رحلة بناء العالم
حفظ العلم بالكتابة.. تجربة سعيد بن جبير
أورد الإمام الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ جَعْفَرِ بنِ أَبِي المُغِيْرَةِ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ
جُبَيْرٍ، قَالَ: «رُبَّمَا أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَكَتَبْتُ فِي صَحِيْفَتِي
حَتَّى أَمْلأَهَا، وَكَتَبْتُ فِي نَعْلِي حَتَّى أَمْلأَهَا، وَكَتَبْتُ فِي
كَفِّي»(1).
يمثل هذا الأثر
مشهدًا بليغًا من مشاهد صناعة العلماء في الجيل الأول من التابعين؛ فهو لا يعرض
مجرد صورة لطالب علم يكتب ما يسمع، وإنما يكشف عن عقلية كاملة ترى المعرفة أمانة
لا يجوز أن تضيع، وترى لحظة اللقاء بالعالم فرصة قد لا تتكرر.
وسعيد بن جبير رحمه الله من كبار التابعين، أخذ العلم عن عدد من الصحابة، وكان من أبرز تلامذة
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي اشتهر بسعة العلم في التفسير والفقه، ويأتي
هذا الموقف في زمن كانت فيه علوم الصحابة تنتقل إلى جيل التابعين، فكان الحرص على
التلقي والضبط والتدوين جزءًا من بناء الذاكرة العلمية للأمة.
لماذا حث الصحابة والعلماء على كتابة العلم؟
ينقل المشهد
صورة عميقة للحرص على كتابة ما يتلقاه سعيد بن جبير من علم ابن عباس رضي الله
عنهما، وليس هذا الحرص إلا دليل على الإيمان بأهمية الكتابة في حفظ العلم، وقد
أقسم الحق سبحانه وتعالى بالقلم في قوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)، فقد أقسم الله
بالقلم وما يسطر به؛ إشارة إلى مكانة الكتابة والتوثيق في حفظ المعارف.
وقد أسهمت
الكتابة في حفظ القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة بالإضافة إلى ما كان
محفوظا في الصدور، إلا أنه بمرور الوقت وموت الحفاظ وانشغال الناس كانت الكتابة من
أوثق ما يحفظ العلوم وينقلها بين الأجيال.
قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ»(2)، وعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ، قَيِّدُوا الْعِلْمَ
بِالْكِتَابِ»(3)، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «خَيْرُ مَا قُيِّدَ
بِهِ الْعِلْمُ الْكِتَابُ» وعَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَمَعَ
الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ فَقَالَ: «يَا بَنِيَّ
إِنَّكُمُ الْيَوْمَ صِغَارُ قَوْمٍ أَوْشَكَ أَنْ تَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ
فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْكُمْ فَلْيَكْتُبْهُ»(4).
وقال الإمام
مالك:
العلم صيد والكتابة
قيده قيد
صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن
تصيد غزالة وتفكها بين الخلائق طالقه(5)
الجمع بين الحضور الذهني والتدوين عند العلماء
اللافت للأنظار
في قصة سعيد بن جبير أن الكتابة عنده لم تكن إجراءً شكليًا، بل كانت جزءًا من منهج
التعلم، فهو لا يكتفي بالسماع، ولا يعتمد على قوة الذاكرة وحدها، وإنما يجمع بين
الحضور الذهني والتوثيق العملي.
فالعلم في ذاته
نعمة، لكنه يحتاج إلى وسائل تحفظه وتنقله، ولهذا اهتم علماء الإسلام بالكتابة إلى
جانب الحفظ، لأن الذاكرة البشرية معرضة للنسيان، بينما التقييد يعين على المراجعة
والضبط، فعن إسماعيل بن عبد الملك قال: «كنتُ جالسًا عند عَطَاء، فحدَّثه رجلٌ
بحديثٍ، فقال عَطَاءٌ لابنِه: اكتُبْه»(6)، وعَنْ أَبِي قِلَابَةَ
قَالَ: «الْكِتَابُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ النِّسْيَانِ» وعَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: «كُنْتُ سَيِّئَ الْحِفْظِ فَرَخَّصَ لِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي الْكِتَابِ» وعن سَوَادَةُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ:
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَكْتُبِ الْعِلْمَ فَلَا
تَعُدُّوهُ عَالِمًا» وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: «لَوْ لَمْ يُكْتَبِ
الْعِلْمُ لَذَهَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا كِتَابَةُ الْعِلْمِ أَيُّ شَيْءٍ
كُنَّا نَحْنُ؟»، وعن أَبي زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ،
وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، يَقُولَانِ: «كُلُّ مَنْ لَا يَكْتُبِ الْعِلْمَ لَا
يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ»(7).
وهذا المبدأ
يحتاج إليه عصرنا مع كثرة تدفق المعلومات؛ فليست المشكلة اليوم في الوصول إلى
المعرفة، وإنما في القدرة على حفظها وتنظيمها وتحويلها إلى فهم نافع.
كيف تجاوز سعيد بن جبير عقبة قلة الأدوات؟
ليست العبارة:
«فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي» مجرد وصف
لطريقة كتابة، بل هي صورة نفسية عميقة لإنسان امتلأ قلبه بتعظيم العلم حتى أصبحت
الوسائل الثانوية لا تقف أمام الهدف الأكبر.
لقد بدأ سعيد بن جبير بالصحيفة، وهي الأداة الطبيعية للتدوين، فلما انتهت مساحتها لم ينتهِ حرصه، بل
انتقل إلى ما هو متاح من حوله، وهذه الحركة تكشف عن قاعدة مهمة في حياة أصحاب
الهمم العالية؛ أن نقص الأدوات لا يساوي توقف المسير.
فالإنسان الذي
يرى العلم غاية عظيمة يبحث عن الحلول، أما من يرى التعلم أمرًا ثانويًا فإنه يجعل
الظروف عذرًا دائمًا للتأجيل، ولهذا كانت الكتابة على النعل والكف تعبيرًا عن
أولوية المعنى على الشكل؛ فالقيمة لم تكن في الورق ذاته، بل في حفظ ما يحمله الورق
من علم.
وقد عانى
الأوائل كثيراً في مسألة الكتابة بسبب نقص الإمكانيات، إذ كانوا يكتبون على الرقاع
واللخاف (حجارة بيض رقاق عراض) وعسب النخل والجلود والعظام ونحوها(8).
ومع صعوبة هذه
الوسائل إلا أنهم كانوا يحرصون أشد الحرص على تجاوزها والاستعانة بكل ما هو متاح
من أجل تحقيق الهدف وهو حفظ العلوم والآداب.
تقديم المقاصد الشرعية على المظاهر والأشكال الاجتماعية
قد يرى بعض
الناس في الكتابة على النعل أو الكف صورة غير معتادة، لكن هذه الصورة تكشف عن
ترتيب مختلف للأولويات، فسعيد لم يكن مشغولًا بصورة الإنسان أمام الآخرين بقدر
انشغاله بحفظ العلم.
وهذا لا يعني
إهمال المظهر أو النظام، وإنما يعني أن الوسائل لا ينبغي أن تطغى على المقاصد، فحين
تتعارض راحة الإنسان أو صورته الاجتماعية مع تحقيق مقصد عظيم، فإن أصحاب الرسالات
يقدمون الأهم.
وهذا المعنى
حاضر في كل مجال من مجالات الحياة؛ فالباحث الجاد، والمعلم المخلص، وصاحب المشروع
النافع يحتاجون إلى تجاوز كثير من المظاهر التي قد تستهلك الوقت والطاقة دون أثر
حقيقي.
تحويل العوائق المادية إلى دوافع للإنجاز العلمي
يكشف موقف سعيد بن جبير عن قدرة نفسية نادرة: تحويل النقص إلى دافع، فلم ينظر إلى قلة أدوات
الكتابة على أنها مشكلة توقفه، بل أعاد ترتيب الأولويات؛ فبقاء المعلومة محفوظة
كان أهم من راحة الوسيلة.
وهذه السمة تظهر
في شخصيات العلماء الكبار عبر التاريخ؛ إذ لم تكن عظمة إنجازاتهم ناتجة دائمًا عن
توفر الظروف المثالية، بل عن قدرتهم على استثمار الموجود، فكم من عالم بدأ من بيئة
محدودة الإمكانات، لكنه امتلك إرادة جعلته يتجاوز حدود الواقع.
وفي حياة الناس
اليوم يظهر هذا المعنى في ميادين التعليم والعمل والدعوة؛ فالعائق الأكبر غالبًا
ليس غياب الوسائل، وإنما غياب الدافع المنظم، ومن امتلك وضوح الهدف استطاع أن يحول
المتاح القليل إلى بداية لمشروع كبير.
أثر ملازمة العلماء في بناء الشخصية العلمية
لم يكن ارتباط
سعيد بن جبير بابن عباس مجرد علاقة سماع، بل كان اتصالًا بمدرسة علمية متكاملة، فالعالم
الكبير لا يمنح طلابه المعلومات فقط، وإنما ينقل إليهم طريقة التفكير، ومنهج
التعامل مع النصوص، وأدب الطلب، وأخلاق الباحث.
وقد كان ابن
عباس رضي الله عنهما من أعلام التفسير، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم
بالفقه في الدين، حيث روى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم في بيت ميمونة، فوضعت له وَضُوءاً من الليل، فقالت له ميمونة: وضَع لك
هذا عبد الله بن عباس، فقال: «اللهم فقِّهْه في الدِّين، وعلِّمه التأويل»(9)،
وكان من آثار هذه البركة أن أصبح مرجعًا في العلم، وانتفع به عدد كبير من
التابعين.
ومن هنا نفهم أن
حرص سعيد على الكتابة لم يكن حرصًا على جمع كلمات مجردة، بل كان حرصًا على التقاط
ميراث علمي كامل، فهو لم يكن يكتب حروفًا فقط، وإنما كان يبني أصول عالم المستقبل.
كيف تتحول الجلسة الواحدة إلى مسار علمي؟
في هذا الأثر
درس عظيم في فقه الفرص؛ فقد أدرك سعيد بن جبير أن مجالسة ابن عباس ليست لحظة
عادية، وأن ما يسمعه من عالم بهذا القدر لا ينبغي أن يضيع.
فالفرص العلمية
لا تأتي دائمًا في صورة واضحة، وقد تكون جلسة واحدة أو لقاء واحد سببًا في بناء
مسار كامل في حياة الإنسان، ولهذا كان العلماء يحرصون على الرحلة، والسماع،
والكتابة، والمراجعة.
فعن خَالِدَ
بْنَ خِدَاشٍ الْبَغْدَادِيَّ قَالَ: وَدَّعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، فَقُلْتُ:
يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي
السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَكِتَابَةِ الْعِلْمِ
مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ»(10).
وفي واقعنا
المعاصر، فإن الاستفادة من أصحاب الخبرة تحتاج إلى الحضور الكامل؛ فليس المهم كثرة
اللقاءات، وإنما جودة الاستفادة منها، وتحويلها إلى معرفة قابلة للبناء عليها.
من صدق الطلب إلى استدامة الأثر العلمي
تكمن عظمة قصة
سعيد بن جبير في أن تلك الصحائف والكفوف لم تكن مجرد لحظات شخصية، بل كانت بداية
لطريق جعل اسمه حاضرًا في كتب العلماء والتراجم.
فالعلم الذي
يُطلب بإخلاص، ويُحفظ بعناية، ويُعمل به، يتحول من جهد فردي إلى أثر ممتد، وهذه هي
سنة العلم في تاريخ الأمم؛ يبدأ في قلب طالب صادق، ثم ينتقل إلى أجيال متتابعة.
ولهذا، فإن صورة
سعيد بن جبير وهو يكتب حيثما وجد مساحة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل رسالة تربوية
متجددة؛ أن صناعة العلماء تبدأ من احترام العلم، ومن الصبر على طريقه، ومن القدرة
على تقديم المعنى العظيم على العوائق الصغيرة.
دور توثيق العلوم في بناء الذاكرة الحضارية
لم يكن تدوين
سعيد بن جبير مجرد سلوك فردي، بل كان جزءًا من حركة حضارية واسعة لحفظ السنة
والتفسير والفقه، فالأمم لا تبني ذاكرتها إلا حين تحول التجارب والمعارف إلى أصول
مكتوبة ومنقولة.
وقد ظهر أن
شخصية سعيد بن جبير وغيرها من الشخصيات العلمية الفاعلة تجمع بين صفات العالم
الحقيقي؛ قوة الطلب، ودقة التلقي، والحرص على التوثيق، ثم القدرة على نقل العلم
للآخرين.
وفي عصر تتدفق
فيه المعلومات بسرعة كبيرة، تبرز الحاجة إلى هذا المعنى؛ فالمشكلة اليوم ليست قلة
المعلومات، بل القدرة على اختيار النافع، وضبطه، وتحويله إلى معرفة نافعة وسلوك
مؤثر.
وهكذا يتبين أن
صورة سعيد بن جبير وهو يكتب في صحيفته ثم في نعله ثم في كفه تظل من أكثر الصور
دلالة على أن الإرادة قد تسبق الإمكانات، فالعلم في بداياته لا يحتاج دائمًا إلى
بيئة مثالية، بل يحتاج إلى نفس تعرف قيمة ما تطلبه.
لقد صنعت هذه الروح علماء بقي أثرهم قرونًا طويلة، لأنهم تعاملوا مع المعرفة باعتبارها رسالة ومسؤولية، لا هواية عابرة، ومن هنا فإن استعادة هذا المعنى في زمننا لا تعني تقليد الوسائل القديمة، بل استحضار الروح التي صنعتها: الجد، والصبر، واحترام العلم، وتحويل التعلم إلى مشروع العمر.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 335).
- 2 المستدرك على الصحيحين: الحاكم (360).
- 3 الطبقات الكبرى: ابن سعد (7/ 22).
- 4 تقييد العلم: الخطيب البغدادي، ص 91.
- 5 إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (4/ 5).
- 6 المحدث الفاضل: ابن خلاد، ص 381.
- 7 جامع بيان العلم وفضله (1/ 316- 330).
- 8 تاريخ آداب العرب (1/ 197).
- 9 مسند أحمد بسند صحيح (3102).
- 10 جامع بيان العلم وفضله (1/ 322).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً