فقه الصمت والبيان

متى يصمت العالِم؟ فقه نشر العلم عند سعيد بن جبير

صورة تعبيرية لسعيد بن جبير في مكتبته التاريخية، متأملًا في صمت رمزًا للحكمة في اختيار وقت نشر العلم

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ عُمَرَ بنِ حَبِيْبٍ، قَالَ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ بِأَصْبَهَانَ لَا يُحَدِّثُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الكُوْفَةِ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، فَقُلْنَا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: انْشُرْ بَزَّكَ حَيْثُ تُعْرَفُ(1).

يمثل هذا الخبر القصير مشهدًا مكثفًا من فقه العلماء في التعامل مع العلم وأهله وبيئته، فليس كل إمساك عن الكلام عزوفًا عن أداء الرسالة، وليس كل إقبال على الحديث دليلًا على حسن الموضع؛ إذ إن العالم الرباني لا ينظر إلى مجرد وجود القدرة على البيان، بل ينظر كذلك إلى موضع البيان وزمانه وحال المتلقي.

وسعيد بن جبير من كبار التابعين، ومن أعلام التفسير والفقه والعبادة، أخذ عن عدد من الصحابة، وكان من أبرز أصحاب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في العلم، وقد عاش في مرحلة شهدت تحولات سياسية وعلمية كبيرة في العصر الأموي، وكانت الكوفة آنذاك من أبرز حواضر العلم والرواية، بينما كانت الأمصار تختلف في استعدادها العلمي ووجود حلقات التلقي المتخصصة.

ولا يعني هذا الخبر أن أهل أصفهان كانوا بعيدين عن العلم أو أن مكانًا بعينه لا يصلح للمعرفة، وإنما يدل على معنى أعمق؛ أن العالم قد يختار الصمت في ظرف معين مراعاة لحال البيئة، ثم يختار البيان حين يجد من يحمل العلم ويعرف قدره.

متى يكون صمت العالم قرارًا تعليميًا واعيًا؟

كلمة سعيد بن جبير: «انشر بزك حيث تعرف» تختصر رؤية كاملة في إدارة العطاء العلمي، والبز في لغة العرب هو المتاع النفيس أو الشيء الذي له قيمة(2)، والمعنى أن صاحب العلم ينبغي أن يضع ما عنده في الموضع الذي يُعرف فيه قدره ويُنتفع به، فالعلم ليس مجرد معلومات تُلقى، بل أمانة تحتاج إلى وعاء يحفظها، وقد أشار القرآن الكريم إلى تفاوت الناس في إدراك المعاني فقال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ‌الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43).

ومن هنا يظهر أن حسن البيان لا ينفصل عن حسن اختيار المخاطَب، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يراعي أحوال الناس في التعليم.

ومن درس كتب السنة وقرأها بإمعان رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلوّن الحديث لأصحابه ألوانًا كثيرة، فكان تارة يكون سائلًا، وتارة يكون مجيبًا، وتارة يجيب السائل بقدر سؤاله، وتارة يزيده على ما سأل، وتارة يضرب المثل لما يريد تعليمه، وتارة يصحب كلامه القسم بالله تعالى، وتارة يلفت السائل عن سؤاله لحكمة بالغة منه صلى الله عليه وسلم، وتارة يعلّم بطريق الكتابة، وتارة بطريق الرسم، وتارة بطريق التشبيه أو التصريح، وتارة بطريق الإبهام أو التلويح.

وكان صلى الله عليه وسلم تارة يورد الشبهة ليذكر جوابها، وتارة يسلك سبيل المداعبة والممازحة فيما يعلمه، وتارة يمهد لما يشاء تعليمه وبيانه تمهيدًا لطيفًا، وتارة يسلك سبيل المقايسة بين الأشياء، وتارة يشير إلى عللها لذكر جوابها، وتارة يسأل أصحابه وهو يعلم ليمتحنهم بذلك، وتارة يسألهم ليرشدهم إلى موضع الجواب، وتارة يلقي إليهم العلم قبل السؤال، وتارة يخص النساء ببعض مجالسه ويعلمهن ما يحتجن إليه من العلم، وتارة يراعي حال من بحضرته من الأطفال والصغار، فيتنزل إليهم ويعلمهم بما يلاقي طفولتهم ولهوهم البريء، إلى غير ذلك من فنون تعليمه صلى الله عليه وسلم(3).

وقد جاء عن علي رضي الله عنه قوله: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ ‌أَنْ ‌يُكَذَّبَ ‌اللهُ ‌وَرَسُولُهُ!»(4)، والمعنى الذي تدل عليه هذه الآثار أن من الحكمة أن يقدم الإنسان المعرفة بالقدر والطريقة التي تناسب حال المتلقي.

وفي واقع التعليم والدعوة اليوم، يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالفكرة النافعة قد تفقد أثرها إذا قدمت في بيئة لا تملك أدوات فهمها، بينما قد تتحول الفكرة نفسها إلى مشروع إصلاح إذا وجدت من يستوعبها ويطبقها.

فقه البلاغ الدعوي

يكشف موقف سعيد بن جبير عن جانب مهم من شخصية العالم: أنه لا يجعل كثرة المستمعين معيارًا وحيدًا لقيمة ما يقدم، فربما كان الصمت في بعض الأحوال أكثر نفعًا من الكلام، لأن المقصود من العلم ليس مجرد الانتشار، وإنما الهداية والإصلاح.

وهذا يختلف عن كتمان العلم المذموم؛ فإن الشريعة حثت على نشر العلم وتعليمه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة: 159)، لكن الفرق أن نشر العلم يكون بحكمة، والكتمان المذموم هو منع الحق عمن يحتاج إليه، أما اختيار الوقت والمكان المناسبين فهو من فقه البلاغ.

ولهذا كان العلماء يفرقون بين طالب العلم الذي يبحث عن الفهم، وبين من يطلب الكلام للجدل أو لا يملك أدوات التلقي، ونُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا ‌حَدِيثًا ‌لَا ‌تَبْلُغُهُ ‌عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»(5).

وكان رضي الله عنه وأرضاه لا ينظر إلى كثرة الجماهير ولا يفرح بها، بل يحذر منها، فعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: رَأَى ابْنَ مَسْعُودٍ نَاسٌ فَجَعَلُوا يَمْشُونَ خَلْفَهُ، فَقَالَ: «أَلَكُمْ حَاجَةٌ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «‌ارْجِعُوا ‌فَإِنَّهَا ‌ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ»(6).

وهذا المبدأ حاضر في ميادين كثيرة اليوم؛ فالمربي الناجح لا يقدم كل شيء لكل عمر، والقائد لا يطرح كل مشروع في كل مرحلة، وصاحب الخبرة لا يضع تجاربه في بيئة لا تعرف كيف تستثمرها.

كيف صنع التوقيت المناسب فارقًا في تأثير سعيد بن جبير؟

في موقف سعيد بن جبير تظهر صورة من صور القيادة الهادئة؛ فالقيادة ليست دائمًا في المبادرة بالكلام، بل قد تكون في معرفة لحظة التأثير المناسبة.

لقد امتلك العلم، لكنه لم يجعل امتلاك العلم سببًا للعجلة في عرضه، وهذه خصلة تحتاج إلى ضبط النفس؛ لأن الإنسان قد يرغب طبيعيًا في أن يُظهر ما عنده، خصوصًا إذا كان يملك معرفة نافعة، لكن الحكمة تقتضي أن يسأل: أين يكون الأثر أعظم؟

ومن هنا يظهر الفرق بين صاحب الرسالة وصاحب الحضور؛ فالأول يبحث عن ثمرة العمل، والثاني قد ينشغل بمجرد الظهور، والعالم الرباني يقدّم المصلحة على الرغبة الشخصية.

ومن أمثلة ذلك ما ثبت عن أبي مسلم الخولاني، قال: دخلت مسجد حمص فإذا فيه نحوا من ثلاثين كهلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا لا يتكلم ساكت، فاذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي من هذا؟ فقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فوقع في نفسي حبه فكنت معهم حتى تفرقوا(7).

وفي عالم الإعلام المعاصر، تزداد الحاجة إلى هذا الفقه؛ فليس كل من يملك فكرة يحتاج إلى نشرها فورًا، وليس كل منصة مناسبة لكل خطاب، فاختيار الجمهور والسياق جزء من نجاح الرسالة، كما أن جودة المحتوى جزء منه.

دور التقدير المجتمعي في تعظيم شأن العلم

العلم في ذاته عظيم، لكنه يحتاج إلى بيئة تحفظه وتستثمره، ولذلك كانت المدارس العلمية الكبرى في التاريخ الإسلامي مرتبطة بوجود طلاب ومجالس وأهل اختصاص.

فالكوفة لم تكن مجرد مكان انتقل إليه سعيد بن جبير، بل كانت بيئة علمية تحمل تقاليد الرواية والفقه والمناظرة، وهناك وجد من يعرف قيمة ما عنده، فصار عطاؤه أكثر ظهورًا وانتفاعًا.

ومن أمثلة تقدير العلم ما ثبت عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ نَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيْرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ مَنْ تَرَى؟ فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْألَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيبْلُغُنِي الحَدِيْثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيْحُ عَلَيَّ التُّرَابَ، فَيَخرجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ! أَلَا أَرْسَلتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُوْلُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلَكَ، قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا الفَتَى أَعقَلُ مِنِّي(8).

وعن عبدالوهاب بن عطاء الخفاف: حدثني مشايخ أهل المدينة أن فروخاً أبا عبد الرحمن بن ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، فدخل بيته، وقال لزوجته: أخرجي المال الذي لي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار، قالت: قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام، ثم خرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن بن زيد وابن أبي علي وأشراف أهل المدينة وأحدق الناس به، فقالت المرأة لزوجها فروخ: اخرج فصل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة فأتاها فوقف عليها.، فقال: من هذا الرجل فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: فقد رفع الله ابني، ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ فقال: لا والله بل هذا، فقالت: فإني أنفقت المال كله عليه، قال: فو الله ما ضيعته(9).

وهذا لا يعني أن قيمة الإنسان مرتبطة بتقدير الناس فقط، وإنما يعني أن الحكمة تقتضي مراعاة قوانين الاجتماع البشري؛ فالرسالة تحتاج إلى حامل، والعلم يحتاج إلى طالب، والخبرة تحتاج إلى مؤسسة أو بيئة تستثمرها.

بلاغة التشبيه في قوله: انشر بزك حيث تعرف

تميزت عبارة سعيد بن جبير بقوة البيان؛ فقد لم يقل كلامًا طويلًا في شرح موقفه، وإنما قال: «انشر بزك حيث تعرف»، وهذه الجملة تجمع بين المعنى العلمي والاجتماعي والتربوي، ففيها تشبيه العلم بالمتاع النفيس الذي لا يوضع إلا في الموضع الذي يعرف قيمته، وهي صورة بلاغية تجعل القارئ يدرك أن المشكلة ليست في قيمة البضاعة، بل في معرفة السوق التي تستقبل فيها.

وهكذا كان من خصائص كلام الحكماء أنه قليل الألفاظ، واسع الدلالة؛ لأن التجربة الطويلة تختصر أحيانًا في عبارة واحدة تبقى عبر القرون.

تطبيقات معاصرة لفقه تنزيل العلم في موضعه

يقدم موقف سعيد بن جبير قاعدة تتجاوز مجال الحديث والرواية إلى مجالات الحياة كلها: قيمة العمل لا تنفصل عن حسن موضعه، فالمعلم يحتاج إلى معرفة مستوى طلابه، والداعية يحتاج إلى معرفة أحوال مدعويه، والقائد يحتاج إلى معرفة استعداد فريقه، والكاتب يحتاج إلى معرفة جمهوره، وليس المقصود أن ينتظر الإنسان الكمال في الناس، وإنما أن يقدم الخير بالطريقة التي تزيد فرص الانتفاع به، ومن هنا يظهر أن الحكمة ليست في كثرة العطاء فقط، بل في حسن توجيهه، فرب كلمة قيلت في وقتها صنعت أثرًا كبيرًا، ورب كلمة نافعة قيلت في غير موضعها لم تجد طريقها إلى القلوب.

ويبقى موقف سعيد بن جبير مثالًا على أن العالم لا يقاس فقط بما يقول، بل أيضًا بما يعرف متى يقول، فقد جمع بين تعظيم العلم وحسن تنزيله على الواقع، فلم يجعل الصمت انسحابًا، ولا الكلام هدفًا في ذاته، وإنما جعل كليهما وسيلة لتحقيق الغاية الكبرى: إيصال الحق إلى من ينتفع به.

إن عبارة «انشر بزك حيث تعرف» ليست دعوة إلى حبس المعرفة، بل إلى ترشيد نشرها، وإلى إدراك أن الحكمة في الرسائل العظيمة لا تكمن في مضمونها وحده، بل في الزمان والمكان والإنسان الذي يستقبلها.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 324).
  • 2 لسان العرب: ابن منظور (5/ 311).
  • 3 الرسول المعلم وأساليبه في التعليم: عبدالفتاح أبو غدة، ص 63- 64.
  • 4 صحيح البخاري (127).
  • 5 صحيح مسلم (1/ 11).
  • 6 مصنف ابن أبي شيبة (5/ 302).
  • 7 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: الأصفهاني (1/ 230).
  • 8 سير أعلام النبلاء (3/ 342).
  • 9 وفيات الأعيان: ابن خلكان (2/ 289).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة