قراءة في فقه الفقْد

معاذة العدوية.. كيف يحوّل الإيمان الفقْد إلى رجاء الله؟

سيدة على سجادة الصلاة ترفع يديها الى السماء وهي تبكي وتدعوا الله

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن معاذة العدوية، حيث يقول: مُعَاذَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ(1)، السَّيِّدَةُ الْعَالِمَةُ، أُمُّ الصَّهْبَاءِ الْعَدَوِيَّةُ الْبَصْرِيَّةُ، الْعَابِدَةُ، زَوْجَةُ السَّيِّدِ الْقُدْوَةِ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ.

وَحَدِيثُهَا مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصِّحَاحِ، وَثَّقَهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

بَلَغَنَا أَنَّهَا كَانَتْ تُحْيِي اللَّيْلَ عِبَادَةً، وَتَقُولُ: عَجِبْتُ لِعَيْنٍ تَنَامُ، وَقَدْ عَلِمَتْ طُولَ الرُّقَادِ فِي ظُلَمِ الْقُبُورِ.

وَلَمَّا اسْتُشْهِدَ زَوْجُهَا صِلَةُ وَابْنُهَا فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، اجْتَمَعَ النِّسَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِكُنَّ، إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِلْهَنَاءِ، وَإِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَارْجِعْنَ.

وَكَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ الْبَقَاءَ إِلَّا لِأَتَقَرَّبَ إِلَى رَبِّي بِالْوَسَائِلِ، لَعَلَّهُ يَجْمَعُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي الشَّعْثَاءِ وَابْنِهِ فِي الْجَنَّةِ(2).

هذه الأسطر القليلة من ترجمة معاذة العدوية لا تقدم مجرد خبر عن امرأة اشتهرت بالعبادة واعتزال مجالس الدنيا، بل تكشف عن بناء داخلي صلب ومتماسك، اجتمع فيه العلم المتين، وشدة التعلق بالآخرة، والحب الإنساني العميق، والقدرة الفائقة على تحويل أشد لحظات الفقد وأكثرها قسوة إلى معنى يحفظ للحياة اتجاهها ومسارها، ومن المهم قبل قراءة مواقفها ألا نفصلها أبدًا عن التعريف الذي صدر به الذهبي ترجمتها حين قال: «السيدة العالمة»، وحديثها محتج به في الصحاح، وقد وثقها يحيى بن معين، فالكلمات التي صدرت عنها لم تصدر، في الصورة التي تقدمها الترجمة، عن انفعال عابر أو فورة عاطفية مؤقتة، وإنما عن امرأة تشكل وعيها المعرفي في بيئة العلم والعبادة، حتى صار تصورها للموت والحياة جزءًا أصيلًا من رؤيتها الإيمانية الشاملة للعالم.

كيف يحمي البناء المعرفي الإنسان لحظة المصيبة؟

قد يغري خبر عبادة معاذة العدوية القارئ المعاصر بأن يضعها مباشرة في صورة الزاهدة المنقطعة للمحراب والتي لا شأن لها بمدارك العقول، لكن الذهبي يقدم قبل ذلك وصفًا بالغ الدلالة يعيد توجيه البوصلة: «السيدة العالمة»، وهذا التقديم يعيد ترتيب الصورة كلها؛ فهي العقل المتفحص الذي يحاور بدقة ويسأل بوعي: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ لست بحرورية، ولكني أسأل»(3)، فالعلم في التجربة الإسلامية ليس معلومات محفوظة تُستدعى في مجالس الجدل فحسب، وإنما هو بناء للتصور الداخلي الذي يفسر به الإنسان ما يقع له من نوازل.

وحين تأتي المصيبة، لا يستطيع المرء صناعة عقيدته من الصفر في لحظة الانهيار والفزع؛ وإنما يستدعي تلقائيًا ما استقر في قلبه وعقله قبلها وتشرّبته روحه، ولهذا جاء التوجيه القرآني للمصابين مرتبطًا مباشرة بإعادة تفسير الحدث وإرجاعه لأصله الأول: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: 156)، فالجملة القرآنية لا تنفي مرارة المصيبة، لكنها تضعها داخل معنى أكبر وأرحب: نحن لله ابتداءً، وإليه الرجوع انتهاءً، من هذه الزاوية المعرفية الصلبة يمكن فهم صلابة معاذة العدوية؛ فالثبات الذي تصفه الرواية ليس منفصلًا عن تصور مسبق وعميق للموت والآخرة، لقد كانت تعرف أين تضع الفقد تحديدًا داخل خريطتها الكبرى للحياة، وهذه واحدة من أعظم وظائف المعرفة في أوقات الأزمات الكبرى؛ أن تمنع الحدث المؤلم، مهما بلغ حجمه، من احتلال الصورة كلها وحجب ما سواه.

كيف حولت معاذة العدوية مصيبة الاستشهاد إلى تهنئة؟

بلغ امتحان معاذة العدوية ذروته حين فقدت زوجها صلة بن أشيم وابنها معًا، واجتمع النساء عندها للمواساة والبكاء، هنا جاءت عبارتها المفاجئة والصارمة: «إن كنتن جئتن للهناء، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن»، لا ينبغي أن تقرأ هذه العبارة المدوية باعتبارها حكمًا فقهيًا عامًا يمنع التعزية، ولا باعتبارها إنكارًا قاسيًا لمشروعية الحزن الإنساني؛ فالتعزية ثابتة المعنى في الشريعة، والحزن نفسه لا يناقض الصبر، وإنما تكشف العبارة، في سياق خبرها، عن الطريقة المتفردة التي أرادت معاذة العدوية أن تنظر بها إلى ما أصابها.

هي تقاوم بكل ما أوتيت من يقين أن يكون «الفقد» والحرمان هما التفسير الوحيد للحادثة لسان حال الخنساء حين جاءها خبر أبنائها الأربعة، «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته»(4)، من المنظور الإنساني الأرضي، فقدت زوجًا وابنًا، وهذه فجيعة لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل، لكن من المنظور الذي كانت تعيش به وتتنفسه، لم يكن الموت نهاية القصة ولا إسدالًا للستار.

وقد مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيمٍ، فَقَالت لأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَال: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَقَال: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبعَ وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالتْ «يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، أَلَهُمْ أن يمنعوا؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك»(5)، لقد حاولت أن تستحضر بقوة معنى الرجاء والجزاء في اللحظة نفسها التي كان يمكن أن يستولي فيها معنى الحرمان التام.

وهذا الفهم العميق قريب من أصل قرآني عظيم في إعادة ترتيب النظر إلى المصيبة: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11)، فالهداية هنا تتصل مباشرة بالقلب الواقع تحت أثر المصيبة المزلزلة؛ إذ لا تعده الآية بحياة خالية من الألم، وإنما تعده بقلب يجد داخل الألم طريقًا مضيئًا إلى الله، لم تسمح معاذة العدوية للمصيبة أن تكون قصة «انتزاع» قسري فقط، بل جعلتها أيضًا متصلة بشرف ما ترجوه لمن فقدتهم عند الله.

كيف يجتمع الحزن الإنساني مع الرضا بالقدر؟

ربما كان أسهل تفسير لهذا النوع الاستثنائي من الأخبار أن يُقال إن أصحابها بلغوا مقامًا علويًا لم يعودوا يشعرون معه بألم الفقد كبقية البشر، لكن كلمات معاذة العدوية نفسها تنفي وتدحض هذا الفهم البارد، فهي تقول بوضوح يفضح لوعتها المخبوءة: «والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل؛ لعله يجمع بيني وبين أبي الشعثاء وابنه في الجنة».

هنا يظهر الحب الصافي بوضوح جلي، المرأة التي تقول بلسان المشتاق إنها ترجو أن يجمعها الله بزوجها وابنه في الجنة لم تُلغِ العلاقة بهما، ولم تمح أثرهما من وجدانها وحياتها، ولم تتحول إلى كائن منزوع العاطفة صلد المشاعر، الذي حدث كان أعمق من ذلك بكثير: بقي الحب حيًا متوقدًا، لكن تغير الاتجاه الذي يتحرك فيه مساره، كان الحب في الدنيا يقوم على المعاشرة والأنس والقرب المادي، ثم صار بعد الفراق المر رجاءً في اللقاء الأخروي.

فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «يا ابن عوف إنها رحمة..، إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(6).

تجتمع في هذه الكلمات حقائق متوازنة من غير تناقض: دمعة العين الفطرية، وحزن القلب البشري، وضبط اللسان الجوارح بما يرضي الله، ولهذا لا يصح أبدًا تحويل أخبار قوة السابقين إلى سوط لمحاسبة المفجوعين والمكلومين لأنهم بكوا أو حزنوا، القيمة الأعمق والأجمل في موقف معاذة العدوية ليست أنها ألغت الشعور أو كبتته، بل أنها لم تجعل الشعور يهدم المعنى والغاية التي كانت تعيش لها، النموذج الذي تكشفه كلماتها يسمح ببقاء الحب واستمرار نبضه، لكنه يمنح هذا الحب وجهة علوية يستطيع الإنسان أن يكمل حياته من خلالها دون أن ينكسر.

كيف يصبح الشوق للراحلين محركًا لإعادة البناء؟

أشد كلمات معاذة العدوية كشفًا عن بنيتها الداخلية المتينة ليست عبارتها أمام النساء، بل قولها المليء بالعزم: «ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل»، لقد كانت قادرة بامتياز على أن تجعل الفقد المزدوج سببًا للانسحاب الكلي من الحياة وإعلان الحداد المفتوح؛ لكنها منحت حياتها المتبقية وظيفة جديدة ومهمة عاجلة.

«اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه»(7)، لم تعد قيمة البقاء، بحسب منطقها، في مجرد امتداد الأيام وتتابع الشهور، وإنما القيمة تكمن فيما يمكن أن يوضع داخل هذه الأيام من قربات وطاعات تمهد الطريق للوعد المأمول، هنا يلتقي الحب بالعبادة في صورة شديدة الرقي والإنسانية؛ هي تريد اللقاء بمن تحب بشدة، لكنها لا تجعل طريق اللقاء استسلامًا بائسًا للموت ولا تمنيًا يائسًا للخروج من الدنيا، وإنما زيادة مكثفة في العمل، الإنسان بعد خسارة كبيرة وموجعة يسأل نفسه أحيانًا في عتمة الليل: لماذا أستمر؟ وكان جوابها العملي البليغ: أستمر لأن ما بقي من العمر القصير يمكن أن يقربني من الله أكثر، ولأن اللقاء السعيد الذي أرجوه لا يُطلب بتعطيل الحياة والركون للدموع، بل بحسن استعمال الحياة المتبقية، إنها لا تعيش انتظارًا سلبيًا كئيبًا للموت، وإنما تعيش استعدادًا نشطًا دؤوبًا لما بعده.

كيف يغير يقين الموت علاقة الإنسان بالزمن؟

يقول الذهبي في وصف حالها: «بلغنا أنها كانت تحيي الليل عبادة، وتقول: عجبت لعين تنام، وقد علمت طول الرقاد في ظلم القبور»، حضور الموت في وعي معاذة العدوية كان يعيد تشكيل علاقتها بالوقت بشكل جذري وحاسم، فالإنسان الذي يرى الدنيا فضاءً قصيرًا وعابرًا للعمل سيختلف حتمًا في تعاطيه مع الثواني عن الإنسان الذي يتعامل معها كما لو كانت دار مقام بلا نهاية.

«إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء»، من أدرك هذه الحقيقة تتولد لديه حساسية مفرطة تجاه استنزاف الزمن، «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك»، وقد قرر القرآن هذا المعنى الدقيق حين جعل الآخرة لصيقة بالزمن الحاضر، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر:18)، اللافت في الآية أنها تسمي الآخرة «غدًا»؛ كأن البعيد في حساب الغافل الساهي هو قريب جدًا في ميزان الوحي، كان إحساس معاذة العدوية بهذا القرب مكثفًا لدرجة الاستغراب من النوم، وبعيداً عن المطالبة بالتطابق الحرفي مع سهرها، فإن السؤال الذي تثيره عبارتها المدوية يبقى صالحًا يقرع العقول في كل عصر: ماذا يصنع بنا يقيننا بقصر العمر؟ من المشروع أن يسأل المرء نفسه بقسوة عن الساعات التي تضيع سدى، وعن الأعمال المؤجلة بلا عذر، وعن علم أو عبادة يؤخرها وكأن الزمن في جيبه مضمون.

كيف نصنع من ذكرى الراحلين أثرًا نافعًا؟

يمكن تسمية المسار الحيوي الذي تكشفه كلمات معاذة العدوية وسلوكها بـ«الحزن النشط»: حزن لا ينكر مرارة الخسارة، لكنه يرفض بصرامة أن تكون الخسارة هي آخر ما ينتجه الحدث، «فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها»، فبدل أن تصبح ذكرى الزوج والابن ذريعة للتقوقع وبابًا لتعطيل حياتها، أصبحت تلك الذكرى بالذات حافزًا لمزيد من القرب من الله والركوع والسجود.

الرجاء في لقائهما صار مرتبطًا عندها شرطيًا بحسن العمل، بهذا المنظور المتجاوز، لا تصبح الذكرى مجرد استعادة كئيبة للماضي ونبشًا للوجع، بل يمكن أن تكون قوة دافعة تبني المستقبل الأخروي، ومن أعمق وأصدق صور الوفاء للراحلين أن يؤدي حضور طيفهم في الذاكرة إلى خير محض: إصلاح في النفس، أو صدقة جارية، أو دعاء بظهر الغيب، أو استمرار في رسالة نافعة تركوها، لا أن ينحصر أثرهم في استدعاء لحظة الرحيل واجترارها، قد يتغير شكل الحب ولغته بعد الموت، لكنه لا يلزم أن يفقد قدرته العجيبة على صناعة الحياة وتوجيه مسارها.

فقه المواساة بين احتياج المصاب وضغوط المجتمع

في قول معاذة العدوية الحازم للنساء: «إن كنتن جئتن للهناء.. وإلا فارجعن» جانب آخر في غاية الدقة يستحق التأمل، ويتعلق بعلاقة الإنسان المكلوم بالمحيط الاجتماعي في وقت المصيبة، المجتمع بطبيعته يريد عادة أن يساعد المفجوع ويواسيه، لكن طريقة المساعدة والكلمات المستخدمة ليست دائمًا مناسبة لكل إنسان أو مريحة له، فإذا دخلتم على المريض أو المصاب فقولوا خيراً أو اسكتوا، ولا تثقلوا على أخيكم.

معاذة العدوية رسمت بوضوح تام، وبلا مجاملات اجتماعية، نوع الخطاب الذي تقبله وتسمح به في تلك اللحظة الحرجة، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ رضي الله عنه قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَمَاتَ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ؟ لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ؟»(8)، لا يلزم من كلام معاذة العدوية التأسيس لرفض التعزية في ذاتها، بل يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا شديدًا عن رغبتها في حماية المعنى الراقي الذي أرادت استقبال المصيبة به، هي لا تريد مجلسًا يعيد إنتاج الفاجعة أمامها، ولا ندباً يضعف رجاءها ويشوش يقينها، ليست التعزية فرصة لإجبار المفجوع على البكاء أو استنطاق تفاصيل الحادث، بل الأصل أن تكون المواساة عونًا خفيفًا الظل، يُراعى فيها حال صاحب المصيبة وتُحترم مساحته النفسية.

القراءة النفسية والإيمانية لموقف معاذة العدوية عند الصدمة

يمكن لقارئ معاصر، متأثر بمدارس التحليل النفسي الحديثة، أن يفسر حدة موقف معاذة وصرامتها بأنها صورة من صور الإنكار النفسي المعتاد عقب الصدمة العنيفة، فالإنسان قد يواجه الفاجعة في بدايتها المربكة بطريقة تبدو شديدة أو غير مألوفة، قبل أن يستوعب حجم الكارثة، وقد وقف أبو بكر الصديق لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»(9)، لكن التفسير النفسي المجرد، على إمكان طرحه بوصفه احتمالًا تحليليًا، لا يملك في هذا النص وحده ما يكفي للجزم به في حال معاذة.

بل إن الخبر نفسه يقدم قرائن أخرى تسنده؛ حياتها التعبدية الممتدة، واستمرار حديثها اليومي عن التقرب إلى الله، وتصريحها الهادئ برجاء الاجتماع بزوجها وابنه في الجنة، هذه العناصر مجتمعة تجعل القراءة الإيمانية لموقفها أكثر اتصالًا وتفسيرًا للصورة التي أراد صاحب الترجمة نقلها، من الخطأ المنهجي أن نستعمل لغة علم النفس الحديث لإلغاء المعنى الديني البارز الذي تصرح به الشخصية نفسها وتعتقده، الأدق أن يقال: النص يرسم امرأة فسرت مصيبتها من داخل عقيدتها الراسخة، فنجحت في تحويل ألم الفراق إلى رجاء مشتعل في اللقاء وعمل دؤوب من أجله.

كيف تعيد العقيدة ترتيب المعنى عند الصدمات؟

أبرز ما تكشفه القصة بأكملها ليس مجرد قدرة معاذة على احتمال الفاجعة وتجاوزها، بل قدرتها الفذة على إعادة بناء معنى الحياة وتأسيسها من جديد بعد تلك الفاجعة، فالإنسان في ظروفه العادية يستطيع أن يعيش متكئًا على كثير من المعاني الصغيرة والمتوسطة: الأسرة الدافئة، العلاقات الممتدة، العادات اليومية، المشاريع والطموحات، لكن المصائب الكبرى القاصمة قد تهدم بعض هذه المعاني، أو كلها، دفعة واحدة.

«وَأُصِيبَ عُرْوَةُ فِي هَذَا السَّفَرِ بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ فِي إِصْطَبْلٍ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةً فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ بِوَادِي الْقُرَى قَالَ: لَقَدْ لَقِينا من سَفَرِنا هذا نَصَباً اللَّهمّ كَانَ لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ فَأَخَذْتَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً، وَكَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ فَأَخَذْتَ طَرَفًا وَأَبْقَيْتَ ثَلاثَةً، فَإِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ، وَلَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ»(10)، عندها يظهر السؤال الأصعب: ما المعنى الذي يبقى صامدًا عندما يسقط ما كنا نظنه أساس حياتنا؟ جواب معاذة كان حاسمًا وواضحًا: يبقى التقرب إلى الله، وجود معنى أعلى وأجل جعلها قادرة على حمل فقد المعاني الأدنى من غير أن تنهار منظومة حياتها وتبتلعها العدمية، ليس الإيمان وعدًا قاطعًا بألا يفقد المرء من يحب، وإنما يمنح الفقد نفسه مكانًا منطقيًا ومقبولًا داخل قصة أوسع من اللحظة الراهنة، قصة لا تنتهي فصولها عند القبر.

لماذا لا يُبنى الثبات في لحظة الانهيار؟

من السهل جدًا الإعجاب بثبات الإنسان ساعة المصيبة والتغني بصلابته، لكن التحدي الأصعب هو أن نسأل: كيف تكوّن هذا الثبات؟ وما هي مادته؟ خبر معاذة يجيب بطريقة غير مباشرة، المرأة التي كانت تحيي الليل، والتي كان الموت حاضرًا في تصورها وتفاصيلها، لم تبدأ بناء علاقتها بالآخرة يوم جاءها خبر استشهاد زوجها وابنها، لقد سبقت المحنةَ تربيةٌ طويلة وعميقة.

وقد يشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أوصاه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»(11)، القيم الكبرى التي نحتاجها في لحظات الانهيار لا تُبنى عادة في لحظة الانهيار نفسها، من أراد يقينًا يثبته وقت الشدة يحتاج إلى غذاء لليقين وقت الرخاء، ومن أراد أن تضبطه عقيدته ساعة الخوف وتمنعه من التهاوي فلا بد أن تكون تلك العقيدة قد تجاوزت في حياته حدود المعلومات النظرية الباردة، حين ينشأ الإنسان على أن الدنيا مرحلة لا نهاية، وأن العمل الصالح هو رأس المال الحقيقي الباقي، فإنه يبني داخله لغة حصينة يستطيع أن يتحدث بها مع نفسه ويواسيها إذا انقلبت به الأيام وتغيرت حياته فجأة.

حين يصنع ألم الفراق دافعًا لمواصلة الحياة

ليس أجمل ما في خبر معاذة العدوية أنها بدت أقوى من الحزن، بل أنها باقتدار المؤمنة العالمة وجدت للحزن الإنساني مكانًا لا يهدم حياتها ولا يوقف سيرها، لقد أحبت زوجها وابنها حتى صار رجاء لقائهما جزءًا من سبب استمرارها في العمل والعبادة، ونظرت إلى المصيبة المروعة من داخل يقينها التام بالآخرة حتى لم تسمح للفقد والعدم أن ينفردا بتفسير ما جرى، «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة»، في ذلك، تتجاوز قصتها حدود الزهد الفردي لامرأة عابدة، لتقدم معنى كليًا يحتاجه الإنسان في كل عصر: ليست القوة في ألا نخسر أبداً فهذا وهم ليس بأيدينا، وليست في ألا نحزن فهذا جفاء مخالف لطبائع البشر؛ وإنما القوة الحقيقية تكمن في أن نمتلك من المعاني العليا والإيمان الراسخ ما يجعلنا قادرين على النهوض ومواصلة السير بثبات حتى بعدما نخسر ونحزن.

الهوامش
  • 1 مُعاذة بنت عبد الله العَدَوِيَّة، من كبار التابعين، اشتهرت برواية الحديث عن كبار الصحابة كعائشة، وعلي بن أبي طالب، وعُرفت بكثرة العبادة والزهد الشديد حتى لُقبت بـ«العابدة»، سكنت مدينة البصرة، وتوفيت بها في حدود سنة 83هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 509).
  • 3 بغية المقتصد شرح بداية المجتهد (2/ 663)، وقال المصنف: أخرجه مسلم (335/ 69) عن معاذة، قالت: سألت عائشة فقُلْتُ: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة».
  • 4 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (8/ 109/ 3245).
  • 5 الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (23/ 624/ 6167).
  • 6 مشكاة المصابيح (1/ 540/ 1722).
  • 7 المستدرك على الصحيحين (6/ 632/ 5791).
  • 8 الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (6/ 13/ 61926).
  • 9 إثبات صفة العلو.
  • 10 تاريخ الإسلام (6/ 427)، وقال المصنف: انظر جمهرة نسب قريش (283)، المعرفة والتاريخ (1/ 553)، حلية الأولياء (2/ 179)، سير أعلام النبلاء (4/ 430 – 431).
  • 11 شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (1/ 92).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة