متى لا تكفي الكفاءة الإدارية؟ درس يزيد بن أبي مسلم
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة يزيد بن أبي مسلم(1)، أن الحجاج استخلفه عند
موته على أموال الخراج، فضبط ذلك، وأقرَّه الوليد، حتى قال: «مَثَلي ومَثَلُ
الحجاج وأبي العلاء، كمن ضاع منه درهم فوجد دينارًا»(2).
تكشف هذه
الرواية عن جانب مهم من تاريخ الإدارة في الدولة الأموية؛ إذ تبرز قيمة الكفاءة في
حفظ الأموال واستمرار الأعمال عند تغير القادة، وتثير سؤالًا عن العلاقة بين
الإتقان المهني والعدالة في ممارسة السلطة.
فقد عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، قبيل موته سنة خمس وتسعين للهجرة، إلى كاتبه ومشيره يزيد بن أبي
مسلم بأموال الخراج، فنجح في ضبطها، وأقره الخليفة الوليد بن عبدالملك، وأظهر
إعجابه به في تشبيه جعل فيه الدينار مقابل الدرهم، غير أن بقية سيرة يزيد بن أبي مسلم تكشف أن
النجاح الإداري لا يكفي وحده للحكم على صلاح صاحبه، وهو ما يمنح هذه القصة دلالتها
التربوية والقيادية الأعمق.
لماذا لا تتوقف المؤسسات الناجحة برحيل القائد؟
كان الحجاج بن
يوسف صاحب نفوذ واسع في العراق والمشرق الإسلامي، ولذلك مثّل موته انتقالًا مهمًا
في إدارة تلك الأقاليم، وفي مثل هذه الظروف قد تضطرب الأعمال إذا ارتبطت بشخص
القائد دون وجود من يستطيع مواصلتها.
لكن استخلاف
يزيد بن أبي مسلم على أموال الخراج أتاح استمرار جانب مهم من الإدارة المالية، وتلخص
عبارة الذهبي «فضبط ذلك» نجاحه في المهمة التي أسندت إليه، وإن كانت الرواية لا
تفصل الإجراءات التي اتبعها أو مقدار الأموال التي حافظ عليها.
ثم جاء إقرار
الوليد بن عبدالملك ليؤكد أهمية الاستفادة من الخبرة القائمة، وعدم جعل تغير
القيادة سببًا لاستبعاد العاملين السابقين دون النظر إلى كفاءتهم.
وهذا المعنى
يتجاوز الحادثة التاريخية إلى المؤسسات المعاصرة؛ فالقيادة الناجحة لا تقاس فقط
بما تحققه في أثناء وجودها، بل بما تتركه من خبرات وأنظمة قادرة على مواصلة العمل
بعدها، كما أن الإدارة الجديدة لا تبدأ بالضرورة من الصفر، وإنما تبني على ما ثبت
نفعه، وتراجع ما يحتاج إلى إصلاح.
وتبرز أهمية
استمرارية العمل رغم تغيّر القيادة في موقف خالد بن الوليد رضي الله عنه، حين عزله
عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قيادة جيوش الشام، وولّى أبا عبيدة بن الجراح
مكانه؛ فلم تتوقف الجيوش عن أداء مهامها، بل استمرت الفتوحات، وواصل خالد مشاركته
في القتال تحت قيادة أبي عبيدة(3)؛ مما يؤكد أن نجاح العمل لا يرتبط
ببقاء شخص في منصبه، وإنما بتقديم المصلحة العامة واستمرار أداء المسؤوليات رغم
تغيّر القيادات.
ومن هنا فإن
إعداد البدائل المؤهلة، وتوثيق الإجراءات، وتوزيع المعرفة بين العاملين، من أهم
وسائل حماية المؤسسات من الاضطراب عند انتقال المسؤوليات.
لماذا لا تكفي الثقة الشخصية لتولي المناصب المالية؟
كان يزيد بن أبي مسلم كاتب
الحجاج ومشيره، وهي مكانة أتاحت للحجاج معرفة خبرته وقدرته على إدارة الأعمال، غير
أن المسؤولية المالية تحتاج إلى ما هو أبعد من القرب الشخصي؛ فهي تتطلب معرفة
دقيقة وقدرة على ضبط الأموال وحفظ الحقوق.
وهذا المعنى
يلتقي مع قول الله تعالى على لسان إحدى المرأتين في قصة موسى عليه السلام: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).
فالقوة تتحدد
بحسب طبيعة العمل؛ فقوة المسؤول المالي في معرفته ودقته، وقوة المعلم في تمكنه من
التعليم، وقوة القاضي في علمه وقدرته على الفصل بين الخصوم، أما الأمانة فهي التي
تمنع توظيف هذه القدرة في غير موضعها.
ويتأكد هذا
المعنى في قول يوسف عليه السلام: (اجْعَلْنِي
عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)؛ فقد جمع
بين الحفظ والعلم، لأن سلامة المقصد لا تغني عن حسن الأداء، كما أن المهارة لا
تكفي إذا افتقد صاحبها الأمانة.
ولا يعني
الاستشهاد بهاتين الآيتين تزكية يزيد تزكية مطلقة، وإنما بيان المعيار الذي ينبغي
أن تُقوَّم به المسؤوليات.
وقد نبّه النبي
صلى الله عليه وسلم إلى خطورة تولي المناصب دون القدرة على أداء حقوقها، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي
وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»(4).
ومن ثم فإن حسن
الاختيار في المؤسسات التعليمية والخيرية والإدارية يقوم على الجمع بين الخبرة
والاستقامة، لا على العلاقات الشخصية أو الوجاهة الاجتماعية وحدهما.
كيف يقيّم القادة كفاءة الأفراد بعيدًا عن شهرتهم؟
بلغ إعجاب
الوليد بن عبدالملك بيزيد بن أبي مسلم أن قال: «مثلي ومثل الحجاج وأبي العلاء، كمن
ضاع منه درهم فوجد ديناراً».
اختصر الوليد
بهذا التشبيه تقديره ليزيد في صورة محسوسة؛ فالدرهم من الفضة، والدينار من الذهب،
وهو أعلى منه قيمة، فكأن الخليفة يصور انتقال المسؤولية من الحجاج إلى أبي العلاء
بحال رجل فقد شيئًا ثم وجد ما هو أنفس منه.
وتكمن بلاغة
العبارة في إيجازها وقدرتها على تقريب المعنى، لكنها لا تعني بالضرورة أن يزيد
أفضل من الحجاج في جميع الصفات، وإنما يفهم الثناء في سياق كفاءته في ضبط الخراج، كما
لا يصح تحويل التشبيه إلى نسبة حسابية لزيادة الإيرادات؛ فالرواية لا تتضمن
أرقامًا تسمح بذلك.
ويكشف هذا
الموقف أهمية تقويم الأشخاص بحسب أثرهم في المهمة التي يتولونها، لا بمجرد شهرتهم
أو مكانتهم، فقد يكون الرجل قليل الظهور عظيم النفع، بينما تحجب المكانة
الاجتماعية أو النفوذ السياسي مقدار الكفاءة الحقيقية في العمل.
وهذه القضية
حاضرة في المؤسسات المعاصرة؛ إذ قد ينال صاحب الحضور الإعلامي التقدير الأكبر، مع
أن أعمالًا أساسية يؤديها موظفون لا يعرفهم الجمهور.
والتقدير المنصف
ينبغي أن يرتبط بجودة الإنجاز، ومدى نفعه، وسلامة الوسائل التي تحقق بها، حتى لا
تتحول النتائج الظاهرة إلى المعيار الوحيد للحكم على الأداء.
ويظهر تقدير
الكفاءة والإنجاز في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من خالد بن الوليد رضي الله
عنه؛ إذ أدرك ما يتمتع به من قدرة عسكرية وقيادية، فلم يستجب للمطالبة بعزله،
وقال: «ما كنتُ لأشيم سيفًا سلَّه الله عليهم أبدًا»(5)؛ تقديرًا
لكفاءته في قيادة الجيوش، وإدراكًا لأهمية توظيف قدرات الرجال فيما يحسنون، بعيدًا
عن الاعتبارات الشخصية.
كيف أسقط التعسف بالسلطة يزيد بن أبي مسلم؟
لا تكتمل قراءة
شخصية يزيد بن أبي مسلم عند ثناء الوليد عليه؛ فقد ذكر الذهبي في بقية ترجمته أن أمره فُحص في
عهد سليمان بن عبدالملك، فلم يجدوا أنه خان في درهم.
وهذا خبر يشير
إلى جانب من ضبطه المالي، لكنه لا يعني بالضرورة استقامته في سائر تصرفاته؛ فقد
تولى يزيد إفريقية في عهد يزيد بن عبدالملك، وذكر الذهبي أن جماعة ثارت عليه
فقتلته سنة اثنتين ومائة للهجرة، ونقل أن ذلك كان لظلمه.
وهنا تظهر إحدى
أهم دلالات سيرته: قد يحسن الإنسان إدارة المال، لكنه لا يحسن ممارسة السلطة على
الناس.
فالدقة في
الحسابات لا تستلزم العدالة في المعاملة، والمحافظة على الموارد لا تبيح التعسف في
تحصيلها، ولهذا جمع القرآن الكريم بين أداء الأمانات والحكم بالعدل في قوله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ
النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).
ولا ينبغي أن
يحجب ما نقل عن ظلم يزيد نجاحه في المهمة المالية التي أُسندت إليه، كما لا يصح أن
يصبح ذلك النجاح مبررًا لأخطائه، فالقراءة المنصفة تميز بين جوانب الشخصية، ولا
تجعل موقفًا واحدًا أساسًا للحكم المطلق عليها.
وفي واقع
المؤسسات قد يحقق مسؤول زيادة ملحوظة في الإيرادات أو خفضًا في النفقات، لكن نجاحه
يبقى ناقصًا إن تحقق بإهدار حقوق العاملين أو الإضرار بالمستفيدين.
ولذلك لا يكتمل
تقويم الأداء بالسؤال عن مقدار الإنجاز، بل لا بد من النظر في وسائله وآثاره، فالإدارة
الرشيدة تحفظ المال والحقوق معًا، ولا تجعل أحدهما على حساب الآخر.
كيف تحمي المؤسسات نجاحها من تجاوزات سلطة الأفراد؟
تجمع هذه
الرواية بين ثلاثة معانٍ مترابطة: إعداد الكفاءات القادرة على استمرار العمل،
وتقدير الإنجاز الحقيقي، وربط المسؤولية بالأمانة والعدل.
فاختيار الحجاج
ليزيد بن أبي مسلم يعكس أهمية معرفة قدرات العاملين، وإقرار الوليد له يبرز قيمة المحافظة على
الخبرات، بينما تنبهنا بقية سيرته إلى أن الكفاءة الفنية لا تغني عن الرقابة
والمحاسبة.
ومن هنا فإن
المؤسسة الناجحة لا تعتمد على مهارة أفرادها وحدها، بل تبني أنظمة واضحة للمسؤولية
والمتابعة، تحفظ المصالح وتمنع إساءة استعمال السلطة.
وقد أكد التابعي
أبو مسلم الخولاني أن نجاح المسؤول لا يُقاس بحسن إدارة الأموال وحدها، بل بإقامة
العدل وأداء الأمانة؛ إذ وجّه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بقوله: «يا
معاوية، لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه، ولكن الخلافة العمل بالحق والقول
بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله عز وجل»(6)؛ مؤكدًا أن حسن الإدارة
لا يكتمل إلا بالعدل وصيانة حقوق الناس.
وهي معانٍ يحتاج
إليها مدير المدرسة، والمسؤول عن الوقف، والقائم على المؤسسة الخيرية، وكل من
يتولى شأنًا يتعلق بحقوق الآخرين، فالإتقان يرفع جودة العمل، والأمانة تصون
موارده، والعدل يحفظ كرامة الناس، وحين تجتمع هذه القيم يصبح النجاح أكثر رسوخًا،
ولا يبقى مرهونًا بقدرة شخص أو نفوذه.
بين قيمة الدينار وميزان العدل
تبقى عبارة
الوليد بن عبدالملك: «كمن ضاع منه درهم فوجد دينارا» صورة بليغة لقيمة الكفاءة حين
تظهر في موضع الحاجة، لكنها ليست المعيار الوحيد لتقويم الإنسان.
فقد حفظ التاريخ
ليزيد بن أبي مسلم نجاحه في ضبط الخراج، كما حفظ أخبارًا أخرى تذكر بأن المهارة
الإدارية لا تمنح صاحبها حصانة من الخطأ أو الظلم.
ومن هذه السيرة
يتضح أن المؤسسات تحتاج إلى من يحسن إدارة مواردها، لكنها تحتاج كذلك إلى من يصون
حقوق الناس ويحسن استعمال سلطته.
فليس كل من أحسن الحساب أحسن الحكم، ولا كل من حفظ المال حفظ الحقوق؛ وإنما يكتمل النجاح حين يجتمع الإتقان مع الأمانة، وتخضع القوة لميزان العدل.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً