كيف حوّلت أم الدرداء الصغرى التعفف إلى قوة؟
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة أم الدرداء الصغرى(1)، عن ميمون بن مهران
عنها قالت: قال لي أبو الدرداء: «لا تسألي أحدًا شيئًا»، فقلت: إن احتجت؟ قال:
«تتبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم، فخذيه فاخبطيه ثم اطحنيه وكليه».
وقال مكحول:
«كانت أم الدرداء فقيهة».
وقال عون بن عبدالله:
«كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها».
وقال يونس بن
ميسرة: «كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء، فإذا ضعفن عن القيام تعلقن بالحبال»(2).
ينتمي هذا الأثر
إلى طبقة من النصوص التي تكشف عن نماذج إنسانية تجاوزت حدود الظرف التاريخي لتصبح
مدرسة في بناء النفس وتكوين الشخصية المؤثرة، فأم الدرداء الصغرى كانت من أعلام
التابعيات في بلاد الشام، وقد اجتمع في سيرتها العلم والعبادة والتربية، ولا يعرض
هذا النص مجرد مواقف فردية من الزهد، بل يقدم مشهداً متكاملاً عن صناعة الإنسان
الذي يملك نفسه، ويستغني بالله، ويؤثر في مجتمعه بالقدوة قبل الخطاب.
كانت دمشق في
العصر الأموي مركزاً علمياً وحضارياً واسعاً، اجتمع فيها الفقهاء والمحدثون
والعباد، ومع اتساع الدنيا ودخول مظاهر الرفاهية إلى المجتمع الإسلامي ظهرت الحاجة
إلى نماذج تحفظ التوازن بين النعمة والشكر، وبين العمران المادي والارتقاء الروحي،
وفي هذا السياق ظهرت أم الدرداء الصغرى بوصفها عالمة ومربية، لا تعتزل المجتمع، بل
تبني فيه وعياً جديداً يقوم على العلم والتعفف وقوة الصلة بالله.
كيف يحرر التعفف النفس من سؤال الناس؟
المشهد الأول في
النص يحمل معنى عميقاً يتجاوز ظاهره العملي، فقد قال لها أبو الدرداء: «لا تسألي
أحداً شيئاً»، ثم أرشدها إلى تتبع ما يسقط من الحصادين، فتجمعه وتعده طعاماً لها، وليس
المقصود تمجيد الفقر لذاته، وإنما ترسيخ معنى التعفف ورفض الاعتماد على سؤال الناس
مع القدرة على السعي.
هذا المعنى
يلتقي مع قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا
يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) (البقرة: 273)، فالتعفف في التصور
الإسلامي ليس مجرد حالة اقتصادية، بل بناء نفسي يجعل الإنسان متعلقاً بالله قبل
تعلقه بالمخلوقين.
وفي هذا التوجيه
تظهر حكمة تربوية؛ فالإنسان قد يتحمل تعب العمل الجسدي، لكنه قد يضعف أمام ذل
الحاجة وانتظار عطايا الآخرين، ولهذا جاءت الشريعة بمدح السعي والكسب، ومن ذلك قول
النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره،
فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»(3).
وقد تحوّل هذا
المعنى عند حكيم بن حزام رضي الله عنه إلى منهج حياة؛ فقد سأل النبي صلى الله عليه
وسلم مالًا فأعطاه، ثم قال له: «يا حكيم، إن هذا المال خَضِرة حلوة، فمن أخذه
بسخاوة نفس بُورك له فيه»، فعاهد حكيم ألا يرزأ أحدًا بعد النبي صلى الله عليه
وسلم شيئًا(4)، وظل على عهده حتى كان أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما
يدعوانه إلى العطاء فيأبى أن يأخذه، مع ما صار إليه من مال بكسبه وتجارته، وهكذا
لم يكن التعفف امتناعًا عن المال أو السعي إليه، وإنما تحررًا من سؤال الناس
والتعلق بما في أيديهم؛ وهو المعنى نفسه الذي أراد أبو الدرداء أن يغرسه حين جعل
التقاط ما يسقط من الحصاد أهون من مد اليد إلى الآخرين.
وفي واقع الناس
اليوم، حيث قد تتحول الرغبة في الراحة إلى اعتماد دائم على الآخرين، يبقى معنى
الاستقلال النفسي مهماً في الأسرة والتربية والعمل؛ فالإنسان الذي يتعلم بذل
السبب، ولو كان بسيطاً، يكتسب ثقة بالنفس وقدرة على مواجهة الأزمات.
لماذا اعتبر العلماء أم الدرداء الصغرى مرجعًا فقهيًا؟
لم تكن أم
الدرداء الصغرى شخصية عابدة فقط، بل كانت صاحبة علم، وشهادة مكحول: «كانت أم
الدرداء فقيهة» تحمل دلالة كبيرة؛ لأن الفقه في ذلك العصر كان عنوان الرسوخ في فهم
الدين والقدرة على التعليم والإرشاد.
لم تكن مكانتها
قائمة على مجرد كثرة العبادة، بل على اجتماع المعرفة مع العمل، وهذا من أعظم خصائص
العلماء الربانيين؛ أن يتحول العلم عندهم إلى سلوك يراه الناس قبل أن يسمعوه.
وقد عرفت الأمة
الإسلامية عدداً من النساء العالمات اللواتي كان لهن حضور في نقل العلم وتعليمه،
مما يدل على أن معيار الفضل في البيئة العلمية الإسلامية لم يكن مرتبطاً بالجنس،
وإنما بالعلم والتقوى والأهلية.
ويمنحنا مسروق
رحمه الله صورة عملية لهذه المكانة العلمية في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛
فلما سُئل: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: «إي والذي نفسي بيده، لقد رأيت مشيخة
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض»(5)، فبلوغها
منزلةً يرجع فيها كبار الصحابة إلى علمها يؤكد أن المرأة العالمة لم تكن على هامش
المشهد العلمي، بل قد تصبح مرجعًا لأهله متى امتلكت الفقه والأهلية، وعلى هذا
الطريق تُفهم شهادة مكحول في أم الدرداء: «كانت أم الدرداء فقيهة»؛ فالمكانة
العلمية تُصنع بالرسوخ في المعرفة والعمل بها، لا بجنس صاحبها.
سر القيادة التربوية بعيدًا عن المناصب الرسمية
قال عون بن عبدالله:
«كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها»، وهذه العبارة القصيرة تكشف عن موقعها
الاجتماعي والعلمي؛ فقد كانت دارها أو مجلسها موضع اجتماع للعلم والذكر، يقصدها
الرجال والنساء للانتفاع.
لم تكن القيادة
هنا قائمة على منصب رسمي أو سلطة اجتماعية، وإنما على التأثير الناتج من الثقة
والاحترام، فالناس غالباً لا يتبعون الكلمات وحدها، بل يتبعون الشخص الذي يرى فيه
الناس صدق ما يقول.
وهذا لون من
القيادة التي تقوم على القدوة، فالمربي في الأسرة، والمعلم في المدرسة، والداعية
في المجتمع، لا يملك أعظم أدوات التأثير إلا حين يصبح سلوكه شاهداً على رسالته.
وقد صنع مصعب بن
عمير رضي الله عنه في المدينة تأثيرًا قريبًا من هذا المعنى حين بعثه النبي صلى
الله عليه وسلم ليعلّم الناس القرآن ويدعوهم إلى الله، فنزل على أسعد بن زرارة
وصار الناس يقصدونه للعلم وسماع القرآن، وحين جاءه أُسيد بن حضير ثم سعد بن معاذ
غاضبين، لم يستقبلهما بقوة أو خصومة، وإنما قال في هدوء: «أو تجلس فتسمع، فإن رضيت
أمرًا قبلته، وإن كرهته كفَّ عنك ما تكره»، فكان حسن خطابه وما سمعاه من القرآن
سببًا في إسلامهما، ثم إسلام بني عبد الأشهل(6)، وهكذا تصنع القدوة
الصادقة حول صاحبها مجالًا للتأثير؛ فيأتيه الناس ثقةً بما يحمل، كما كان عون بن عبدالله
وأصحابه يأتون أم الدرداء للذكر والانتفاع.
وفي زمن كثرت
فيه وسائل التأثير السريع، يبقى النموذج الصادق أكثر قدرة على صناعة التحول؛ لأن
الإنسان يتأثر بما يراه مجسداً أمامه أكثر مما يتأثر بالشعارات المجردة.
كيف يضبط الميزان النبوي الاجتهاد في العبادة؟
يذكر يونس بن
ميسرة أن النساء كن يتعبدن مع أم الدرداء، فإذا ضعفن عن القيام تعلقن بالحبال، وهذا
الخبر يرسم صورة شديدة الدلالة عن شدة الاجتهاد في العبادة عند أولئك النساء.
ومع أن هذا
المشهد يعبر عن علو الهمة، فإن فهمه ينبغي أن يكون في إطار تاريخي يصف حال قوم
عرفوا بالمبالغة في الاجتهاد والحرص على الطاعة، لا باعتباره دعوة لإلغاء طبيعة
الجسد وحدوده، فقد جاءت الشريعة بموازنة دقيقة بين العبادة وحفظ البدن.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إن لجسدك عليك حقاً» (رواه البخاري)، فالقوة الإيمانية لا تعني
إهمال الإنسان لجسده، وإنما تعني أن تكون الرغبات الجسدية منضبطة تحت قيادة الغاية
العليا.
ويضع الهدي
النبوي ميزانًا دقيقًا أمام هذا اللون من الاجتهاد؛ فقد دخل النبي صلى الله عليه
وسلم المسجد فرأى حبلًا ممدودًا بين ساريتين، فقيل له: هو حبل لزينب رضي الله
عنها، فإذا فترت تعلقت به، فقال صلى الله عليه وسلم: «حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم
نشاطه، فإذا فتر فليقعد»(7)، فالمشهد قريب من تعلق النساء بالحبال عند
ضعفهن عن القيام مع أم الدرداء، لكن التوجيه النبوي يضبط دلالته: علو الهمة مطلوب،
غير أن العبادة لا تُبنى على إنهاك الجسد ومقاومة حدوده، ومن ثم تكون صناعة
الإرادة في الاستمرار والانضباط، مع بقاء حق البدن محفوظًا.
وهنا تظهر قيمة
أم الدرداء الصغرى كمربية؛ فهي لم تكن تنقل العبادة باعتبارها انقطاعاً عن الحياة،
بل باعتبارها صناعة للإرادة، والإنسان المعاصر يحتاج إلى هذا المعنى في مواجهة
التشتت والكسل؛ أن يتعلم الانضباط، وأن يبني عادات ثابتة، مع مراعاة السنن النفسية
والجسدية.
كيف يحمي الزهد المجتمع من طغيان الاستهلاك؟
تكشف سيرة أم
الدرداء الصغرى أن الزهد الحقيقي ليس هروباً من المجتمع، بل تحرير للإنسان من
عبودية الأشياء، فالزاهد ليس من يملك القليل فقط، بل من لا يملك المال قلبه.
في مجتمع الشام
الذي عرف اتساعاً في العمران والمال، كان وجود شخصيات مثل أم الدرداء الصغرى ضرورة
تربوية؛ لأنها تذكر الناس بأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، وإنما بما يحمل من
علم وإيمان وأثر.
وهذا المعنى
حاضر في عالم اليوم؛ فمع ازدياد الاستهلاك والمقارنات الاجتماعية، يحتاج الإنسان
إلى بناء معيار داخلي للنجاح، حتى لا يصبح أسيراً لنظرة الآخرين أو لمظاهر الحياة
الخارجية.
لماذا خلد التاريخ مواقف أم الدرداء الصغرى؟
تتميز مواقف أم
الدرداء الصغرى بقوة الصورة وقلة الكلمات، فعبارة «لا تسألي أحداً شيئاً» تختصر
فلسفة كاملة في الاستقلال بالله، ومشهد جمع ما يسقط من الحصادين يختزن معنى العمل
والصبر والقناعة.
أما صورة النساء
المتعلقات بالحبال أثناء العبادة فهي مشهد أدبي يحمل معنى المجاهدة وقوة التعلق
بالغاية، ولذلك بقيت هذه الأخبار في كتب التراجم؛ لأنها لا تنقل معلومات فقط، بل
تقدم صوراً حية عن نماذج بشرية استطاعت أن تجعل الإيمان قوة محركة للسلوك.
تقدم أم الدرداء
الصغرى نموذجاً نادراً للمرأة التي اجتمع فيها العلم والعبادة والتأثير، فلم تكن
عظمتها في موقف واحد، بل في بناء متكامل للإنسان؛ عقل يتفقه، ونفس تتعفف، وروح
تتعبد، ومجتمع ينتفع.
إن الرسالة الكبرى في سيرتها أن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من إنسان يعرف قيمة نفسه، ويستمد عزته من صلته بالله، ويحول العلم إلى عمل، والعبادة إلى أثر، والقدوة إلى طريق إصلاح.
الهوامش
- 1 أم الدرداء السيدة العالمة الفقيهة، هجيمة -وقيل: جهيمة- الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص278.
- 3 رواه البخاري.
- 4 سير أعلام النبلاء، ج3، ص48 (ترجمة حكيم بن حزام).
- 5 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص125-126.
- 6 سيرة ابن هشام، ج2، ص58-62.
- 7 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص21.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً