أثر القدوة في زمن الفتنة

مسلم بن يسار.. لماذا يُستدعى العلماء لتحريك الجماهير؟

رجل من أهل العلم يجلس في الحرب بعد أن انتهت وسيفه في غمده ورمحه نظيف لانه لم يرفع سيفا ولا رمحا في المعركة وانما خرج مكرها ويبدوا عليه الحزن والاسى

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مسلم بن يسار(1)، حيث قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ زَمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، خَفَّ مُسْلِمٌ فِيهَا، وَأَبْطَأَ الْحَسَنُ، فَارْتَفَعَ الْحَسَنُ، وَاتَّضَعَ مُسْلِمٌ.

قُلْتُ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَقَدْ يَرْتَفِعَانِ مَعًا.

قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: قِيلَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُقْتَلُوا حَوْلَكَ كَمَا قُتِلُوا يَوْمَ الْجَمَلِ حَوْلَ جَمَلِ عَائِشَةَ فَأَخْرِجْ مَعَكَ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ، فَأَخْرَجَهُ مُكْرَهًا.

قَالَ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: قَالَ لِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: إِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، أَنِّي لَمْ أَرْمِ بِسَهْمٍ، وَلَمْ أَضْرِبْ فِيهَا بِسَيْفٍ، قُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ بِمَنْ رَآكَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَالَ: هَذَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَنْ يُقَاتِلَ إِلَّا عَلَى حَقٍّ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ؟ فَبَكَى -وَاللَّهِ- حَتَّى وَدِدْتُ أَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ، فَدَخَلْتُ فِيهَا.

قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: وَفِي الْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قُتِلَ، إِلَّا رُغِبَ لَهُ عَنْ مَصْرَعِهِ، أَوْ نَجَا إِلَّا نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ.

قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمَّا مَاتَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: وَامُعَلِّمَاهُ.

قُلْتُ: لِمُسْلِمٍ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- تَرْجَمَةٌ حَافِلَةٌ فِي تَارِيخِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ.

قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَالْفَلَّاسُ: مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ أَمَّا(2).

تكاد هذه الصفحة من ترجمة مسلم بن يسار تكون الوجه الأكثر إيلامًا وتأثيراً في سيرته كلها، فقد عرفناه في أخباره السابقة فقيهًا تتجه إليه حلقة العلم بالبصرة، وعابدًا تضرب بصلاته الأمثال، ورجلًا يفر بصدق من المبالغة في مدحه؛ ثم نراه هنا وقد أدخلته الفتنة السياسية والعسكرية إلى منطقة حادّة لم يعد يكفي فيها أن تكون يده نظيفة من الدم، لأن اسمه نفسه أصبح قادرًا على تحريك أيدي الآخرين، وهذا ما يجعل القصة أكبر بكثير من سؤال: هل قاتل مسلم بن يسار أم لم يقاتل؟ فالنص يجيب بوضوح عن الفعل المباشر: يقول مسلم إنه لم يرم بسهم ولم يضرب بسيف، لكن أبا قلابة الجرمي يفتح أمامه بابًا آخر للمحاسبة الأخلاقية: ماذا لو كان رجل قد رأى مقامك بين الصفين، فاتخذ وجودك دليلًا على صحة القتال، ثم تقدم فقتل؟ إنها لحظة الانتقال الحاسمة من أخلاق الفرد إلى أخلاق القدوة، ومن سؤال «ماذا فعلت؟» إلى السؤال الأصعب: ماذا فهم الناس من وجودك؟

كيف تورط العلماء في معركة دير الجماجم؟

وقعت فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في العراق أواخر القرن الأول الهجري، وبلغ الصراع ذروته في وقعة دير الجماجم، واشترك مع ابن الأشعث عدد من القراء وأهل العلم كـ أبي البختري الطائي ومسلم بن يسار، وكان لكتيبة القراء حضور مؤثر في القتال يستمد منه الناس ثباتهم؛ كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقتدون بثبات أكابر الصحابة في المحن العظام، وكموقف سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم بدر حين استشاره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال كلمته التعبوية الخالدة: «آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق.. فسر على بركة الله»(3)، فكان لموقف القائد والرمز أثر حاسم تحركت به الأمة.

وهذه الخلفية ضرورية لفهم قيمة اسم مسلم بن يسار داخل المعسكر؛ فهو لم يكن جنديًا مجهولًا يمكن أن يقف في صف فلا يلتفت إليه أحد، كان أحد فقهاء البصرة المبرزين، ورجلًا عرفه المجتمع بالفقه والعبادة والورع، ومن ثم فإن ظهوره في معسكر سياسي مسلح لا يمكن أن يبقى فعلًا شخصيًا صامتًا؛ لأن الناس يقرؤون مواقف الكبار كما يقرؤون الكلمات الصريحة.

هل اندفع مسلم بن يسار للقتال مختاراً؟

يقول ابن عون: «لما وقعت الفتنة زمن ابن الأشعث، خف مسلم فيها، وأبطأ الحسن، فارتفع الحسن واتضع مسلم»، هذه العبارة تحتاج إلى قدر كبير من الاحتياط؛ فـ«خف مسلم فيها» لا يلزم منها وحدها أنه اندفع إلى القتال مختارًا، لأن الرواية تنص صراحة على أن ابن الأشعث «أخرجه مكرهًا»، والأقرب أن قوله يرصد الفارق المنهجي في التعاطي مع الشبهات؛ حيث خف مسلم بظهوره، بينما أبطأ الحسن البصري واعتزل الخوض في الدماء حمايةً لمرجعيته.

وهذا التباين يذكر بموقف التابعي الأحنف بن قيس رضي الله عنه حين بايع علياً وتقلد سيفه، فنهاه أبو بكر بن مسروق الثقفي رضي الله عنه وزجره قائلاً: «لا تفعل، إنهم يقتتلون على الدنيا»(4)، وذكره بالحديث النبوي: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»(5)، كما يذكر بموقف عبد الله بن زيد رضي الله عنهما يوم الحرة والفتن(6)؛ إذ لزم الحذر وأبطأ عن الخوض في الدماء، محتفظاً بالاعتزال والتثبت في حين خفّ غيره من الناس، فصار موقف ابن زيد مرجعاً للورع المحتاط، فالأمر يتعلق بالصورة العامة والمآل الميداني الذي ينتهي إليه الرمز في حماية الدماء.

لماذا أجبر ابن الأشعث مسلمًا على الخروج؟

تنقل الرواية عبارة شديدة القسوة: «إن أردت أن يقتلوا حولك كما قتلوا يوم الجمل حول جمل عائشة فأخرج معك مسلم بن يسار»، ثم تقول: «فأخرجه مكرهًا»، المطلوب لم يكن مهارة مسلم العسكرية؛ لم يحتج القوم إلى سيفه، بل إلى اسمه ورمزية محرابه، هذا السلوك يشبه ما فعله ملك الروم حين أسر الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه(7)، وحاول استغلال رمزيته وسابقته ليمنح الشرعية لملكه ودينه، فأبى عبد الله بن حذافة الصلابة والتفريط، فالإنسان صاحب السمعة الدينية يحمل سلطة معنوية لا تمنحها المناصب الرسمية؛ يثق به الناس لأنهم رأوه سنوات في العلم والعبادة، فإذا وجدوه في موقع ما حملوا هذا التاريخ معهم لشرعنة ذلك الموقع، إنها استخدام الرصيد الأخلاقي لشخصية عامة في منح الشرعية لمشروع سياسي وعسكري.

كيف يفهم الناس الوقوف الصامت لعلماء الأمة؟

يصل أبو قلابة إلى قلب المسألة في سؤاله المفاجئ: «فكيف بمن رآك بين الصفين فقال: هذا مسلم بن يسار لن يقاتل إلا على حق، فقاتل حتى قتل؟»، هذا السؤال يعيد تذكيرنا بموقف عمار بن ياسر رضي الله عنه يوم صفين؛ حيث كان وجود بدنه الشريف بين الصفين دليلاً وميزاناً لعامة الناس يستدلون به على الفئة الباغية بناءً على الحديث النبوي(8)، للقدوة طبقتان من التأثير: الأولى مباشرة فيما يطلبه بصرياً، والثانية رمزية فيما يفهمه الناس من الوقوف والصمت والمحاذاة.

وقد حذر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الخطورة الذاتية لهذه الرمزية حين قال لأصحابه: «ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر»(9)، العالم قد لا يدعو أحداً بلسانه، لكن إذا كان وجوده في مقدمة المشهد يحمل عند الجمهور معنى التأييد، فلا يمكن نفي هذه الدلالة برمتها.

كان مسلم يجد في البداية موضعاً للحمد الشخصي: «إني أحمد الله إليك، أني لم أرم بسهم، ولم أضرب فيها بسيف»، لكن أبا قلابة نقله من مسألة الفعل المباشر إلى مسألة الأثر والتبعة، استناداً إلى الأصل القرآني الشامل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

وهذا المعنى هو الذي جعل أبا مسعود البدري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يشددان في نهي الناس عن التكثير والحضور الرمزي في مواطن الفتن والشبهات؛ لأن التسبب والإعانة بالصورة والوجود أحياناً يوازي المباشرة بالسلاح، ربما كانت يد مسلم لم تضرب، لكن حساسية أبا قلابة جعلته يتساءل: هل فهم الناس من هذا الحضور ما دفعهم إلى الضرب حتى الموت؟

وتقول الرواية: «فبكى -والله- حتى وددت أن الأرض انشقت فدخلت فيها»، إن دموع مسلم بن يسار تنبع من اصطدامه بوعي أعمق؛ فقد كان ينظر إلى سلامة يده وبدنه، بينما أراه أبو قلابة أثر اسمه في دماء الآخرين.

هذا الانكسار يشبه بكاء عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في أواخر عمره، حين كان يذكر حمله الراية يوم صفين تنفيذاً لأمر أبيه دون أن يضرب بسيف(10)، فكان يبكي حتى ترمص عيناه خشية من أثر تلك الإشارة والرمزية في دماء المسلمين، إنه ثقل الشهرة الصالحة؛ حين يصبح تصرفك الصامت قابلاً للاستنساخ والتأويل من أشخاص لم تعرفهم قط.

كيف تحول الرصيد الأخلاقي لمسلم إلى فخ؟

في جانب من الرواية: نعم؛ فالخبر يؤكد أن ابن الأشعث «أخرجه مكرهًا»، وهنا تظهر ضريبة السمعة؛ فالرجل قضى عقوداً يبني الثقة بالعلم والصلاة، ثم جاءت قوة سلطوية واستغلت هذه الثقة رغماً عنه، وهذا يقابل ما كان يفر منه القارئ أُبي بن كعب رضي الله عنه حين كان يرى الناس يلتفون حوله في المسجد، فيزجرهم ويقول: «استأخروا عني، فإنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع»(11)، فالإنسان العادي يستطيع التواري بسهولة، أما صاحب الاسم والقدوة فيغدو حسده ووجوده مطلوباً لتمرير المشاريع.

يجب التفريق بين الحكم الشرعي الفردي المرفوع عن المكره ببيان القرآن: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) (النحل: 106) كما وقع لعمار بن ياسر رضي الله عنه، وبين الأثر الاجتماعي للظاهر المكره، فالناس الذين شاهدوا مسلمًا بين الصفين لم يكونوا يعلمون أنه أُخرج قسراً، بل رأوا الصورة النهائية مجردة، ولأجل هذه الحساسية في الصورة العامة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على بيان حقيقة ظاهرة لأصحابه صيانةً للوعي العام، كما قال للأنصاريين حين رأياه يمشي ليلاً مع زوجته: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»(12)، منعاً لأي صورة ملتبسة قد تنطبع في أذهان الجمهور.

لماذا تختلف الموازين الدنيوية عن حكم الآخرة؟

من أحكام التاريخ الظاهرة قول ابن عون: «فارتفع الحسن واتضع مسلم»؛ فالصراعات تعيد تشكيل السمعة الاجتماعية، لكن الذهبي يتدخل بوعي نقدي وإيماني رفيع ليضع حداً لمحكمة البشر قائلاً: «قُلتُ: إنما يُعتبر ذلك في الآخرة، فقد يرتفعان معًا».

هذا التعقيب المنهجي يستمد روح الإنصاف من موقف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد معركة الجمل؛ فعندما رأى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه صريعاً في الوادي، نزل ومسح التراب عن وجهه وبكى وترحم عليه واستغفر له وقال: أعزز علي أبا محمد أن أراك معفراً تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية! شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله أشكو عجري وبجري(13)، معلناً أن الخلاف السياسي والنتائج الدنيوية لا تمحو السابقة والفضل عند الله، فالنتائج الظاهرة ليست ميزاناً حتمياً للحكم الإلهي النهائي.

يقول أيوب السختياني: «وفي القراء الذين خرجوا مع ابن الأشعث، لا أعلم أحدًا منهم قتل إلا رغب له عن مصرعه، أو نجا إلا ندم على ما كان منه»، النص يثبت مراجعة نقدية وندماً واسعاً لدى من نجا منهم كـ مسروق بن الأجدع والربيع بن خثيم اللذين تمنيا لو أنهما أبعدا كلياً عن حومة الفتنة(14)، الندم هنا يعبر عن قسوة التجربة ومراجعة تقدير المآلات الدامية، وكيف أن العاطفة المجردة دون نظر متأنٍ في المآلات تعود على أصحابها بالحسرة.

لماذا يستغل القادة السياسيّون ثقة الشارع بالعلماء؟

عبارة «أخرج معك مسلم بن يسار» تكشف الاستغلال المبكر للرموز؛ فالجماهير تتحرك بالثقة وتلخص مواقفها بالقدوة، ولذلك حذر القرآن من إلغاء العقول والتعصب الأعمى للرجال، ورد المرجعية للشرع المحكم: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: 59)، القدوة تعين على الاستبصار بالحق، لكنها ليست هي التي تخلق الحق بذاتها.

في مسألة التأثير المتعدي، يقرر الحديث النبوي الشريف القاعدة الصارمة: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»(15)، فالتأثير دين وتبعة تتضاعف نتائجه المترتبة عليه، ولو لم يقصد الفاعل كل تفاصيلها، وهنا تصبح المكانة التزاماً أخلاقياً يوجب الحذر الشديد قبل إعطاء الإشارة أو الحضور.

فقديمًا كان الشاهد يحتاج للحضور العيني ليرى مسلمًا بين الصفين، أما اليوم فقد تكفي لقطة شاشة، أو حضور في منصة، أو توقيع في قائمة، لتبنى عليها مواقف حشود كاملة، وهذا يتطلب فقهًا أعمق للسياق والمآلات؛ فالجمهور يقرأ الصورة كموقف تأييد مباشر، والسؤال المسئول قبل أي ظهور هو: ماذا سيفهم الناس المعقولون من وجودي هنا؟

لماذا لم تلغ الفتنة تاريخ مسلم بن يسار العلمي؟

من أنبل مشاهد القصة قول سفيان بن عيينة: «إن الحسن البصري لما مات مسلم بن يسار قال: وامعلماه»، هذه الكلمة العظيمة جاءت لتكسر المزايدات؛ فالحسن لم يسمح للاختلاف في تقييم الموقف السياسي أن يدمج تاريخ مسلم العلمي والعبادي أو يمحوه، بل رثاه بصفته معلماً للأمة.

وهذا هو العدل القرآني المطلق: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)، فالعدل مع أصحاب العلم والسابقة أوجب وأولى؛ بحيث لا يلتهم الخطأ الاجتهادي التاريخ العريض من الفضل والخدمة للدين.

تعليق الذهبي «فقد يرتفعان معًا» يذكر بـ الميزان الإلهي الحقيقي المنزه عن التقييم السطحي: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (النجم: 32)، فالمؤرخ يقرأ الظواهر والمواقف، لكن الحكم بالقبول والرفعة والدرجات في الآخرة مرده إلى عالم السرائر والخواتيم، الذي يعلم الإكراهات والنيات والمراجعات الصادقة في القلوب.

لماذا تتضاعف التكلفة الأخلاقية على أصحاب القدوة؟

تحول مسلم في لقائه بأبي قلابة من فقه اليد النظيفة إلى فقه الإشارة والقدوة؛ فالأفعال الشخصية مجردة لا تعفي العالم والرمز من حساب أثر إشارته وصورته في وجدان التابعين، أفعال القدوة تترجم آلياً إلى أحكام عند عامة الناس، ولذلك كان المحك الأخلاقي للقدوة أشد كلفة وأعظم مسؤولية.

في الشريعة الإسلامية، يُعتبر السكوت والإقرار النبوي بمثابة التشريع والموقف (الإقرار السكوتي)؛ لأن صمت القدوة عند مشاهدة الشيء يُقرأ كإجازة وتأييد، وكذلك في واقع التدافع، قد يُقرأ صمت العالم أو حواشيه بكونه موافقة، مما يفرض على أصحاب التأثير إبانة الحق وتوضيح المواقف منعاً لاستغلال صمتهم في باطل، وهذا ما احتج به أبو مسلم الخولاني حين رفض الصمت والمداهنة في مجالس الأمراء والخطباء.

حين يكتسب العالم ثقة الأمة، تتحول هذه الثقة إلى أمانة عامة، هذا المفهوم الراسخ هو الذي جعل الإمام مالك بن أنس رحمه الله يقول: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك»(16)، فالعالم لا يتكلم ولا يصمت كشخص مجهول، بل يحمل في تصرفاته وأحكامه حقوق الأمة ورعايتها، مما يتطلب استشعار ثقل هذه المسؤولية قبل اتخاذ القرار.

لماذا لا تختزل حياة الإنسان في موقف واحد؟

تاريخ مسلم بن يسار لم يختزل في موقف دير الجماجم؛ فقد حفظ له المحدثون والفقهاء مكانته، ووثقه العجلي وابن سعد، وروى عنه محمد بن سيرين وقتادة وأيوب، وحفظ الذهبي وابن عساكر ترجمته الحافلة بالفضل والفقه والصلاة، وهذا المنهج المنصف يعكس تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه يوم الفتح؛ إذ لم تسقط كبوته العابرة سابِقته وشرفه البدري: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(17)، فالإنسان النبيل أوسع وأعظم من أن يُختزل في لحظة تعثر واحدة.

البكاء العظيم الذي أجهش به مسلم بن يسار أمام سؤال أبي قلابة يمثل ولادة جديدة لفقه المقاصد والآثار، لم يكن بكاء ضعف، بل كان دموع استبصار وفقه أخلاقي رفيع؛ حيث أدرك فجأة أن الفقه لا ينحصر في معرفة الأحكام النظرية، بل في دراية دوائر أثر التصرفات في دماء الناس وأرواحهم.

تتجلى خطورة المكانة في الحديث النبوي الشريف لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «يا أبا ذر، إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»(18)، فالمكانة الدينية والرمزية ليست وجاهة يُستمتع بها، بل هي أمانة وتبعة ثقيلة تُسأل عنها الروح بين يدي الله.

المنهج المتوازن في تقييم مواقف الشخصيات التاريخية

بين التقييم السياسي المرحلي لتقلبات الدنيا «اتضع مسلم»، وبين النظرة العادلة الشاملة لوفاء أهل العلم «وامعلماه»، وتأكيد الذهبي المؤصل «فقد يرتفعان معًا»، يستقيم المنهج المنصف في قراءة السير والتاريخ، إنه منهج لا يبرر الأخطاء ولا يلغي الآثار، وفي الوقت نفسه لا يهدر الفضل العريض ولا يسقط الموازين الإلهية.

لقد أدرك مسلم بن يسار بشرية موقفه، وعاش ما تبقى من عمره يجمع بين محراب صلاته ودموع حزنه، تاركاً للأجيال الدرس الأعظم: إن ثقة الناس بك أمانة تطالبك بحساب خطواتك، وأن مسؤولية القدوة تتجاوز بكثير مجرد سلامة اليد، لتسألك بصرامة: ماذا فعل الناس لأنهم رأوك؟

الهوامش
  • 1 مسلم بن يسار البصري، أبو عبد الله الأموي مولاهم، إمام ومفتٍ من كبار التابعين وثقاتهم، عُرف بالفقه ورواية الحديث، واشتهر بالزهد والورع والخشوع العظيم في الصلاة حتى ضُرب به المثل، سكن مدينة البصرة فكان فقيهها وعابدها، وتوفي بها سنة 100هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 511).
  • 3 تفسير الطبري جامع البيان (11/ 43).
  • 4 سير أعلام النبلاء (3/ 8).
  • 5 صحيح مسلم (4/ 2213/ 2888).
  • 6 فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (1/ 563) (98-2959).
  • 7 سير أعلام النبلاء (3/ 347/ 98).
  • 8 الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام (4/ 265).
  • 9 جامع بيان العلم وفضله (2/ 987/ 1881).
  • 10 جمع الجوامع (21/ 346) (423/ 97).
  • 11 الزهد والرقائق، ابن المبارك الملحق (13/ 1627).
  • 12 صحيح مسلم (4/ 1712/ 2175).
  • 13 الكامل في اللغة والأدب (1/ 174).
  • 14 الطبقات الكبرى (8/ 200/ 2804).
  • 15 سنن ابن ماجه (1/ 74/ 203).
  • 16 تعظيم الفتيا (122/ 49).
  • 17 التوضيح لشرح الجامع الصحيح (33/ 373/ 7457).
  • 18 صحيح مسلم (3/ 1457/ 1825).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة