليه وسلم معنويات أصحابه بالدعاء والتضرع وبث الثقة بالنصر، ومع اشتداد الخوف والجوع في غزوة «الأحزاب»، وسّع أفقهم النفسي ببشارتهم بفتح بلاد كسرى وقيصر، فنقل اهتمامهم من الخطر الآني إلى أفق مستقبلي أكثر اتساعًا، وعقب عودة جيش «مؤتة» سنة 8هـ، وُصفهم بعض الناس بالفرّار، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم الصورة بقوله: «ليسوا بالفرّارين، ولكنهم الكرّار إن شاء الله».

يمثل اللجوء إلى الصلاة والصبر والدعاء أحد مظاهر الراحة النفسية للمؤمن؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجد في الصلاة الراحة والسكينة؛ فكان يقول لبلال: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»(8)، وهو ما يؤكده قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة: 45).

تكشف السيرة النبوية أن مواجهة الأزمات تقوم على الإيمان بالله والصبر والدعاء، والمرونة النفسية، وتنظيم الانفعالات، والدعم الاجتماعي، وصناعة الأمل، والتوكل علي الله، وهو ما يمكن أن نستفيد به في مواجهة ضغوط الحياة.

الهوامش
  • 1 صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (2999).
  • 2 فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال (6002).
  • 3 أخرجه أحمد في «المسند»، مسند الأنصار، حديث زيد بن ثابت (21611).
  • 4 صحيح مسلم؛ كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله (2664).
  • 5 رواه الترمذي في سننه (2305).
  • 6 فتح الباري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا بك لمحزونون (1241).
  • 7 صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان الوحي، (3).
  • 8 أخرجه أبو داود (4985).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة