ما الفرق بين الوقار والكبر؟ جواب نافع بن جبير

عبدالله السيد

12 أكتوبر 2026

23

مشهد معاصر طبيعي لأب وابنه يشاركان في ترتيب مائدة المنزل؛ يربط الصورة بالتطبيق التربوي، دون تقديم رسم متخيّل على أنه صورة تاريخية.

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة نافع بن جبير(1)، عن القاسم بن عباس، عن نافع بن جبير، أنه قيل له: إن الناس يقولون كأنه؛ يعني التيه، فقال: «والله لقد ركبتُ الحمار، ولبستُ الشَّملة، وحلبتُ الشاة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فيمن فعل ذلك من الكِبْر شيء».

3 أفعال من تفاصيل الحياة اليومية يستحضرها نافع بن جبير في مواجهة اتهام يمسّ خُلُقه؛ مركب يركبه، وكساء يلبسه، وشاة يحلبها، لم يتحدث عن منزلة أسرته، ولا عن مقدار علمه، وإنما أحال إلى أعمال رأى فيها شاهدًا على ابتعاده عن الترفع، ومن هذا الجواب تنفتح مسألة أوسع من الدفاع عن شخص؛ كيف نميّز بين الوقار والاستعلاء؟ وما موقع الأعمال الظاهرة من صلاح القلب؟ وكيف يتحول التواضع من معنى نمدحه إلى سلوك نمارسه؟

كيف تزيد المكانة الاجتماعية من مسؤولية الأخلاق؟

نافع بن جبير عالم مدني من بني نوفل من قريش، وصفه الذهبي بالفقه والإمامة والحجة، وروى عن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه عدد من أهل العلم، فالموقف يتعلق برجل اجتمعت له مكانة علمية وانتساب إلى بيت قرشي معروف، لا بشخص مجهول الحضور في مجتمعه.

غير أن معرفة هذه المكانة لا تبيح لنا اختراع تفسير كامل للموقف، فالخبر لا يحدد سبب اتهامه بالتيه، ولا يصف هيئته حين قيل له ذلك، ولا يكشف دوافع المتكلمين فيه، لذلك لا نجزم بأنهم أساؤوا فهم وقاره، كما لا نجعل كلامهم برهانًا على فساد باطنه، وبين التبرئة المتعجلة والإدانة المتعجلة مساحة للإنصاف، قوامها الوقوف عند ما نعلم.

واللافت أن جوابه، كما تنقله الرواية، لم يتخذ النسب حجة على حسن الخُلُق؛ فلم يقل إن منزلته تمنع عنه التهمة، بل ذكر سلوكًا يراه مخالفًا لها، وهذا ينسجم مع الميزان القرآني الذي يجعل التفاضل بالتقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

ويؤكد أهمية تقديم العمل على المكانة ما رُوي في قصة مالك بن نويرة، حين قال لخالد بن الوليد رضي الله عنه في حديثه عن الصلاة والزكاة: «ما أرى صاحبكم إلا كان يقول ذلك»، فقال له خالد: «أو ما تراه لك صاحبًا؟!»(2)، وهو موقف يذكّر بأن الانتساب وحده لا يغني عن الالتزام بالحق، وأن العبرة بما يظهر من أقوال الإنسان وأفعاله، لا بمجرد مكانته أو شهرته.

وفي واقع الأسرة والتعليم والعمل، يمكن ترجمة هذا المعنى إلى قاعدة واضحة؛ أنه لا يصبح الإنسان أعدل لأنه يحمل اسمًا مشهورًا، ولا أحسن معاملة لمجرد ارتفاع درجته العلمية، المكانة تزيد مسؤوليته عن خُلُقه، ولا تغني عنه.

كيف نفرق بين الوقار الممدوح والكبر المذموم؟

قبل الحكم على الأشخاص، لا بد من ضبط الصفة التي نحكم بها عليهم، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الكبر حين سُئل عن محبة الإنسان أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»(3)، فالمعيار هو رد الحق تكبرًا، واحتقار الناس، لا مجرد حسن المظهر.

وبناء على هذا الميزان، لا يكفي أن يكون المرء قليل الكلام، أو حسن اللباس، أو معتنيًا بحدوده الشخصية، حتى يُوصف بالاستعلاء، وفي المقابل، لا تمنحه بساطة لباسه شهادة تعفيه من النظر في طريقة معاملته للآخرين، فقد يلبس الإنسان ثوبًا بسيطًا، ثم يرفض تصحيح خطئه لأن المصحح أصغر منه سنًّا أو أقل منزلة.

هنا تتضح قيمة التمييز بين الوقار والكبر؛ فالوقار لا يحتاج إلى إهانة أحد، أما الاستعلاء فيظهر حين تصبح كرامة الآخرين ثمنًا لتعظيم النفس.

ليست الغاية إذن أن نفقد شخصياتنا لتطمئن إلينا ظنون الناس، بل أن نحفظها من الظلم، وما أحوج المربي إلى أن يسأل نفسه عند الاختلاف: أأحمي الحق الذي أراه، أم أحمي صورتي من احتمال أن يكون الحق مع غيري؟

كيف نواجه أحكام الناس دون معاداة الناقل؟

تبدأ المحاورة بعبارة واسعة: «إن الناس يقولون»، وهي تنقل حكمًا متداولًا، لكنها لا تقدم في ذاتها تفاصيل الوقائع التي بُني عليها، ومن هنا تنشأ مسؤولية مزدوجة؛ مسؤولية من يسمع الكلام عن نفسه، ومسؤولية من ينقله أو يشارك في تداوله.

لا ينقل الخبر عن نافع بن جبير شتمًا للقائلين أو طعنًا في أنسابهم، وإنما ينقل جوابًا متعلقًا بمضمون الاتهام، وهذه ملاحظة في صيغة الجواب، لا كشف عن انفعالاته الخفية؛ إذ لا نملك أن نستخرج من كلمات معدودة وصفًا يقينيًّا لجميع أحواله النفسية، لكننا نستطيع أن نتعلم من بنية الرد أن مناقشة المعنى أجدى من تحويل الناقل إلى خصم.

وعلى الجانب الآخر، يضبط القرآن باب الظنون بقوله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: 12)، فلا ينبغي أن يتحول انطباع محتمل إلى حكم مستقر على القلوب، ولا أن تصبح كثرة ترديد الوصف بديلًا عن التثبت.

وفي بيئة العمل مثلًا، يختلف قولنا: «قاطع زميله مرارًا ولم يسمح له بإكمال رأيه» عن قولنا: «هو متكبر بطبعه»، الأول يصف سلوكًا يمكن مناقشته وإصلاحه، أما الثاني فيوسّع الحكم إلى الشخصية كلها، ومن يريد النصح فليقرّبه من الواقعة، ومن يتلقى النصح فليسأل عن الواقعة قبل أن يدافع عن صورته.

كيف اختبر نافع بن جبير حقيقة تواضعه؟

لم يجمع نافع بن جبير أفعاله الثلاثة جمعًا خاليًا من الدلالة؛ فهي تتصل بمركبه وملبسه وخدمته لنفسه، ويمكن قراءة اجتماعها بوصفه انتقالًا من وسائل الظهور أمام الناس إلى مباشرة عمل نافع باليد.

ففي قوله: «ركبت الحمار» شاهد على عدم الامتناع عن هذا المركب استنكافًا، والمعنى التربوي الذي يمكن نقله إلى زماننا ليس إلزام الناس بوسيلة نقل معينة، وإنما مسألة الصلة بين الوسيلة والكرامة: هل أستعمل ما يناسب حاجتي، أم أشعر أن قيمتي تنهار حين لا تتوافر لي مظاهر المكانة التي اعتدتها؟

وفي قوله: «لبست الشملة» ينتقل النظر إلى اللباس، والشملة كساء يتغطى به الإنسان ويلتف فيه(4)، وقد ربط الشرح بين هذه الأعمال وبين ترك الأنفة التي تحمل المتكبر على اجتنابها.

وليس في الخبر بيان لقيمة ذلك الكساء، ولا مقدار ثروة صاحبه، حتى نبني عليه قصة مفصلة عن تخليه عن الرفاهية، القدر الذي يخدم المعنى أن نافعًا لم ير هذا اللباس مما يتنزه عنه صاحب المنزلة، وفي التربية المعاصرة، تظهر ثمرة ذلك حين يتعلم الأبناء أن جودة الثوب شيء، وكرامة لابسه شيء آخر، وأن الاختلاف في القدرة على الشراء لا يبيح السخرية ولا الاحتقار.

أما قوله: «حلبت الشاة» فيحمل المعنى إلى مباشرة الخدمة؛ فاليد التي تملك أن تأمر غيرها لا تستنكف أن تعمل، ويمكن أن يقابل ذلك اليوم إعداد الطعام، أو ترتيب المكان، أو العناية بحاجات الأسرة، بحسب القدرة والظرف.

وليست هذه الثلاثية إحصاءً لجميع منافذ الكبر، ولا يمنح العدد ثلاثة سرًّا يستوعب أمراض النفس، إنها أمثلة ملموسة على ميادين يظهر فيها الترفع، وتمنح القارئ أسئلة عملية أصدق من الاكتفاء بمدح التواضع.

الفرق الدقيق بين تبرئة النفس وتزكيتها المذمومة

قد يبدو في الموقف سؤال دقيق: كيف يدفع الإنسان عن نفسه تهمة الكبر دون أن يقع في الإعجاب بتواضعه؟ والفرق يبدأ من غرض الكلام وحدوده، فبيان واقعة لدفع اتهام ليس هو إعلان الطهارة المطلقة، وذكر عمل محدد ليس حكمًا نهائيًّا على جميع خفايا القلب.

وقد بيّن النووي عند الكلام على فضائل ابن مسعود، جواز ذكر الإنسان فضيلته لحاجة، كدفع شر أو تحصيل مصلحة، وميّز ذلك عن مدح النفس للفخر والإعجاب(5)، فالمعتبر ليس مجرد حديث المرء عن نفسه، بل ما يحمله عليه، وما يقصد الوصول إليه

ومع هذا يبقى التحذير القرآني قائمًا: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (النجم: 32)، فالحاجة إلى البيان لا تعني الاستغناء عن المحاسبة، ولا تجعل صاحب العمل الحسن بمنأى عن الخطأ.

كيف تصنع خدمة الأهل حاجزاً ضد الكبر؟

يلفت حلب الشاة إلى أن تربية النفس لا تنحصر في الأقوال التي تسمعها، بل يدخل فيها ما تعتاده الجوارح، ويمكن للأعمال اليومية أن تصبح مجالًا لمقاومة الاستنكاف، حين يباشر الإنسان النافع منها دون أن يراه دون قدره.

وفي السنة شاهد صحيح يغني عن تكلف الأخبار: سُئلت عائشة رضي الله عنها عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته، فقالت: «كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة»(6) فلم تمنعه عظمة رسالته من خدمة أهله.

ومن هذا الهدي يمكن أن يستمد الوالدان طريقة تربوية واضحة: إشراك الأبناء في شؤون البيت، مع مشاركتهم فيها، دون تصوير الخدمة عقوبة أو علامة على انخفاض المكانة، فحين يجمع الأب أدوات الطعام، أو يعتني الابن بحاجات والديه، أو يرتب المعلم مع طلابه موضع نشاطهم، تصبح الكرامة متصلة بحسن المشاركة، لا بالقدرة على إعفاء النفس منها.

غير أن احترام العمل لا يكتمل دون احترام من يقوم به، فلا معنى لأن يباشر المرء خدمة عابرة، ثم يسيء إلى العامل الذي يؤديها كل يوم، وقد شهد أنس رضي الله عنه، بعد عشر سنين من خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لم يقل له «أف»(7) وهذا شاهد على أن العبرة ليست بالخدمة وحدها، بل بالخُلُق المصاحب للعلاقة بمن يخدم

حين يصبح التواضع وسيلة خفية لطلب الثناء

يبقى وراء الأفعال سؤال النية، فالعمل نفسه قد يُفعل خدمةً لله وللناس، وقد يتحول إلى وسيلة لطلب الثناء، والأصل النبوي في ذلك واضح: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(8)، فلا تُختزل القيمة الأخلاقية في صورة العمل المنفصلة عن القصد.

وليس معنى هذا اتهام كل عمل معلن بالرياء، ولا مطالبة الناس بتفتيش ضمائر بعضهم، إنما هو باب لمحاسبة النفس: هل أرضى بالعمل حين لا يُذكر اسمي؟ وهل أستمر في المعاملة الحسنة حين لا أجد تقديرًا؟ وهل أطلب من الآخرين أن يشهدوا لي بالتواضع، ثم أغضب لأنهم لم يمنحوني تلك الشهادة؟

ويضع القرآن الأمر في أفق أوسع من السمعة الاجتماعية: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83)، فالآية تتجه إلى إرادة العلو، لا إلى صورته الخارجية وحدها؛ وفي ذلك دعوة إلى مراجعة ما نطلبه من المكانة، لا مجرد مراجعة ما نظهر به أمام الناس.

رفعة لا تحتاج إلى استعلاء

يعيدنا خبر نافع بن جبير إلى الحياة التي تختبر صدق ما نقوله عن أنفسنا، فالتواضع ليس كلمة ننفي بها التهمة، ولا هيئة نكتسب بها إعجاب الناظرين؛ إنه علاقة بالحق حين يخالفنا، وبالناس حين لا يملكون نفعنا، وبالعمل حين لا يوافق ما نتخيله لمنزلتنا.

ومهما اختلفت المراكب والملابس وأشكال الخدمة بين عصر وعصر، يبقى السؤال قريبًا: ما الذي نستنكف عنه لأنفسنا، ونرضاه لغيرنا احتقارًا لهم؟ عند هذا السؤال تتحول القصة من خبر نقرأه إلى مرآة نراجع فيها سلوكنا، وتلك رفعة لا تحتاج إلى أن تصغّر أحدًا، ووقار لا يخاف أن يخدم، وكرامة لا تضيق بأن يكون الحق مع سواها.

الهوامش
  • 1 نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، الفقيه الإمام الحجة، أبو محمد، وقيل: أبو عبدالله القرشي النوفلي المدني، أخو محمد بن جبير.
  • 2 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج1، ص135.
  • 3 رواه مسلم (91).
  • 4 كما نقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» عند شرح الحديث.
  • 5 شرح صحيح مسلم.
  • 6 رواه البخاري (676).
  • 7 رواه البخاري (6038).
  • 8 رواه البخاري (1).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة