منابع الأسلوب الأدبي
مشروب ساخن على طاولة المبدعين (11) اختر لك أستاذاً
تتشابه مَلَكات
الخلق لدى المبدعين، وتتقاطع تصوراتهم ووسائل التعبير عنها بفعل أسرار الجينات الآدمية السارية
فينا، والتي تجعل فكرَ إنسان شبيهًا بفكر أخيه الإنسان، وكذلك الطباع والهوايات
والمستحبات والمكروهات. يتكرر الأمر أيضًا في السرد وصناعة الكلمة. والمبدع اليقظ
هو الذي تقع عينه على أستاذ يشبهه. يكتشف أن له حالًا كحاله في صناعة الحرف
والكلام، وأن المخرجات - وربما المدخلات أيضًا - تتفق لديهما أو تتشابه. فإذا علم
الكاتب المبتدئ ذلك من أستاذ له حرص على تتبعه ورصد إلهاماته والسير على خطاه.
بالطبع ليس المقصود التقليد الحرفي. لكن يمكن للمحب أن يركب قارب أستاذه إلى أن
يجد لنفسه قطعة خشب في المحيط فيقفز إليها ويمضي خفيفًا على سطح المياه.
أعرف أديبًا
مميزًا قال لي مرة: "كلما شرعتُ في عمل جديد، أقرأ فصولًا عشوائية من كتابين
محددين يفتحان لي مخازن الكلمات وفخامة التزيين، فأكتب بعد النظر فيهما باسترخاء
كأنني "شغّلت موتور" اللغة. والعملان هما "أوائل زيارات
الدهشة" للشاعر المصري محمد عفيفي مطر (1935-2010)، وهو صور أدبية بديعة
استلَّها من أوجاع سيرته الذاتية، ثم الأعمال الكاملة للأديب المصري سعيد الكفراوي
(1939-2020) المنشورة تحت عنوان "زبيدة والوحش".
وهذا التشغيل
لـ"الموتور" فكرة جيدة باعثة بالفعل على العمل وتنشيط خلايا الكتابة
والحفز على الإمساك بالقلم.
حالة علي الطنطاوي
الفقيه والأديب
السوري عليّ الطنطاوي (1909-1999) حالة خاصة للغاية في إبداعنا العربي. امتاز
الرجل بدَفق هائل في مجالات عدة كان أبرزها الأدب؛ فقد سلس له القلم كسلاسة
الأولين، واستطاع خلال عمر طويل أن يترك خِزانة ضخمة من الفكر والدعوة والحكايات
تجعل المطالعين يسألون عن مُلهِميه من الأساتذة الأولين، وقد أجاب هو نفسه عن
السؤال وعدّ روافد مداده من الكُتاب الكبار خاصة القدامى الأولين، فيقول في كتابه
"ذكريات": "أكبر كُتَّاب العربية خمسة: الجاحظ، لا أستطيع أن أنفيه
منهم ولا أبعده عنهم، وأبو حيان التوحيدي أول قَصصي مبتكِر في أدبنا، والغزالي حين
يحلل النفس البشرية في (الإحياء)، وابن عربي في الفتوحات إذا قسناه بمقياس الأدب
لا بمقياس الدين، وابن خلدون في المقدمة".
وهذه الأسماء هي
نفسها التي طالعها الطنطاوي بعمق، وكان لهم في كتاباته نصيب كبير، وهي نفسها التي
جعلت أسلوبه بهذا الابتكار. أما عمّن تأثر بهم في كتابته فالشيخ يرى أن أسلوبه لا
يشبه أسلوب أحد. لكنه يؤكد أن الإعجاب كان حاضرًا دومًا بعدة أقلام يقول عنها:
"لا أنكر أني تأثرت حينًا بالمنفلوطي وحينًا بالرافعي وحينًا بالمازني".
فدوى طوقان تسقط في شباك الرافعي والزيات
في سياق الكتابة
عن الأساتذة المُلهِمين لها والمؤثرين فيها وفي أسلوبها تذكر الشاعرة الفلسطينية
فدوى طوقان (1917-2003) في سيرتها "رحلة جبلية رحلة صعبة" أنها ولفترة
غير قصيرة أصبح عندها اهتمام "بقراءة مصطفى صادق الرافعي من جهة ومي زيادة من
جهة أخرى، وذلك بعد أن تابعت سلسلة مقالات محمد سعيد العريان في مجلة (الرسالة)
المصرية عن حياة الرافعي وقصة حبه مع مي زيادة". ثم تنتقل "طوقان"
إلى تأكيد الحفاوة بأديب آخر كان له مفعول أقوى سرى في حروفها زمنًا، فتقول:
"كنت شديدة الإعجاب والحب لأدب أحمد حسن الزيات (1885-1968)، وقد تأثَّرت
بأسلوبه لفترة زمنية غير قصيرة. كانت ترجمته لـ(آلام فرتر) قد أوقعتني في شباك
أسلوبه".
والشِّباك التي
تقصدها "فدوى" هي المعاني والأشكال التي تُلقى في اللاوعي من قلم إلى
قلم. يستشعر الكاتب الصغير أن مدادًا ينتقل إليه بتأنٍّ وهدوء ليسكن جوفه الأدبي
ويستقر ويسترخي في اللاوعي، فإذا ما أراد الكاتب الصغير أن يُبدع يجد من سحر
أستاذه متعلقاتٍ وأشكالًا تتناثر وتتمشَّى على أطراف حروفه.
"معطف" واحد لأكثر من أديب من المبدعين
"المعطف"
رواية روسية قصيرة صدرت سنة 1842 لصاحبها نيكولاي جوجول (1809-1852) استطاعت أن
تلقي حجرًا ثقيلًا في ماء الأدب الروسي. تحكي عن موظف مسكين يحلم بمعطف يقيه قرص
الصقيع وتنمُّر زملاء العمل ويوفر له زينة خارجية بعدما تلف معطفه القديم. يتحقق
الحلم بعد حرمان وجوع وصبر طويل، وأخيرًا يرتدي المعطف الجديد ليسير به مزهوًّا في
الطريق، لكن فجأة يخرج عليه لصوص مسلحون فيسرقون حُلمه (المعطف) ويهربون، فيمرض
بعدها ويموت.
هذه القصة
ومؤلفها كانا مصدرًا رئيسًا لكل ما تلاهما من إبداعات روسية، بل هناك أدباء
استنسخوا القصة نفسها، وحاولوا استكمال أحداثها والاستفادة من ثقلها ورواجها؛ لذلك
يذكر دوستويفسكي (1821-1881) في تعبيره الشهير أن تلك الرواية القصيرة كانت مصدر
إلهام للكثيرين"لقد خرجنا جميعًا من معطف جوجول".
ودوستويفسكي
يذكر هنا أن جوجول بعمله الاستثنائي البديع مدَّ لهم حبال الإلهام وبسط أرضًا
جديدة استطاعوا إعادة استنباتها والغزل على منواله القصصي، إن لم يكن في الحبكة
والأسلوب فعلى الأقل في سخاء المضمون. ويمكن أن نقرر أن هذا الأمر تكرر في أكثر من
بيئة ثقافية عبر أكثر من أديب.
نجيب وآخرون
في إحدى حلقات
برنامج "زيارة لمكتبة فلان" كان السؤال الأهم للأستاذ نجيب محفوظ عن
ملهميه من الأساتذة الذين سبقوا جيله بجيل، والذين كان لهم السبق في صناعة المناخ
المثالي للأدب المصري، فذكر محفوظ كثيرين لكنه كان أكثر إعجابًا بتوفيق الحكيم في
"عودة الروح" و"أهل الكهف"؛ لذا فمن اليسير على قارئ محفوظ أن
يدرك حجم التقاطع في الأسلوب الحواري المسرحي بينه وبين الحكيم.
وفي كتاب لماذا
نكتب يقول الكاتب الأمريكي جيمس فري إن أكثر كِتاب أثّر فيه كتاب "مدار
السرطان" لهنري ميلر، ويذكر مارك توين أنه تأثر أكثر بـ"تشارلز
ديكنز"، في حين تأثر برنارد شو بـ"إبسن" وماركيز
بـ"كافكا" وسارتر بـ"فلوبير"، وسُئل فوكنر متى تعلمت الكتابة
قال: "عندما قرأت موبي ديك" لهيرمان ميلفل.
وهكذا تجد لكل
أديب نجمًا يلمع في طريقه فيحب حرفه، ويستوعب مُنتجَه، ويميل إلى شخصه ويحتفي
بمسيرته كأن بينهما تواصلًا من نوع خاص. وأرى أن ذلك يحدث بفعل تقارب خفي يجعله
الله بين الأرواح والأذواق، وأحيانًا يكون التشابه في النبت والبيئة الأولى هو
الذي يصنع ذلك النوع من الألفة بين تلميذ ومُلهمه.
العقاد والنديم.. يخلق من الشبه أربعين
المعنى السابق
حول التقارب الخفي بين الأرواح والأذواق يؤكده الأديب عباس محمود العقاد
(1889-1964) في كتابه "حياة قلم" ففي سياق رصده لقائمة الأقلام التي
أثرت فيه وأفسحت له الطريق، يقول عن الزعيم المصري عبد الله النديم
(1842-1896)" كان أول من لفتني إلى العمل في الصحافة، وكانت مطالعته أول
مطالعة وجهتني إلى هذه الصناعة، لا بل هناك مشابهات عديدة بين النديم وبيني لا
أدري هل جاءت من وحي القدوة الخفية أو جاءت مصادفة بغير قصد مني ولا من أحد".
ولم يكن العقاد معجبًا بالنديم في شخصه وقد ذكر ذلك في عدة مواضع، لكنه كان يرى
ذلك الاشتباك الخفي بين شخصيتهما حتى إنهما تشابها في بدايات العمل ومسيرة الكفاح.
وفي موضع آخر من الكتاب نفسه يتحدث عن المعري واختياراته الأدبية وتعصبه للمتنبي،
فيقول: "وكنت أنا تلميذًا للمعرّي في هذه الخصلة كما كنت تلميذه في خصال
خلقية أو فكرية شتى".
حاجتنا للضجيج!
الكاتب والرسام
والمُصور وكل فاعل في ميدان الإبداع يحتاج إلى دائرة متوهِّجة يلتقط أضواءها
وانعكاساتها، ويأخذ منها ما يدفعه وينير له الطريق ويبقيه مشحونًا بطاقة تشبه
طاقته المتوارية التي ستخرج إلى النور بهدوء وبالتدريج. ولا يحدث ذلك إلا بانغماس
صادق وسط الأساتذة والملهمين، إن لم يكن بين شخوصهم فبين كتبهم التي تقترب مما
يريد أن يقوله المبدع.
في كتاب
"التكوين" الذي شارك فيه عدد كبير من المبدعين، يقرر الكاتب المسرحي
ألفريد فرج (1929-2005) هذه الحقيقة بأن "الفنان لا يبدع أبدًا في عُزلة عن
سائر المبدعين وإنما يُبدع الفنان عادة في إطار الحركة الفنية والتيار الفني. ولكل
فنان شخصيته وأسلوبه وفكره، ولكنه يتطور ويضيء في الكوكبة أو في السديم. وكما يضيء
يستضيء بمن حوله من المبدعين. فهل يمكن أن تؤثر الكتب في الفنان، وأن يؤثر فيه
الآخرون ولا يؤثر في تكوينه الزمان؟ والزمان هو الأجيال المتداخلة المتدافعة التي
تعاصر الفنان وتحب فنه أو تعرض عن فنه أو تحثه على هذا وتثنيه عن ذاك هو جمهور
الفنان".
نستطيع أن نقول إن تلك الدوائر الملتحمة المتضافرة هي البيئة الأجود لتخليق الخيال وجذب الإلهام وتهيئة التربة للإبداع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً