من آداب النعمة وضبط الشهوة.. صفاء العود بخلو جوفه
كان العتبي
يقول: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ أَنَّ
فُقَهَاءَكُمْ أَظْرَفُ مِنْ فُقَهَائِنَا، وَعَوَامَّكُمْ أَظْرَفُ مِنْ
عَوَامِّنَا، وَمَجَانِينَكُمْ أَظْرَفُ مِنْ مَجَانِينِنَا، قَالَ: وَمَا تَدْرِي
لِمَ ذَاكَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: مِنَ الْجُوعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُودَ
إِنَّمَا صَفَا صَوْتُهُ لِخُلُوِّ جَوْفِهِ؟ (عيون الأخبار، 4/ 270).
هذه الكلمة
المأثورة مَثَلٌ سائر، ووراء قصر لفظها طول معنى يتصل بأسرار النفس الإنسانية؛ فلم
يكن ذلك الأعرابي يمتدح الجوع لذاته أو يتخذه فضيلة مجردة، وإنما كان يبين عن أثر
لطيف شهده في قومه، فإذا هم أخف أرواحاً، وأحضر أذهاناً، وأعذب منطقاً، لم تثقل
أبدانهم فواضل العيش، ولم تبلد عقولهم حيرة الشبع، فكأن النفس الإنسانية في صفائها
كورق الغار لا يفوح ريحها الذكي حتى تلامسها حرارة الوجد المجرد عن كدر المادة،
والعود لا ينطق بالنغم الصافي الرقيق حتى يخلو جوفه من العوائق، فإذا غص بالامتلاء
خرست أوتاره وحُجب صوته.
بيد أننا نرقب
اليوم زمناً يسير على الضد من ذلك كله؛ إذ استحال الطعام في دنيا الناس من بلغة
تقيم الأود وتسكن بها غوائل المعدة إلى غاية قائمة بنفسها، وباب واسع من أبواب
الترفيه والتكاثر، ومادة تتلقفها الأعين عبر الشاشات وتتسابق في تصويرها وعرضها
النواظر، حتى لَيجلس المرء وراء مائدته شبعان لا تحركه رغبة، فيفتح نافذة الهاتف
فإذا بمشاهد الأطعمة والوجبات تلاحقه لقمة إثر لقمة، وإعلان تلو إعلان، فتستيقظ في
نفسه شهوة كاذبة لم تكن لتخطر بباله قبل دقائق، ولقد أصبح الطعام يبحث عن الإنسان
ويلح في طلبه قبل أن يطلبه هو؛ ما يفقد النفس زمام إرادتها ويجعلها أسيرة لكل طارق
من طوارق المشاهدة والتسلية.
ولا تسرفوا
وهنا تتجلى
الحكمة الإلهية في قوله تعالى: (وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)؛
فالشرع الحنيف لم يحرم الطيبات ولم ينظر للنعمة شَزراً، وإنما وضع لها حدًا يحمي
جوهرها، وقد نقل الإمام الطبري عن ابن عباس في معنى الآية قوله: «أَحَلَّ اللَّهُ
الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَةً»؛ وما غاب هذا
الميزان الدقيق عن العقول إلا استحالت النعمة نقمة، فليس الاقتصاد في العيش بؤساً
أو إفقاراً للموائد، وإنما هو صيانة للحرية النفسية؛ بأن يظل الإنسان مالكاً
لشهوته متى شاء أخذ ومتى شاء ترك، لا أن تسوقه أهواؤه سوق العبيد.
لعاب الشناقطة
وعلى هذه
المجاهدة السامية درج رجالات العلم الذين أدركوا أن ثمن المعالي الانصراف عن فضول
الملاذ؛ فلقد حفظت لنا كتب الشناقطة ومذكرات أهل المحاظر وصفاً لحياة كان فيها
الطالب يعيش على قدر من التقشف ويحتمل الجوع وضيق العيش ويجعل وقته للقرآن والعلم
والحفظ
وكتاب «طريقة
حفظ القرآن الكريم عند الشناقطة» من الكتب التي أفردت لهذا الباب حديثاً ووصفاً
لتجربتهم في الحفظ، وكان من طرائقهم المستقرة علمياً وعملياً أن خفة البطن هي
المعين الأكبر على تنوير العقل وانقطاع الهم للمذاكرة، حتى بلغت بهم المجاهدة
والخصاصة مبلغاً تصفو معه دماء أجسادهم وتتطهر أخلاطهم، فكانت علامة الجوع عندهم
أن لعاب أحدهم إذا وقع على الأرض لم يقف عليه الذباب لخلوه من بقايا السكريات
والمواد الغذائية التي تجتذب الهوام.
فصار هذا اللعاب
الصافي ماءً نميراً يترجم عن صفاء ذهن صاحبه، ويقظة قلبه لحفظٍ لم يقدر عليه
غيرهم، وليس المراد من هذه الأخبار جعل الجوع وصفة حسية مجردة، بل تأمل أحوال قوم
لم تكن لتقطعهم شهوة صغيرة عن شهوتهم الكبرى في نيل المجد العلمي؛ لعلمهم أن النفس
لا تتسع للأضداد، وأن نور الفهم لا يستقر في قلب أثقلته الشهوة.
بشاعة الشبع
وإذا استنطقنا
كلام النبوة ألفينا الزجر عن الاسترسال في الترف، فلقد ثبت في السنن أن رجلاً تجشأ
عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ
أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(سنن الترمذي، 2478)؛ وهو وعيد يقلب مقاييس أهل الدنيا؛ فما يُظن اليوم رفاهية
ممدوحة قد ينقلب غداً حسرة ومساءة.
وفي الحديث:
«إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا
يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَؤُوا: فَلَا نُقِيمُ
لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا» (رواه البخاري، 4729)؛ وليس السياق هنا ذماً
للمقادير الخلقية التي لا كسب للعبد فيها، وإنما ذم لصاحب الإعراض والكفر الذي
كانت الدنيا أكبر همّه فامتلأ لحماً وسمنة من غير عمل صالح يقيمه في موازين الحق،
فالإسلام لا يطلب من المرء إنهاك بدنه حتى الضعف، ولكنه يأبى أن يستعبد الطعام
صاحبه ويكون الشبع غايته القصوى ومقياس حياته.
دواء لا داء فيه
ولقد أدرك
الأقدمون أثر هذا الامتلاء في فساد الأبدان والأديان معاً؛ فهذا الحارث بن كلدة طبيب العرب حين سُئل يوماً عن الدواء الذي لا داء فيه، فأجاب: «هُوَ أَلَّا
تُدْخِلَ بَطْنَكَ طَعَاماً وَفِيهِ طَعَامٌ»، فرأى أن إدخال الطعام على الطعام
قبل تمام الهضم هو المورد العكر الذي تسقى منه الأسقام، وسأله آخر عن خير الدواء
فقال: «أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْكَ الطَّعَامُ وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ، وَأَنْ يُرْفَعَ
عَنْكَ وَأَنْتَ أَيْضاً تَشْتَهِيهِ».
فهذا الأدب هو
الشفاء الرخيص المبذول لكل نفس لو عقلت، بأن تكف أكفها عند أول الشبع، ولا تنقلب
بطونها أوعية للشر ومستودعاً للأمراض، ولقد خط أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي
الله عنه بلسان الزهد سطراً يشق الضمائر حين قال: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ مَا
يَدْخُلُ جَوْفَهُ، فَقِيمَتُهُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ»؛ فكيف يرضى عاقل أن يقيس
كرامته وحريته بمصير طعام يفنى ويتحول إلى أذى؟
وكان رضي الله
عنه إذا دُعي إلى طعام، أكل شيئاً خفيفاً في بيته، فلما عوتب في ذلك قال: «قَبِيحٌ
بِالإِنْسَانِ أَنْ يَظْهَرَ نَهَمُهُ وَشَرَههُ فِي طَعَامِ غَيْرِهِ»؛ وفي صنيعه
عتب على أهل عصرنا الذين يغصون بمحافل الأعراس فتمتلئ صحافهم بأطايب النعم ثم
يتركونها لتلقى في المزابل، غافلين عن ملايين المكروبين ممن يضربهم الطوى في مشارق
الأرض ومغاربها وهم يتوقون للقمة يسيرة يقيمون بها صلبهم.
أدب يوسفي
ثم انظر بقلبك
إلى ما يرويه التاريخ عن نبي الله يوسف عليه السلام حين تربع على خزائن مصر وصارت
أقوات الأرض بين أنامله، كيف كان يقتصر على خبز الشعير الجاف ولا يبلغ الشبع قط،
فلما سُئل: أتجوع وأنت تملك خزائن الأرض كلها؟ أرسل عبرة حارة وقال: «أَخَافُ أَنْ
أَشْبَعَ فَمَا أَعُودَ أَذْكُرُ الجَائِعَ»؛ فالشبع حجاب غليظ يورث قسوة القلوب
ويقطع الشفقة عن المحرومين.
ولقد أثرت
الشفقة في الوصية النبوية العظمى حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلأَ
آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنِ
صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ
لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (سنن الترمذي، 2380)، ورأى صلى الله عليه وسلم
رجلاً قد حمل بدنه سمناً مفرطاً فأومأ بيده الشريفة إلى بطنه وقال بلسان المربي
المشفق: «لَوْ كَانَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا لَكَانَ أَفْضَلَ لَكَ» (مسند أحمد،
15854)؛ أي لو كان هذا النماء والجهد مبذولاً في أبواب الطاعات والجهاد لكان خيراً
لك عند الله.
ولأجل هذه
المعاني الكريمة كان الأحنف بن قيس سيد الحلم يقول لجلسائه: «جَنِّبُوا
مَجَالِسَنَا ذِكْرَ الطَّعَامِ وَالنِّسَاءِ؛ فَإِنِّي أُبْغِضُ الرَّجُلَ
يَكُونُ وَصَّافاً لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ».
التربية
بالمنع
وهنا يحق لكل ذي
بصر أن يقف مع أهله وولده ليسأل النفس السؤال الأعمق في زمن الشبع: كم مرة أثيرت
شهوتنا اليوم بمؤثرات العرض والإعلام ونحن لا نجد جوعاً أصلياً؟ فالناشئة الذين
تقع عيونهم على صور الطعام ساعات طوالاً يتربون على أن المتعة تكمن في الاستهلاك
الدائم والتجربة المستمرة، وأن الشبع ليس منتهى المراد، بل هو فاتحة البحث عن وجبة
أخرى.
وما أحوجنا
اليوم إلى أن نعيد لكلمة «يكفيني» جلالها القديم ونقائها الأصيل؛ بأن يستطيع المرء
القيام عن المائدة وفي نفسه بقية رغبة فيقول راضياً: يكفيني، ويرى إعلاناً براقاً
فلا تدفعه نفسه لتجربته، ويدخل مطعماً فلا يطلب بعينيه قبل معدته، ويكرم ضيفه دون
أن يحيل النعمة إسرافاً وتبذيراً، ويدرك بقلبه أن الفراغ من شواغل البطن ليس نقصاً
في العيش بل هو امتلاء روحي، فالفراغ من الطعام امتلاء بالعلم، والفراغ من صخب
الدنيا امتلاء بالفكر، والفراغ من ملاحقة الشهوات النهمة هو عين امتلاء القلب
ببيان الحق ونوره، فليست القضية قضية طعام ولقمة فحسب، بل قضية إنسان يملك نفسه
ويعرف متى يتقدم ومتى يكتفي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً