رحلة العلم والعبادة

كيف يبني القرآن النفس؟ سيرة سعيد بن جبير

لوحة مائية للعالم سعيد بن جبير يقرأ من مصحف مفتوح على حامل خشبي، وينبعث منه تيار نوراني، في إشارة إلى بناء القرآن للنفس وإلهام السيرة.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ هِلَالِ بنِ يِسَافٍ، قَالَ: دَخَلَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ الكَعْبَةَ، فَقَرَأَ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وعَنْ وِقَاءِ بنِ إِيَاسٍ، قَالَ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِيْمَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعَشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُوْنَ العِشَاءَ(1)، وعن عَبْدالمَلِكِ بن أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ(2)، وعَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: قَالَ سَعِيد بن جبير: قَرَأْتُ القُرْآنَ فِي رَكْعَتَيْنِ فِي الكَعْبَةِ(3).

تمثل هذه الأخبار جانبًا من سيرة أحد أعلام التابعين الذين جمعوا بين العلم والعبادة والثبات، وسعيد بن جبير رحمه الله لم يكن مجرد عابد كثير التلاوة، بل كان عالمًا من كبار أصحاب عبد الله بن عباس، ومفسرًا بارزًا، عاش في عصر كثرت فيه الفتن السياسية والاجتماعية، فكان القرآن عنده مصدر علم وتزكية وقوة داخلية.

والقراءة العلمية لهذه المواقف لا تقوم على مجرد الإعجاب بكثرة العمل، وإنما على فهم المنظومة التي صنعت هذا الإنسان: كيف اجتمع العلم مع العبادة؟ وكيف تحولت الخلوة بالقرآن إلى طاقة للصبر والثبات؟

كيف يصبح القرآن مشروع حياة لا وردًا عابرًا؟

تكشف أخبار سعيد بن جبير أن علاقته بالقرآن تجاوزت حدود الأداء إلى مقام الصحبة الطويلة، فالقرآن عند كبار السلف لم يكن كتابًا يُتلى فقط، بل كان مصدر بناء للعقل والقلب والسلوك، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر: 29)، وقال عز وجل: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ ‌يَهْدِي ‌لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9).

فالتلاوة في التصور القرآني ليست حركة لسان فقط، بل علاقة تنتج أثرًا في النفس والعمل، ولهذا كان العلماء الأوائل يرون أن كثرة التلاوة مع التدبر تصنع قلبًا أكثر حضورًا أمام الله وأكثر قدرة على مواجهة تقلّبات الحياة.

ولا يكون القرآن الكريم مشروع حياة إلا إذا تعاهده صاحبه، فيداوم على قراءته ليستمد منه وقود حياته، فعَنْ ‌أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌تَعَاهَدُوا ‌هَذَا ‌الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»(4).

ففي الحديث دلالة على أن العلاقة بالقرآن ليست فعلًا موسميًّا، وإنما تحتاج إلى تعاهد مستمر، فحفظ القرآن واستدامة الصلة به يتطلبان رعاية متواصلة، مثلما تحتاج النعمة المربوطة إلى إحكام وثاقها.

وفي تشبيه سرعة تفلّت القرآن من الصدور بسرعة انفلات الإبل من عُقُلها إشارة إلى أن البناء القرآني لا يتحقق بمجرد بداية الطريق، وإنما باستمرار التعاهد والمراجعة، ومن هنا فإن مشروع القرآن في حياة المسلم يقوم على الاستدامة، لا على الحماس المؤقت.

سعيد بن جبير: لعالم الذي جمع بين القرآن وعلومه

الميزة الكبرى في شخصية سعيد بن جبير أنه لم يكن عابدًا منفصلًا عن العلم، بل كان من أئمة التفسير والفقه، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حتى عُدّ من كبار تلامذته، وهنا تظهر قيمة التوازن؛ فالقرآن الكريم في حياة سعيد بن جبير لم يكن مجرد كتاب يُتلى من أوله إلى آخره؛ وإنما كان منبعا للعلوم ومصدرا للمعرفة، وقد شهد لعلم سعيد بن جبير القاصي والداني، فعن أشعث بن إسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير: جهبذ العلماء، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: يا أهل الكوفة تسألوني ‌وفيكم ‌سعيد ‌ابن ‌جبير(5)؟

وعَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: لَقَدْ مَاتَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ إِلَاّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ»(6).

كيف يصنع القرآن الصلابة النفسية في أوقات المحن؟

عاش سعيد بن جبير في مرحلة سياسية مضطربة، وانتهت حياته بموقف مشهور مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذه النهاية جعلت كثيرًا من المؤرخين يبرزون صبره وثباته، وإن كانت تفاصيل الحوار بينه وبين الحجاج ترد بأسانيد متفاوتة في كتب الأخبار.

لكن الثابت من سيرته أن الرجل الذي أمضى عمره مع القرآن امتلك رصيدًا روحيًا جعله قادرًا على مواجهة الخوف والتهديد، قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا ‌وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وقال عز وجل: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا ‌نُثَبِّتُ ‌بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: 120).

فالذكر والقرآن لا يلغيّان الابتلاء، ولكنهما يبنيان في الإنسان قدرة على حمله، وهذا معنى نراه في سير كثير من الصالحين؛ فالقوة أمام الشدائد لا تبدأ عند لحظة الأزمة، بل تُبنى في ساعات الخلوة الطويلة.

ومما يدل على أثر القرآن الكريم في بناء الصلابة النفسية ما رواه جابر رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَلَّا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّ، وَأَتَى الرَّجُلُ فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدَّمِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى، قَالَ: كُنْتَ فِي ‌سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ ‌أَقْطَعَهَا(7).

دور قيام الليل في التربية الذاتية والانضباط

كان قيام الليل من أبرز ميادين تربية النفس عند الصحابة والتابعين، فعَنْ ‌بِلَال رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌عَلَيْكُمْ ‌بِقِيَامِ ‌اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ»(8).

وسعيد بن جبير يمثل صورة العالم الذي جعل الليل مساحة للمراجعة والاتصال بالله، فالإنسان في ساعات الليل يكون أبعد عن ضجيج الناس وأقرب إلى محاسبة نفسه.

ومن هنا نفهم أن كثرة القراءة لم تكن عنده مجرد إنجاز عددي، وإنما كانت تدريبًا يوميًا على التركيز والانضباط ومجاهدة النفس.

ما حكم ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام؟

الناظر في الآثار الواردة عن سعيد بن جبير يجد أنها تؤكد أنه ختم القرآن كله في ليلة واحدة، وقيل في ركعة واحدة، وقيل في يومين، فما حكم هذا في ظل النهي الوارد عن ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام؟

والجواب أن هذا الختم في يوم أو ليلة لم يكن من فعل سعيد بن جبير وحده، بل هو منقول عن غيره من الأئمة والصالحين أيضا، فعن شعبة، قال: كان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ‌يختم ‌القرآن في كل يوم وليلة(9)، وعن مجاهد عن علي الأزدي قال: كان ‌يختم ‌القرآن في رمضان كل ليلة(10)، وقال أبو داود: قال أحمد: كان عطاء بن السائب من خيار عباد اللَّه، وكان ‌يختم ‌القرآن كل ليلة(11).

والسر في هذا الإسراع ليس الوصول إلى النهاية؛ وإنما اغتنام بركة الزمان أو المكان، وفي هذا قال ابن رجب الحنبلي: «وإنما ورد النهي عن قراءة ‌القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا ‌الليالي ‌التي ‌يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة ‌القرآن اغتناما للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم»(12).

كيف تتفوق الرسالة السلوكية على المواعظ الشفهية؟

لم يكن تأثير سعيد بن جبير قائمًا على كثرة الكلام عن الزهد والتقوى، بل على أن حياته نفسها أصبحت رسالة، فالناس لا يتأثرون دائمًا بما يسمعون، وإنما بما يرون من صدق واتساق، فحين نقلت كتب التراث دعوة سعيد بن جبير إلى تلاوة القرآن وتعهده لم تنقل له أقوالا يحث الناس فيها على كثرة التلاوة والتدبر؛ وإنما نقلت حاله مع القرآن الكريم، فعن الصَّعْبِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «‌مَا ‌مَضَتْ ‌عَلَيَّ ‌لَيْلَتَانِ مُنْذُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ إِلَّا أَقْرَأُ فِيهِمَا الْقُرْآنَ إِلَّا مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا»(13).

وفي واقع المؤسسات والأسرة والتعليم اليوم، تبقى القدوة الصامتة من أقوى وسائل التربية؛ فالجيل يتعلم من سلوك المربي قبل أن يتعلم من كلماته.

الموازنة بين كثرة التلاوة وتحقيق التدبر الفعلي

قد يُفهم خبر قراءة القرآن في ركعة واحدة أو ختمه في مدة قصيرة على أنه دعوة لمجرد المنافسة في العدد، لكن منهج السلف كان أوسع من ذلك؛ فقد جمعوا بين كثرة التلاوة وحضور القلب بحسب أحوالهم.

قال محمد بن علي: زينة القرآن تدبره، والتفكر في معانيه، وذلك هو المقصود الأعظم من التلاوة(14).

ولهذا فإن الاقتداء بسعيد بن جبير لا يكون بتقليد كل صورة من صور عبادته دون مراعاة القدرة والظروف، وإنما يكون باستلهام الأصل: أن يكون للقرآن موقع مركزي في حياة المسلم.

تطبيق الهداية القرآنية في الأسرة والتعليم والدعوة

يعيش الإنسان اليوم وسط سيل متواصل من المشتتات، ولذلك فإن الحاجة إلى بناء علاقة عميقة مع القرآن ليست أقل من حاجة السابقين، فالوقت الذي يضيع في التشتت يمكن أن يتحول إلى مساحة بناء روحي وعقلي.

وفي الأسرة يظهر أثر ذلك حين يرى الأبناء والدين مرتبطين بالقرآن لا في المناسبات فقط، وفي التعليم حين يُربط العلم بالقيم، وفي الدعوة حين تصبح حياة الداعية امتدادًا لما يدعو إليه.

إن مدرسة سعيد بن جبير تعلم أن الإنسان لا يصنع ثباته عند وقوع العاصفة، وإنما يصنعه في الأيام الهادئة التي يختار فيها ما يغذي قلبه وعقله.

وتبقى سيرة سعيد بن جبير شاهدًا على أن أعظم الطاقات الإنسانية قد تنبع من علاقة صادقة بالوحي، فقد اجتمع في شخصيته العلم والعبادة والشجاعة، وأصبح القرآن عنده مصدر معرفة وقوة وسكينة.

وليس المقصود من أخبار أمثاله أن يعجز الناس عن بلوغ ما بلغوا، بل أن يدركوا أن العظمة تبدأ من بناء الداخل، وأن القلب الذي يعمره القرآن يكون أقدر على حمل مسؤوليات الحياة ومواجهة تقلباتها.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 324).
  • 2 المرجع السابق (4/ 325).
  • 3 المرجع السابق (4/ 333).
  • 4 صحيح مسلم (791).
  • 5 طبقات المفسرين: الداوودي (1/ 188).
  • 6 سير أعلام النبلاء (4/ 325).
  • 7 سنن أبي داود بسند حسنه الألباني (198).
  • 8 سنن الترمذي بسند حسنه الألباني (3549).
  • 9 الطبقات الكبرى: ابن سعد (7/ 448).
  • 10 مصنف ابن أبي شيبة (5/ 41).
  • 11 الجامع لعلوم الإمام أحمد (18/ 221).
  • 12 لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص 171.
  • 13 الطبقات الكبرى: ابن سعد (6/ 259).
  • 14 ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (13/ 35).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة