حين يترك الأب الحرمين من أجل نفقة البنات

رحلة أب يسعى على بناته.. عكرمة مولى ابن عباس

رسم تصويري يجسد رحلة أب في السعي على بناته من خلال قصة عكرمة مولى ابن عباس

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن عَبْدالعَزِيْزِ بن أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: قُلْتُ لِعِكْرِمَةَ: تَرَكْتَ الحَرَمَيْنِ، وَجِئْتَ إِلَى خُرَاسَانَ؟! قَالَ: أَسْعَى عَلَى بَنَاتِي.

وعن شَبَابَة قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُوْسَى بنُ يَسَارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ جَائِياً مِنْ سَمَرْقَنْدَ عَلَى حِمَارٍ، تَحْتَهُ جُوَالِقَانِ، فِيْهِمَا حَرِيْرٌ، أَجَازَهُ بِذَلِكَ عَامِلُ سَمَرْقَنْدَ، وَمَعَهُ غُلَامٌ، وَقِيْلَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ إِلَى هَذِهِ البِلَادِ؟ قَالَ: الحَاجَةُ(1).

في ترجمة رجل عرف بالعلم والرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، يضع الذهبي أمام القارئ مشهدًا يبدو لأول وهلة بعيدًا عن مجالس العلم: عكرمة في خراسان وسمرقند، يسأل عن سبب خروجه من الحرمين، فلا يذكر طلب شهرة ولا منصبًا ولا مغامرة في الآفاق، وإنما يجيب بكلمتين شديدتي الوضوح: «أسعى على بناتي»، ثم يجيب في الرواية الأخرى: «الحاجة».

ولا تخبرنا الروايات بتفاصيل نوع الكسب الذي خرج له عكرمة، فلا يصح الجزم بأنه خرج تاجرًا، ولا أن الحرير المذكور كان بضاعته؛ فالنص صريح في أن عامل سمرقند أجازه به، أي أعطاه إياه جائزة، لكن القدر الثابت يكفي لبناء معنى بالغ القوة: عالم من كبار التابعين يضرب في الأرض بسبب حاجته ونفقته على بناته، ولا يرى في التصريح بذلك ما ينتقص من مقامه العلمي.

ميزان تقديم واجب النفقة على شرف مجاورة الحرمين

يحمل سؤال عبدالعزيز بن أبي رواد شيئًا من الدهشة: «تركت الحرمين، وجئت إلى خراسان؟!»، فالحَرَمان موطن العبادة والعلم، ومجاورتهما شرف عظيم، بينما خراسان بعيدة عن البيئة التي نشأ فيها عكرمة وتلقى فيها عن ابن عباس، ومع ذلك لم يحتج عكرمة إلى خطاب طويل لتفسير اختياره؛ قال ببساطة: «أسعى على بناتي».

وهنا يظهر ميزان شرعي بالغ الأهمية: الفضائل لا ينظر إليها منفصلة عن الواجبات، فقد يكون الإنسان أمام عمل فاضل في ذاته، لكن في ذمته حق أوجب منه.

قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 233)، فجعل النفقة حقًا لازمًا بحسب المعروف والاستطاعة، كما قال سبحانه بعد صلاة الجمعة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة: 10)؛ فالجمع بين العبادة وابتغاء الرزق ليس تناقضًا، بل هو من نظام الحياة الذي جاءت به الشريعة، ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته على أهلك.. أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك»(2).

فقد ينظر الناس إلى الخروج للسعي على أنه انتقال من «مقام روحي» إلى شأن دنيوي، بينما يقلب الميزان النبوي الصورة: النفقة على الأهل نفسها باب عظيم من أبواب الأجر.

فضل السعي على البنات في الهدي النبوي

اختار عكرمة أن يذكر البنات تحديدًا، ولم يقل فحسب: أطلب المال أو أبحث عن الرزق، وهذا يجعل المشهد أقرب إلى معنى المسؤولية منه إلى مجرد الرغبة في التوسع.

وقد اعتنت السنة بشأن البنات عناية ظاهرة؛ ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار»(3)، والابتلاء هنا بمعنى الاختبار والتكليف بما في التربية والنفقة والرعاية من مؤنة ومسؤولية، لا بمعنى ذم البنات، ومن هنا تكتسب كلمة عكرمة وزنها: لم تكن البنات هامشًا يؤجل حتى تتيسر الظروف، بل كن سببًا يدفع الأب إلى الحركة.

وهذا جانب من التربية قد يغيب حين تختزل الأبوة في المحبة العاطفية، فالمحبة في التصور الإسلامي تتحول إلى نفقة ورعاية وبذل واحتمال للمشقة، ليس المهم أن يقول الأب إنه يحب أسرته، وإنما أن تظهر هذه المحبة في الوفاء بحقوقهم.

وفي واقع الأسر اليوم يتكرر المعنى بصور جديدة: أب يغير مكان عمله ليؤمن حاجات أسرته، أو يقبل مشقة سفر، أو يتعلم مهارة جديدة، أو يعيد ترتيب أولوياته، ليست كل تضحية مالية بطولة استثنائية، لكنها حين تكون وفاء بحق من يعولهم تصبح جزءًا من أخلاق المسؤولية التي اختصرها عكرمة في قوله: «أسعى على بناتي».

لماذا لا تسقط الحاجة المعيشية مكانة العالم؟

عندما سئل عكرمة عن مجيئه إلى تلك البلاد قال: «الحاجة»، لم يكن في اعترافه بالحاجة ما يجرح مكانته، مع أنه الإمام الذي أخذ عن ابن عباس وقصده طلاب العلم.

وقد حفظت كتب التراجم بقية المشهد على نحو يزيده وضوحًا؛ فقد ذكر المزي أن عكرمة شوهد عائدًا من سمرقند على حمار، وتحته جوالقان فيهما حرير أجازه به عامل سمرقند، كما جاء عنه، في خبر آخر ضمن الترجمة نفسها، أنه لما عرض عليه بعض الناس عمامة قال إنه لا يأخذ من الناس وإنما يأخذ من الأمراء(4).

وهذا الأخير خبر عن تصرف عكرمة واختياره الشخصي، ولا يصح أن نستخرج منه وحده حكمًا عامًا في قبول عطايا الولاة؛ فتلك مسألة لها تفصيلها الفقهي المتعلق بمصدر المال وحال الآخذ وما يترتب على العطية، لكن الخبر يكشف أن صورة العالم في المجتمع الأول لم تكن صورة إنسان خارج حاجات البشر.

العالم يحتاج، ويأكل، ويعول أبناءه، وقد يرحل بسبب حاجته، والاعتراف بذلك لا ينقض الزهد؛ لأن الزهد الشرعي ليس تعطيل الأسباب، ولا ادعاء الاستغناء عما لا يستغني عنه الإنسان، وإنما ألا يستعبد المال القلب وألا يحمل صاحبه على الحرام أو التنازل عن الحق.

وحين يضغط المجتمع على أصحاب العلم والدعوة ليظهروا كأنهم بلا حاجات بشرية، فقد يدفع بعضهم إلى صناعة صورة غير واقعية، أما عكرمة فلم ير حرجًا في كلمة واحدة صريحة: الحاجة.

هل الكسب يناقض الزهد؟ تصحيح مفهوم الزهد وعلاقته بالسعي

من الأخطاء المتكررة ربط الزهد بقلة الحركة في طلب الرزق، مع أن السنة أثنت على الكسب الحلال، فعن المقدام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده»(5)، وداود عليه السلام نبي ملك، ومع ذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمله وكسبه في مقام الثناء، فالشرف ليس في الفقر لذاته ولا في الغنى لذاته، وإنما في سلامة الطريق وصدق المقصد وحسن القيام بالحقوق.

ومن هنا لا يصح تصوير خروج عكرمة إلى خراسان وكأنه مفارقة بين «العالم» و«طالب الدنيا»، الذي تقوله الرواية أبسط وأعمق: الرجل له بنات وله حاجة، فخرج يسعى.

وهذا الفهم يعيد التوازن إلى مفهوم التدين في حياة العامل والطبيب والمعلم والتاجر والموظف، ساعات الكسب الحلال التي يقصد بها الإنسان كفاية نفسه وأهله ليست وقتًا مسروقًا بالضرورة من الآخرة؛ فقد تتحول النية والوفاء بالحقوق إلى باب من أبواب العبادة، فالدين لا يريد من الإنسان أن يهرب من الدنيا، وإنما أن يحسن موضعها في قلبه ويده.

الفرق بين التوكل الشرعي وانتظار الظرف المثالي

في قول عكرمة «أسعى» معنى لا يقل أهمية عن قوله «على بناتي»، لم يقل: لي بنات أحتاج إلى النفقة عليهن فحسب، وإنما عبّر بفعل الحركة، وهذا يلتقي مع أصل قرآني متكرر: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (الملك: 15)، فالرازق هو الله، لكن عباده مأمورون بالأخذ بالأسباب.

ولذلك لا يكون التوكل مرادفًا للقعود، كما أن بذل الأسباب لا يعني الاعتماد عليها استقلالًا عن الله، إنما يجتمع في قلب المؤمن افتقاره إلى ربه، وفي جوارحه سعيه فيما أباحه الله.

ولا تخبرنا المصادر التي بين أيدينا بمقدار المسافة التي قطعها عكرمة في هذه الرحلة ولا بزمنها، ولذلك لا حاجة إلى أرقام تقديرية قد توهم دقة لا يملكها النص، يكفينا أن الانتقال من الحرمين إلى خراسان، ثم ظهور عكرمة في سمرقند يدل على رحلة بعيدة بمقاييس عصره، وأن السبب الذي صرح به لم يكن إلا الحاجة والسعي على بناته.

وهذا المعنى شديد الصلة بمن يطيل انتظار «الظرف المثالي» للعمل: وظيفة قرب البيت، أو مشروع بلا مخاطرة، أو دخل بلا مشقة، الحياة لا تعد الإنسان دائمًا بهذه الصورة؛ وقد يكون من تمام المسؤولية أن يتحرك إلى حيث توجد الفرصة المشروعة.

خطورة الحكم على الظواهر بمعزل عن المعاناة

تنتهي إحدى الروايات بصورة لافتة: عكرمة عائد من سمرقند على حمار، وتحته جوالقان فيهما حرير، أعطاهما إياه عامل سمرقند(6)، ولو التقط المرء نهاية الصورة وحدها لرأى الحرير والجائزة والغلام، لكنه سيفقد مفتاح القصة: «ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ قال: الحاجة».

وهذه من مشكلات الحكم على الناس من نتائجهم الظاهرة، يرى المرء ثمرة رحلة ولا يرى سببها، ويرى مالًا في يد إنسان ولا يرى حاجته السابقة، ويرى استقرارًا مهنيًا ولا يعرف سنوات السعي التي سبقته.

والخبر لا يمنحنا الحق في تصوير عكرمة ثريًا بسبب هذه الجائزة، ولا في تقدير قيمتها، لكنه يعلمنا ألا نعزل نهاية الطريق عن بدايته، خلف الجوالقين رجل خرج من موطنه وقال بوضوح إنه إنما جاءته الحاجة.

وفي الحياة المعاصرة كثير من القسوة الاجتماعية، مصدرها قراءة اللحظة الأخيرة فقط؛ فنقارن أنفسنا بمن وصل ولا نعرف مسافة سيره، أو نحكم على صاحب رزق من ظاهر ما عنده ولا نعرف أبواب حاجته والتزاماته.

تكامل السعي المعيشي مع نشر الفقه الشرعي.. عكرمة نموذجاً

كان عكرمة حاملًا لعلم ابن عباس، ومع ذلك لم تمنعه منزلته العلمية من السعي في شؤون معاشه، وهذه نقطة حضارية مهمة؛ لأن المجتمع السليم لا يصنع خصومة مفتعلة بين التخصص العلمي وبين القدرة على إدارة شؤون الحياة.

بل إن دخول عكرمة خراسان كان يحمل معه - بحكم كونه عكرمة - علمه أينما ذهب، وإن لم يصح لنا أن نزعم أن هدف الرحلة الأول كان نشر العلم.

ومن الشواهد التي حفظتها المصادر عن المغيرة بن مسلم قال: لما قدم عكرمة خراسان قال أبو مجلز: سلوه ما ‌جلاجل ‌الحاج؟ قال فسئل عن عكرمة عن ذلك فقال وأنى هذا بهذه الأرض؟ ‌جلاجل ‌الحاج: الإفاضة، قال فقيل لأبي مجلز، فقال: صدق(7).

وهذا فرق مهم بين النية المثبتة والأثر الناتج: المثبت عن عكرمة أنه جاء للحاجة والسعي على بناته؛ وأما وجوده عالمًا في تلك البلاد فقد جعل العلم يصاحبه حيث حل.

وهكذا يستطيع الإنسان أن يجمع بين أبواب متعددة من الخير، قد يخرج لعمله، فينفع بخبرته، ويسافر لطلب رزقه، فيحمل معه خلقًا وعلمًا، وليس مطلوبًا أن يضع لكل حركة في الحياة عنوانًا وعظيًا ضخمًا؛ يكفي أن تكون غايته مشروعة وطريقه مستقيمًا.

كيف تتجلى المحبة الأسرية في البذل والسعي؟

تختصر الروايتان جانبًا عميقًا من شخصية عكرمة: عالم يسأل عن سبب مفارقته موطنًا شريفًا إلى أرض بعيدة، فيجيب: «أسعى على بناتي»، ولعل قيمة العبارة تكمن في أنها لم تحتج إلى تجميل.

لم يقل: خرجت أطلب الدنيا، ولم يزعم أنه خرج لأمر لم تثبته الرواية، كانت له حاجة، وكان وراءه بنات، فتحولت الحاجة إلى سعي.

وفي زمن يكثر فيه الحديث عن الطموح الفردي وبناء الذات، يعيد هذا المشهد إلى الواجهة طموحًا آخر أقل صخبًا وأعظم أثرًا: أن يقوم الإنسان بحق من استرعاه الله إياهم.

فالمسؤولية الأسرية ليست عبئًا خارج مشروع الإنسان؛ إنها جزء من مشروعه الأخلاقي نفسه، والنفقة لا تنقص من روحانية المرء؛ فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم أعظم تلك الدنانير أجرًا ما أنفقه الرجل على أهله.

ومن الحرمين إلى خراسان، ومن خراسان إلى سمرقند، بقي تفسير عكرمة للرحلة بالغ البساطة؛ الحاجة والبنات، وربما كان هذا هو الدرس الأعمق في المشهد؛ ليست المسؤولية دائمًا خطبة كبيرة؛ أحيانًا تكون رجلًا يعرف ما عليه، ثم يقوم ويسعى.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 27-28).
  • 2 صحيح مسلم (995).
  • 3 صحيح البخاري (1418).
  • 4 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/ 285).
  • 5 صحيح البخاري (2072).
  • 6 سير أعلام النبلاء (5/ 27).
  • 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (41/ 95).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة