من الحضور العابر إلى التميز..
كيف يصنع السؤال ملكة القضاء؟ موقف شريح القاضي
أورد الذهبي
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ أَنَّ عَلِيّاً جَمَعَ النَّاسَ فِي
الرَّحْبَةِ، وَقَالَ: إِنِّي مُفَارِقُكم فَاجْتَمَعُوا فِي الرَّحْبَةِ
فَجَعَلُوا يَسْأَلُوْنَهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُم وَلَمْ يبْقَ إلَّا
شُرَيْحٌ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:
اذْهَبْ، فَأَنْتَ أَقْضَى العَرَبِ(1).
هذا الموقف الذي
نقله أهل السير والتراجم عن شريح القاضي يكشف جانبًا مهمًا من شخصية العالم الذي
لا يكتفي بحضور مجالس العلم، بل يعرف قيمة اللحظة العلمية ويستثمرها، والمشهد وقع
في سياق تاريخي حساس من أواخر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
حين اجتمع الناس في الرحبة بالكوفة للسؤال والانتفاع، فبرز شريح القاضي بسلوك مختلف عن
بقية الحاضرين؛ إذ بقي يسأل بعد انصراف الناس، فكان هذا الحرص سببًا في ظهور
منزلته العلمية والقضائية.
ولا تهدف هذه
القراءة إلى تجاوز حدود الرواية التاريخية أو بناء أحكام قطعية على كل تفاصيلها،
وإنما تنظر في الدلالات التربوية والعلمية التي يحملها هذا الخبر كما ورد في كتب
التراجم، وبخاصة ما يتعلق بصناعة طالب العلم، وأثر السؤال، وعلاقة المعرفة
بالمسؤولية.
كيف حول سؤال شريح القاضي الحضور لمعرفة؟
كان كثير من
الناس حاضرًا في الرحبة، وكلهم استفاد من مجلس أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه،
لكن الفارق ظهر في اللحظة التي ظن فيها الآخرون أن المجلس انتهى، فقد بقي شريح القاضي،
ولم يكن بقاؤه مجرد رغبة في الاستزادة، بل كان تعبيرًا عن إدراك عميق لقيمة العلم
حين يكون بين يدي أهله.
وقد أوضح القرآن
الكريم أن كثيرا من الأحكام والآداب إنما جاءت بطريقة السؤال والجواب، ففي العديد
من آيات القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ) (البقرة: 189)، حيث نجد ذلك في سورة «البقرة» و«النساء»
و«المائدة» و«الأعراف» و«الأنفال» و«الإسراء» و«الكهف» و«طه» و«الأحزاب» و«النازعات»..
وغيرها من صيغ الأسئلة والإجابة في كثير من المواضع، بل إنه سبحانه وتعالى أرشد
إلى أن الطريق إلى العلم هو السؤال، حيث قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، فالسؤال ليس علامة نقص، بل هو طريق انتقال
الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن التلقي العابر إلى الفهم الراسخ.
وهذه سمة ظاهرة
في مسيرة الصحابة والعلماء عبر التاريخ؛ فالعلماء الكبار لم يصنعهم مجرد قربهم من
مجالس العلم، وإنما صنعتهم قوة السؤال، وطول الملازمة، والصبر على التحصيل، فهذا
أبو هريرة رضي الله عنه الذي كان من المكثرين للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يكثر من الأسئلة، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم يوماً: «لَقَدْ
ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ
أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ..»(2)،
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ
يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ
عَنْهَا غَيْرُهُ»(3).
وكان الصحابة
يعتمدون في حل إشكالياتهم العلمية على السؤال، فعن أبي موسى الأشعري قال: «ما أشكل
علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا
عندها منه علما»(4).
وكان ابن عباس
رضي الله عنهما يلازم كبار الصحابة ويسألهم، حتى صار من أعلام التفسير والفقه، فعن
الزهري، قال: قال المهاجرون لعمر بن الخطاب: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟
قال: «ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول»(5)، وعن عَبْد
اللهِ بْن بُرَيْدَةَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْسَلَ إِلَى
دَغْفَلٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَعَنْ أَنْسَابِ النَّاسِ، وَسَأَلَهُ
عَنِ النُّجُومِ، فَإِذَا عَالِمٌ فَقَالَ: يَا دَغْفَلُ مِنْ أَيْنَ حَفِظْتَ
هَذَا؟ فَقَالَ: «حَفِظْتُ هَذَا بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ»(6).
وفي واقع
التعليم اليوم يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فكثير من المتعلمين يحضرون الدروس والدورات،
لكن القليل منهم يمتلك شجاعة السؤال العميق والمثابرة في البحث، والتميز غالبًا لا
يكون لمن يملك أكبر عدد من ساعات الحضور، بل لمن يحسن استثمار تلك الساعات.
دلالة ثبات شريح القاضي بعد انفضاض الناس على التميز
من أجمل ما في
صورة شريح القاضي أنه لم يكن أول السائلين ولا أكثرهم ظهورًا، لكنه كان آخر الباقين، وهذه
الصورة تحمل معنى تربويًا دقيقًا؛ فالأوقات التي ينسحب فيها الناس قد تكون هي
اللحظات التي تظهر فيها الفروق بين أصحاب الهمم، فالإنسان قد يتحرك مع الجماعة حين
يكون الطريق واضحًا والاهتمام عامًا، لكن أصحاب المشاريع الكبرى يظهرون حين يحتاج
الأمر إلى مبادرة شخصية، لقد انتهى نصيب الجمهور من الأسئلة، أما شريح القاضي فكان يرى أن
بقيّة الوقت ليست فراغًا، بل فرصة لا تعوض.
وهذا المعنى
يتكرر في حياة الناجحين؛ فالعالم الذي يقرأ بعد انتهاء الناس من القراءة، والباحث
الذي يتتبع المسألة بعد توقف الآخرين، والمتعلم الذي يسأل بعد انصراف المجلس، هم
الذين يبنون لأنفسهم عمقًا لا تصنعه المشاركة العابرة.
ومن هنا يظهر أن
صناعة النبوغ ليست دائمًا في كثرة الفرص، بل في حسن استثمار الفرص، والثبات على
الطريق بعد أن ينفض عنه الناس.
والناظر في غزوة «حنين» يدرك ذلك جيداً، فقد انفض كثير من الناس عن المعركة بسبب كثرة السهام التي
أتت الصحابة من خلف الجبل، وكاد الأمر ينتهي بالهزيمة بعد الفرار، لكن صناعة النصر
أتت بثبات الأبطال، حيث ثبت النبي صلى الله عليه وسلم، وحوله العباس وأفراد من
الصحابة، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ
حُنَيْنٍ؟ قَالَ الْبَرَاءُ، وَأَنَا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ
الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ
نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبْ، قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ»(7).
وليس هذا الثبات
في القتال فقط، بل في العبادة أيضاً، فقد ثبت عن عامر بن عبدالله بن الزبير في
العبادة والدعاء والقيام في المسجد بعد انفضاض الناس وانصرافهم من صلاة العشاء (العتمة)،
فيبقى رافعاً يديه يدعو حتى يُنادى بصلاة الصبح، فيصلي الصبح بوضوء العتمة(8).
أدب التلقي في جثو شريح القاضي على ركبتيه
لم يكن موقف
شريح القاضي مجرد أسئلة ألقاها، بل سبقه مشهد جسدي يحمل معنى نفسيًا وأخلاقيًا «فجثا على
ركبتيه»، وهذه الهيئة تعكس أدب المتعلم مع معلمه، وأن طلب العلم ليس مجرد جمع
معلومات، بل بناء للنفس قبل بناء العقل.
فالعلم في
التصور الإسلامي مرتبط بالتواضع؛ قال الله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114)، فجعل
الزيادة العلمية مطلبًا مستمرًا لا ينتهي عند مرحلة أو منزلة.
وقد كان العلماء
يعتنون بأدب الطالب كما يعتنون بمسائله، لأن النفس المتكبرة قد تحمل معلومات كثيرة
لكنها لا تنتفع بها حق الانتفاع، أما النفس المتواضعة فإنها تستقبل العلم وتتحول
به إلى أثر.
وفي حديث جبريل
عليه السلام بيان لما يجب أن يكون عليه طالب العلم فعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي
الله عنه، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ
يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ
سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا
أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ
رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْه، وَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ..»(9)، ففي هذا الوصف
بيان لآداب طالب العلم في حاله ومقاله، وكان ابن عباس رضي الله عنهما حين كان يجلس
بين يدي العلماء يهتم بكسر النفس والتواضع مع علو قدره ونسبه ليتعلم منهم(10).
وفي المؤسسات
التعليمية والدعوية المعاصرة، يبقى هذا المعنى حاضرًا؛ فنجاح المعلم لا يعتمد فقط
على جودة المادة، بل على وجود طلاب يعرفون قيمة التلقي ويحسنون التعامل مع أهل
الخبرة.
كيف بنى عمق السؤال ملكة القضاء لدى شريح بن الحارث؟
لم يكن مدح عليّ
رضي الله عنه لشريح مرتبطًا بمجرد كثرة الكلام، بل جاء بعد موقف ظهر فيه نوعية
اهتمامه وطريقة تفكيره، فالقضاء يحتاج إلى عقل يسأل، ويفحص، ويبحث عن التفاصيل،
ولا يكتفي بالظواهر.
والقاضي الناجح
ليس هو من يحفظ النصوص فقط، بل من يمتلك القدرة على تنزيلها على الوقائع، وفهم
مقاصدها، والنظر في اختلاف الأحوال، ولهذا كان الفقهاء يعتنون بملكة الفهم أكثر من
مجرد حفظ المسائل.
وقد اشتهر شريح
في كتب التراجم بأنه من قضاة الإسلام المعروفين، وتولى القضاء زمنًا طويلًا، فكان
هذا اللقب الذي أطلقه عليّ رضي الله عنه في الرواية انعكاسًا لمعنى ظهر في شخصيته؛
قوة النظر، ودقة الفهم، والقدرة على الاستنباط.
وهذه الأدوات من
العلم بالأدلة ودقة فهمها وقوة النظر فيها وحسن تنزيلها على الواقع والاجتهاد في
ضوئها إنما هي مؤهلات حقيقية للقاضي الذي أراده الإسلام، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ
جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى
الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ:
أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟»، قَالَ:
فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ
رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ صَدْرَهُ، وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(11).
وفي زماننا،
تحتاج مجالات القيادة والإدارة والقانون والتعليم إلى هذا النوع من العقول؛ عقول
لا تتعامل مع المعلومات كأرقام محفوظة، بل كأدوات لفهم الواقع وحل المشكلات.
فراسة القيادة في اكتشاف موهبة شريح القاضي
في الطرف الآخر
من المشهد تظهر شخصية القائد الذي يلاحظ الموهبة حين تظهر، فقد رأى عليّ رضي الله
عنه في شريح علامة من علامات النبوغ، فوجه إليه عبارة تزكية عظيمة: «اذهب فأنت
أَقضى العرب».
وهذه الصورة
تكشف جانبًا مهمًا من القيادة؛ القائد لا يكتفي بإدارة الموجودين، بل يبحث عن
الطاقات الكامنة بينهم، فكم من موهبة بقيت مخفية لأنها لم تجد من يلاحظها أو يفتح
لها الطريق.
والناظر في حياة
النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان حريصاً على اكتشاف الكفاءات الموجودة في
أصحابه ويحسن توظيفها، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو
بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً
عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ
اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ
بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ
أَمِينًا وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»(12).
وكان صلى الله
عليه وسلم يختار سفراءه استناداً إلى مواهبهم وقدراتهم، فهذا مصعب بن عمير رضي
الله عنه يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم سفيرًا ومقرئاً لأهل المدينة لقدرته على
التأثير والتعليم والتوجيه(13).
والقيادات
الناجحة في الأسرة والتعليم والمؤسسات هي التي تمتلك عينًا لاكتشاف القدرات، فتمنح
أصحابها الثقة والمسؤولية في الوقت المناسب، غير أن التزكية الحقيقية لا تُبنى على
المجاملة، بل على ظهور علامات الجدارة، فالموقف الذي سبق التزكية كان موقف عمل
وسلوك، وليس مجرد ادعاء أو طلب منزلة.
استثمار مبادرة شريح القاضي في صناعة قادة المستقبل
يحمل موقف شريح
رسالة تتجاوز زمانه؛ فالأمم لا تبنى بكثرة المستهلكين للمعرفة، وإنما بصناعة
الباحثين عنها، وكل بيئة علمية ناجحة تحتاج إلى أشخاص يملكون فضولًا منضبطًا،
وتواضعًا صادقًا، وقدرة على الاستمرار بعد أن ينصرف الآخرون.
في الأسرة يظهر
هذا المعنى حين نربي أبناءنا على السؤال والبحث لا على التلقي السلبي، وفي التعليم
يظهر حين نكافئ الطالب الذي يفكر ويناقش، وفي الدعوة يظهر حين نصنع جيلًا يفهم
النصوص ويعرف تنزيلها على الواقع.
إن شريحًا لم
يصبح قاضيًا بارزًا لأنه كان حاضرًا فقط، بل لأنه أحسن التعامل مع لحظة علمية
نادرة، فكان السؤال بداية طريق، وكان التواضع بوابة مكانة، وكانت المبادرة سببًا
في اكتشاف الموهبة.
وهكذا تبقى صورة الرجل الذي بقي في الرحبة بعد انصراف الناس درسًا خالدًا؛ أن أصحاب المراتب العالية غالبًا لا يكتفون بما يكفي غيرهم، ولا يغادرون الميدان عند أول علامة انتهاء، بل يبحثون عن الزيادة التي تصنع الفارق.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 50).
- 2 صحيح البخاري (99).
- 3 مسند أحمد (21261).
- 4 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 319).
- 5 الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 125).
- 6 المعجم الكبير: الطبراني (4/ 226/ 4201).
- 7 متفق عليه، أخرجه البخاري، (3042)، ومسلم (1776).
- 8 حلية الأولياء (3/ 166).
- 9 صحيح مسلم (8).
- 10 حلية الأولياء (1/ 31).
- 11 مسند أحمد (22007).
- 12 سنن ابن ماجه بسند صحيح (154).
- 13 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (2/ 8).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً