العلم والخشية
كيف صنعت خشية الله شخصية سعيد بن جبير؟
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ القَاسِمِ الأَعْرَجِ، قَالَ: «كَانَ سَعِيْدُ بنُ
جُبَيْرٍ يَبْكِي بِاللَّيْلِ حَتَّى عَمِشَ»(1).
تفتح هذه
الرواية القصيرة نافذة على عالِم من أعلام التابعين، حيث لا تكشف الكلمات القليلة
عن مجرد عادة تعبدية، بل عن بناء داخلي عميق لشخصية علمية عاشت معنى المسؤولية
أمام الله عز وجل، والقراءة المتأنية لهذا الخبر لا تقف عند صورة البكاء بوصفه
حالة وجدانية فقط، بل تنظر إليه باعتباره علامة على علاقة العالم بعلمه، وعلى أثر
المعرفة الشرعية حين تنتقل من الذهن إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك.
لماذا يورث العلم الخشية والمحاسبة؟
كان عصر سعيد بن جبير عصر اتساع للدولة الإسلامية وتنوع للواقع الاجتماعي والسياسي، وهو ما جعل
مكانة العلماء أكثر حساسية؛ فالعالم لم يكن ناقلاً للمعلومات فحسب، بل كان صاحب
تأثير في الناس ومصدرًا للتوجيه والبيان.
ومن هنا يظهر
معنى قوله تعالى: (إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)؛ فالآية تربط بين
العلم والخشية، لا بين العلم ومجرد كثرة المحفوظات، وقد فهم السلف هذا المعنى،
فكان العلم عندهم يزيد صاحبه خوفًا من الله ومراقبة له.
إن بكاء سعيد بن جبير في الليل يعبّر عن انتقال العلم من مرحلة المعرفة إلى مرحلة المحاسبة؛
فالعالم الذي يعرف عظمة الله وأحوال الآخرة لا يرى منزلته العلمية امتيازًا
شخصيًا، بل أمانة تستوجب مزيدًا من التواضع والافتقار.
وفي هذا تأكيد
على أن العالم يعتاد البكاء من خشية الله بسبب يقينه بالحساب وطلبه للعفو والصفح،
ومما يدل على هذا ما ثبت عن عبدالرحمن بْن مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: كَانَ
أُسَيْدُ الضَّبِّيُّ إِذَا عُوتِبَ عَلَى الْبُكَاءِ، بَكَى وَقَالَ: الْآنَ حِينَ
لَا أَهْدَأُ؟ وَكَيْفَ أَهْدَأُ وَأَنَا أَمُوتُ غَدًا؟ وَاللَّهِ لَأَبْكِيَنَّ،
ثُمَّ لَأَبْكِيَنَّ، ثُمَّ لَأَبْكِيَنَّ فَإِنْ أَدْرَكْتُ بِالْبُكَاءِ خَيْرًا
فَبِمَنِّ اللَّهِ عَلَيَّ وَفَضْلِهِ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَمَا بُكَائِي
فِي جَنْبِ مَا أَلْقَى(2)؟
وعن عبدالرحمن
بن مهدي قال: ما عاشرت في الناس رجلا هو أرق من سفيان الثوري، وقد كنت أراقبه
الليلة بعد الليلة فما كان ينام إلا في أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي:
النار.. شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، كأنه يخاطب رجلا في البيت، ثم يدعو
بماء إلى جانبه فيتوضأ ثم يقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم بما
أطلب، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، اللهم إن الجزع قد أرقني من الخوف فلم
يؤمنّي، وكل هذا من نعمتك السابغة علي، وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك، إلهي قد
علمت أن لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين.. ثم يقبل على صلاته،
وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إني كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه»(3).
وكان السري
السقطي إذا جن عليه الليل وقام يصلي دافع البكاء أول الليل، ثم دافع ثم دافع، فإذا
غلبه الأمر أخذ في البكاء والنحيب(4).
لماذا كان الليل محبوباً عند العلماء؟
الليل في
التجربة الإيمانية ليس مجرد وقت زمني، بل مساحة تنقطع فيها المؤثرات الخارجية
ويواجه الإنسان حقيقة نفسه، ولهذا مدح القرآن أهل قيام الليل فقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (السجدة: 16)، وقال
عن المتقين: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات)، فالخلوة الليلية تمنح الإنسان فرصة لمراجعة ذاته
بعيدًا عن حضور الناس وثناء المجتمع.
وقد يكون العالم
أكثر حاجة إلى هذه الخلوات؛ لأن الشهرة العلمية قد تحمل معها خطر أن يعتاد الإنسان
رؤية مكانته في أعين الآخرين، فجاءت العبادة السرية لتعيد ميزان النفس إلى موضعه
الصحيح.
ولهذا كان
العلماء يفرحون بدخول الليل لأجل العبادة الخفية عن عيون الناس، فعن يزيد بن توبة،
قال: قال لي سفيان الثوري: «إني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية
الناس»(5).
ولهذا لم يكن
بكاء سعيد بن جبير مجلسًا عامًا أو وسيلة لإظهار الصلاح، وإنما كان عملاً خفيًا
نقل الرواة أثره حين ظهرت علاماته على الجسد.
حين يترك البكاء أثره في النفس والجسد
قول القاسم
الأعرج: «حتى عمش» يحمل دلالة على طول المداومة، فالعمش أثر ظاهر يدل على أن الأمر
لم يكن انفعالًا عابرًا، بل سلوكًا تكرر حتى ترك علامة حسية، وعَنْ قَتَادَةَ،
قَالَ: كَانَ زِيَادُ بْنُ مَطَرٍ الْعَدَوِيُّ قَدْ بَكَى حَتَّى عَمِيَ
وَبَكَى ابْنُهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ بَعْدَهُ حَتَّى عَشِيَ بَصَرُهُ(6)،
وعن محمد بن علي الكلابي قال: بكى محمد بن المسيب حتى عمي(7)، وعن عبدالرحمن
بْن مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: بَكَى أُسَيْدٌ الضَّبِّيُّ حَتَّى عَمِيَ(8).
ولا يعني ذلك أن
المقصود هو إهلاك الجسد أو طلب الضرر لذاته، وإنما يكشف عن شدة تعلق القلب بمعاني
الخشية والرجاء، وقد جاءت السنة بمدح العين التي تبكي من خشية الله، فعَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(9).
وهنا يظهر الفرق
بين التأثر العابر والتزكية العميقة؛ فالتأثر لحظة، أما التزكية فهي مسار يتكرر
حتى يعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
وفي واقع الناس
اليوم، حيث تكثر المشتتات وتتعاظم ضغوط الظهور الاجتماعي، يبقى للإنسان حاجة إلى
مساحة خاصة يراجع فيها قلبه بعيدًا عن تقييم الآخرين.
كيف يحمي الإخلاص القادة من تضخم الذات؟
قد يظن البعض أن
القيادة مرتبطة بالحضور أمام الناس، لكن سيرة العلماء الربانيين تكشف أن أساس
التأثير يبدأ من الداخل، فسعيد بن جبير كان صاحب علم ومكانة، ومع ذلك لم يكن علمه
سببًا للغفلة، بل سببًا لمزيد من الخوف والمسؤولية.
وهذا لون من
القيادة بالقدوة؛ فالناس لا يتأثرون فقط بما يسمعونه من الكلمات، بل بما يرونه من
صدق أصحابها، والعالم الذي يخلو بربه كما يخاطب الناس عن ربهم يجمع بين قوة البيان
وصدق الحال.
ومن هنا، فإن
المؤسسات التعليمية والدعوية والإدارية تحتاج إلى هذا المعنى؛ فكل تأثير خارجي
يحتاج إلى بناء داخلي يحفظ الإنسان من تضخم الذات، ويجعله يرى النجاح تكليفًا قبل
أن يكون تشريفًا.
لماذا تتأثر الناس بأثر العبادة لا بدعواها؟
لم ينقل لنا
الخبر أن سعيد بن جبير كان يحدّث الناس عن بكائه، وإنما عرف الناس ذلك من أثره، وهذه
نقطة مهمة في صناعة القدوة؛ فهو لا يتحدث عن خشيته وبكائه، وإنما يراه الناس أو
يرون أثره، فتكون بمثابة الدعوة الصامتة والإرشاد الحسن.
ومن ذلك ما ثبت
عن إِبْرَاهِيْم بن الأَشْعَثِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ اللهُ فِي
صَدْرِهِ أَعْظَمَ مِنَ الفُضَيْلِ بن عياض، كَانَ إِذَا ذَكَرَ اللهَ، أَوْ
ذُكِرَ عِنْدَهُ، أَوْ سَمِعَ القُرْآنَ، ظَهَرَ بِهِ مِنَ الخَوْفِ وَالحُزْنِ،
وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَبَكَى، حَتَّى يَرْحَمَهُ مَنْ يَحضُرُهُ، وَكَانَ
دَائِمَ الحُزْنِ، شَدِيْدَ الفِكرَةِ، مَا رَأَيْتُ رَجُلاً يُرِيْدُ اللهَ
بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، وَمَنْعِهِ وَبَذْلِهِ،
وَبُغْضِهِ وَحُبِّهِ، وَخِصَالِهِ كُلِّهَا غَيْرَهُ، كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا
مَعَهُ فِي جَنَازَةٍ لَا يَزَالُ يَعِظُ وَيُذَكِّرُ وَيَبْكِي، كَأَنَّهُ
مُوَدِّعٌ أَصْحَابَه، ذَاهِبٌ إِلَى الآخِرَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ المَقَابِرَ،
فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ بَيْنَ المَوْتَى مِنَ الحُزْنِ وَالبُكَاءِ، حَتَّى يَقُوْمَ
وَكَأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الآخِرَةِ، يُخْبِرُ عَنْهَا(10) ففي الخبر
حكاية عن الفضيل لم يتحدث بها هو؛ وإنما تحدث بها من رآها وشهدها حتى تأثر بها.
خيرية العين الباكية
جاء القرآن بذكر
بكاء أهل الإيمان عند سماع الوحي، فقال تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
خُشُوعًا) (الإسراء: 109)، فالبكاء هنا ليس غاية مستقلة، وإنما ثمرة لمعرفة
القلب بعظمة الله.
ولهذا كان بكاء
الصالحين مرتبطًا بالخشوع والعمل والإصلاح، لا بمجرد التأثر اللحظي، فالدمعة
الصادقة ليست نهاية الطريق، بل علامة على حياة القلب التي تدفع صاحبها إلى
الاستقامة.
ولهذا كانت
العين الباكية من خشية الله في ظل العرش يوم القيامة، ففي الصحيحين من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من السبعة الذين يظلهم الله
في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»(11).
فالعين الباكية
هي خير العيون، فعن جعفر بن سليمان قال: اشتكى ثابت البناني عينه فقال له الطبيب:
اضمن لي خصلة تبرأ عينك قال: وما هي؟ قال: لا تبك قال: وما خير في عين لا تبكي(12)؟
ومن هذا الباب
يمكن فهم موقف سعيد بن جبير؛ فقد كانت دموعه تعبيرًا عن الخشية وطلبا للعفو
والرفعة عند الله سبحانه وتعالى.
كيف أعادت الخلوة ترتيب أولويات سعيد بن جبير؟
يحتاج الإنسان
اليوم، مهما كان موقعه، إلى نوع من الخلوة التي تعيد ترتيب أولوياته، فالمعلم
يحتاج إلى مراجعة نيته، والداعية يحتاج إلى تجديد إخلاصه، والقائد يحتاج إلى
محاسبة نفسه، ورب الأسرة يحتاج إلى لحظات يستعيد فيها معنى الأمانة.
ولا تكون العبرة
بتكرار صورة معينة من العبادة، وإنما باستحضار المعنى الذي حملها: أن الإنسان لا
يستقيم ظاهره إلا إذا صلح باطنه، وأن كثرة المسؤوليات لا تعفي من الوقوف بين يدي
الله.
إن سيرة سعيد بن
جبير تذكرنا بأن أعظم ما يبني الشخصيات ليس ما يراه الناس منها، بل ما تخفيه لله، فهو
ألذ ما في الحياة، قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا
إِلَّا ثَلَاثٌ: قِيَامُ اللَّيْلِ، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة، وقال بعض
العارفين: إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنواراً، فترد
الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين(13)،
وعن مبارك بن فضالة قال: كان ثابت البناني يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من
قيام الليل(14).
فهذه الآثار
التي يجعلها الله تعالى في قلوب القائمين من اللذة الروحية والفيوضات العلمية
والدعوية هي التي يحتاج إليها كل مسلم في كل عصر ومصر.
وهكذا يتبين أن
قصة بكاء سعيد بن جبير تكشف عن نموذج للعالم الذي لم يفصل بين المعرفة والخشية،
ولا بين المكانة والتواضع، ولا بين التأثير الاجتماعي والمحاسبة الداخلية، فقد
كانت دموع الليل مدرسة تربوية قائمة بذاتها، تعلم أن العلم الحقيقي ليس ما يرفع
صاحبه في أعين الناس فقط، بل ما يجعله أكثر قربًا من الله وأشد إحساسًا بمسؤوليته.
وبقدر ما يحتاج المجتمع إلى أصحاب العلم والبيان، فإنه يحتاج أيضًا إلى أصحاب القلوب الحية التي تصنع وراء المشهد الظاهر رصيدًا من الصدق والمراقبة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 333).
- 2 الرقة والبكاء: ابن أبي الدنيا، ص 153.
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 60).
- 4 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (15/ 310).
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 390).
- 6 الرقة والبكاء: ابن أبي الدنيا، ص 149.
- 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (55/ 398).
- 8 الرقة والبكاء: ابن أبي الدنيا، ص 153.
- 9 سنن الترمذي بسند صححه الألباني (1639).
- 10 سير أعلام النبلاء (8/ 426).
- 11 متفق عليه، رواه البخاري (660)، ومسلم (1031).
- 12 صفة الصفوة (2/ 155).
- 13 إحياء علوم الدين (1/ 358).
- 14 صفة الصفوة (2/ 155).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً