فقه الكرامة بعد التحولات الكبرى
عروة بن الزبير.. كيف بقيت الكرامة بعد سقوط الدولة؟
يذكر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عروة بن الزبير(1).
الزُّبَيْرُ: حَدَّثَنَا
مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
قَالَ: قَدِمَ عُرْوَةُ بن الزبير عَلَى عبدالملك بْنِ مَرْوَانَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى
السَّرِيرِ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَوَقَعُوا فِي عبدالله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَ
عُرْوَةُ وَقَالَ لِلْآذِنِ: إِنَّ عبدالله أَخِي، فَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ
تَقَعُوا فِيهِ فَلَا تَأْذَنُوا لِي عَلَيْكُمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعبدالملك، فَقَالَ
لَهُ عبدالملك: حَدَّثُونِي بِمَا قُلْتَ، وَإِنَّ أَخَاكَ لَمْ نَقْتُلْهُ
لِعَدَاوَةٍ ; وَلَكِنَّهُ طَلَبَ أَمْرًا وَطَلَبْنَاهُ، فَقَتَلْنَاهُ، وَإِنَّ
أَهْلَ الشَّامِ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوا رَجُلًا إِلَّا شَتَمُوهُ،
فَإِذَا أَذِنَّا لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، فَقَدْ جَاءَ مَنْ يَشْتُمُهُ، فَانْصَرِفْ(2).
تقف هذه الرواية
عند لحظة فارقة من التاريخ الإسلامي؛ لحظة انتهاء الصراع بين عبدالله بن الزبير وعبدالملك
بن مروان، وانتقال الأمر السياسي كلياً إلى الدولة الأموية بعد مقتل ابن الزبير
بمكة.
تخيّل أن تطأ
قدمك بلاط الخليفة المنتصر، والدمُ لم يجفّ بعد عن سيفه من مقتل أخيك الأكبر شقيق
روحك؛ تتخطى الرقاب حتى تجلس معه على سرير الملك، وفي اللحظة التي يظن فيها
الجلساء أن الهزيمة السياسية كسرت قناتك، ينبري أحدهم بالطعن في أخيك الشهيد، فتقف
كالطود الأشمّ دون خضوع مُذل ولا اندفاع أهوج، وتضع خطاً أحمر بكلمات معدودة تجبر
أمير المؤمنين نفسه على الاعتذار والتراجع! تلك لم تكن مناورة سياسية، بل كانت
هندسة أخلاقية صاغها الفقيه عروة بن الزبير، ليعلّم التاريخ كيف تبقى الهيبة
والكرامة شامخة حتى بعد سقوط الدول.
لكن أهمية
المشهد لا تكمن في الحدث السياسي فحسب، بل في السؤال الأخلاقي الذي يطرحه: كيف
يتصرف الإنسان بعد أن يخسر فريقه السياسي، ويصبح موازياً لمن كان خصمه بالأمس؟ هل
يتحول إلى خصومة لا تنتهي؟ أم ينحدر إلى ذل وتنازل مهين؟ أم يستطيع أن يحفظ مقامه
وكرامته مع التعامل الحكيم مع الواقع؟
تقدم شخصية
التابعي الجليل عروة بن الزبير نموذجاً راقياً؛ الاعتراف بالواقع دون فقدان
الوفاء، والتعامل مع السلطة القائمة دون سقوط الهيبة والقدر الشريف. وفي هذا
المعنى، يتجلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ
خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ»(3).
كيف واجه عروة بن الزبير عبدالملك بلا ذلة؟
كان المشهد يحمل
تناقضاً ظاهرياً؛ فعروة يدخل على عبدالملك بن مروان، وهو الخليفة الذي استقرت له
أركان الدولة بعد مقتل أخيه عبدالله بن الزبير.
ومن زاوية
القرابة، كان عبدالله أخاه الأكبر، ومن زاوية التاريخ السياسي كان خصماً مهزوماً
للدولة الجديدة.
ومع ذلك لم يكن
دخول عروة دخول المنكسر الذليل، ولا دخول الثائر الباحث عن إعادة إشعال المعركة،
بل كان دخول العالم الرصين الذي يعرف أن لكل مرحلة مسؤوليتها.
لقد كان عروة
يدرك أن الصراع المسلح قد انتهى، وأن الأمة لا تبنى بإعادة فتح الجراح، لكنه لم
يقبل أن يتحول انتهاء الحرب إلى إسقاط لكرامة بيته أو النيل من حرمة أخيه.
وهنا يظهر
الفارق بين قبول الواقع السياسي وبين الاستسلام له؛ فالإنسان الحكيم قد يتعامل مع
السلطة القائمة، لكنه لا يتنازل عن وفائه.
وقد تجسد هذا
المبدأ في مواقف كبار رجالات الأمة؛ كدخول الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما على
معاوية بن أبي سفيان بعد عام الجماعة بكبرياء السيادة النبوية، وكدخول الأحنف بن
قيس على معاوية بن أبي سفيان بكرامة وعزة؛ حيث أظهر عزة النفس وحفظ القدر دون
تملق.
طريقة عروة بن الزبير في حماية حرمة أخيه الشهيد
حين دخل قوم في
مجلس عبدالملك فوقعوا في عبدالله بن الزبير وطعنوا فيه، لم يرفع عروة صوته
بالصراخ، ولم يدخل معهم في جدال، ولم يحول المجلس إلى خصومة جديدة.
لكنه خرج وقال
للآذن كلمة صريحة: «إن عبدالله أخي، فإذا أردتم أن تقعوا فيه فلا تأذنوا لي
عليكم».
هذه الجملة
الحاسمة تحمل منهجاً متكاملاً في إدارة الكرامة والصيانة النفسية.
فهو لم يقل: لن
أدخل على الخليفة، ولم يقل: سأشاهر بالسيف، وإنما وضع حداً واضحاً: يمكنكم أن
تختلفوا سياسياً، لكن لا تجعلوا مجلسي مكاناً للطعن في أخي.
إنها طريقة
راقية في الدفاع عن الرموز والقرابات؛ ليست فيها مهاجمة للطرف الآخر، ولا تنازل عن
الحق الشخصي والوفاء للرحم.
وفي واقع الناس
تبرز قيمة هذا المسلك؛ فالمرء يستطيع إقامة حدود صلبة تمنع تحويل الاختلاف إلى
تحقير وإسقاط.
ويشبه هذا
الموقف موقف الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين سُئل في مجلس معاوية عن عليّ
بن أبي طالب رضي الله عنه بما يفيد النقص، فلم يقع في عليّ بل بين بلسان حازم
مناقبه قائلًا: «لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم»(4)،
فصمت معاوية واحترم موقفه، وكذلك موقف عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في حظر
الوقيعة في الصحابة والأقربين بمجلسه زاجراً من يحاول شتم المخالفين سياسياً.
قال الله تعالى:
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ
وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر: 18).
لماذا أجلس عبدالملك عروة بن الزبير على السرير؟
قد يُساء فهم
موقف عروة إذا نظر إليه بعين واحدة؛ فالبعض قد يرى دخوله على عبدالملك نوعاً من
التراجع، بينما يرى آخرون أن المقام مقام تسامح سياسي.
لكن الوقائع
تقدم ما ينقض معنى الذلة؛ فعروة عندما دخل، أجلسه عبدالملك معه على السرير، وهو
موضع الإكرام والصدارة.
ثم لما تعلق
الأمر بحرمة أخيه لم يسكت ولم يداهن.
وهنا يظهر أن
العزة الحقيقية ليست في أن يرفض الإنسان كل تواصل مع السلطة القائمة، وإنما أن
يدخل وهو محتفظ بقيمته ومبادئه وشروطه الأخلاقية.
قال الله تعالى:
(وَلَا تَهِنُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139).
فالعلو هنا ليس
علو الغلبة العسكرية فحسب، وإنما علو المبدأ، وثبات القيمة، وسمو الأخلاق.
وقد تجلت هذه
العزة في سيرة التابعين؛ كعزة سالم بن عبدالله بن عمر حين دخل عليه الخليفة هشام
بن عبدالملك في الكعبة وقال له: سلني حاجة، فقال سالم: «إني لأستحيي من الله أن
أسأل في بيت الله غير الله»، فلما خرجا أعاد عليه الخليفة: الآن سلني حاجة من
حوائج الدنيا، فقال سالم: «ما سألتها ممن يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها؟»(5)،
وموقف أبي حازم سلمة بن دينار حين سأله الخليفة سليمان بن عبدالملك عن الرعية،
فتحدث بكل عزة علمية، وحين عرض عليه المال أبى وقال: «إني أخاف أن أركَنَ إليكم
شيئًا قليلًا، فيذيقني الله ضعفَ الحياة، وضعفَ الممات، ثمَّ لا يكون لي منه
نصيرًا»(6).
لماذا اختار مصعب السيفَ وعروة بن الزبير العلمَ؟
تكشف سيرة أبناء
الزبير بن العوام عن اختلاف عميق في الرؤية والأدوار لمواجهة مرحلة اضطربت فيها
الموازين. فعبدالله بن الزبير اختار طريق الإمارة والمواجهة السياسية المباشرة،
ومضى في مشروع الخلافة في الحجاز حتى استشهد بمكة. ومصعب بن الزبير حمل عبء
الإمارة والقتال الميداني في العراق، ودخل المعارك الكبرى حتى قتل في معركة مسكن.
أما عروة فاختار
طريقاً مختلفاً بالكلية: طريق العلم والفقه وتأسيس المعرفة. لم يكن هذا الطريق
هروباً، بل كان اختياراً واعياً لميدان آخر رأى أنه أقدر على خدمة الأمة وحفظ
ديمومتها فيه؛ فبينما كانت السيوف تنتهي بانتهاء المعارك، كان العلم يبني ما بعد
المعارك ويحمي هوية الأمة.
تتجلى عبقرية
البيت الزبيري في تقديمه نموذجين مكتملين لحماية الأمة؛ فبينما كان مصعب بن الزبير
يرى أن الكرامة وتثبيت الحق يُحفظان بصهيل الخيل ومقارعة السيوف في الميدان
السياسي، مقتنعاً بأن الشرف العسكري والموت تحت ظلال السيوف هو الخيار الوحيد لمن
تولى أمر العراق وشكل الدرع الأول لدولة أخيه عبدالله، كان عروة بن الزبير يرى
بعين الفقيه البصير أن المواجهات العسكرية محكومة بدورات الزمن والقتلى فيها
يذهبون، بينما البناء العلمي والتربوي هو السلاح الأبدي الذي يحمي عقيدة الأمة
وهويتها بعد أن تنجلي العواصف.
مصعب اختار
النبالة الشجاعة والموت فداء لمشروعه السياسي متسنماً المجد العسكري، حيث ثبت
بشجاعة نادرة في معركة دير الجثاليق حين تفرق عنه أصحابه وغدر به أهل العراق، ومع
ذلك رفض الأمان الذي عرضه عليه عبدالملك بن مروان، وفضل القتال بسيفه حتى قُتل
قائلاً: «إن الفرار ليس لي بغير عادة، ولكن أقاتل، فإن قُتلت فما السيف لي بعار»(7).
وفي المقابل،
اختار عروة العزة العلمية وحفظ ميراث النبوة متسنماً الإمامة الفقهية؛ فخرج فور
انقضاء الصراع السياسي إلى المدينة والعقيق، فعكف على جمع السنة والتفقه والتعليم
حتى غدا أحد الفقهاء السبعة الذين يدور عليهم الفتيا؛ وكلاهما انطلق من ذات النبعة
الزبيرية الشهمة، غير أن سيف مصعب قطعه المنشار السياسي في مسكن، بينما قلم عروة
بنى مدرسة الفقه المدني التي غمرت الآفاق وبقيت ممتدة في الفقه والحديث والسيرة.
فقه الاعتزال الإيجابي وحماية الميراث النبوي
قد يظن البعض أن
الابتعاد عن المعترك السياسي المباشر يعني غياب التأثير، لكن تجربة عروة بن الزبير
تثبت العكس.
فالأمم في أوقات
المحن لا تحتاج فقط إلى من يدير الصراع، بل تحتاج بالقدر نفسه إلى من يحفظ
معاييرها الأخلاقية والدينية بعد انتهاء الصراع، لقد كان عروة ابن بيت سياسي كبير،
ويعرف لغة السلطة، لكنه اختار أن يحفظ ميراث النبوة بدلاً من أن يكون جزءاً من
دورة النزاع.
وهذا من عميق
فقه الفتن: ليس كل دخول في الصراع شجاعة، وليس كل اعتزال له ضعفاً. فالإنسان
الحكيم يحتاج إلى معرفة المجال الذي يستطيع أن ينفع الأمة فيه بفعالية، والوقت
الذي يكون فيه البناء العلمي أنفع وأبقى من المواجهة.
ويتطابق هذا
المسلك مع موقف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في اعتزال الفتنة والتفرغ للعبادة
والعلم؛ فعندما اقتتل الفريقان اعتزل الصراع تماماً متمسكاً بحفظ المعايير الشرعية(8)،
وموقف الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (تلميذ عروة) الذي أدرك أن انشغال الأمة
بالصراعات كاد يذهب بالسنة، فاعتزل الفتنة وعكف على تدوين الحديث النبوي وبثه في
الآفاق بمؤازرة عمر بن عبد العزيز، وموقف الإمام أيوب السختياني في اعتزال أسباب
الفتن والتفرغ لنشر السنة وتربية الطلاب، معتبراً أن السيف قد يفنى ولكن العلم
الراسخ هو الذي يبني المجتمع بعد الفتنة.
تفسير الخليفة للصراع السياسي مع ابن الزبير
لم يواجه عبدالملك
بن مروان اعتراض عروة بالغضب، بل استدعاه وناقشه بمنطق الحاكم الممتن لمكانة هذا
البيت.
وقال له موضحاً
الرؤية السياسية: إن أخاه لم يقتل بسبب عداوة شخصية، وإنما لأنه «طلب أمرًا
وطلبناه، فقتلناه». هذا التعبير الصريح يكشف عن رؤية سياسية مجردة للصراع؛ حيث
حاول عبدالملك تفسير القتال بوصفه منافسة على الحكم والسلطان لا مجرد خصومة شخصية.
ثم ذكر له طبيعة
بعض جنده من أهل الشام في شتم من قتلوا، وأخبر عروة بكل صراحة أن وجود من يطعن في
أخيه سيكون سببًا لخروجه وعدم إيذائه. وهنا تظهر صورة نادرة من الأدب والتعامل بين
خصمين سابقين: عروة يحفظ حرمة أخيه ووفاء بيته، وعبدالملك يفهم موقعه النفسي
والرحمي ولا يفرض عليه حضور مجالس يعلم أنها تؤذيه.
ويشبه هذا
الاستيعاب موقف عبدالملك بن مروان نفسه عند وضع رأس مصعب بن الزبير بين يديه؛ فلم
يشمت به، بل استقل موقفه واستحضر صحبته القديمة وبكى وقال: «كان بيني وبين مصعب
صحبة قديمة وصفاء.. وإن الملك عقيم»(9)، مقدراً شجاعته ومكانته، وموقف
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مع الأحنف بن قيس؛ حين يتكلم الأحنف بالحق
بحضرته دون خضوع، فيتقبل معاوية كلامه بحلم وإجلال قائلاً لجلسائه: «لو غضبَ لَغضب
معه مئةُ ألفِ سيف، لا يسألونه لِمَ غضب»(10).
وفي الحديث
النبوي الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ،
إنَّما الشَّديدُ الَّذي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ»(11).
كيف تجاوز عروة آثار سقوط دولة أخيه؟
من أعظم الدروس
الأخلاقية التي تكشفها هذه القصة أن الانكسار السياسي لا يعني بحال سقوط الإنسان
أو ضياع قيمته. فقد خسر آل الزبير دولة الخلافة بمكة والعراق، لكن عروة لم يخسر
مكانته ولا هيبته في قلوب الأمة. لم يدخل مرحلة الانتقام، ولم يقع في الانكسار، بل
أعاد توجيه طاقته بالكامل إلى مجال علمي وتربوي بقي فيه أثره مخلداً عبر القرون.
وهذه قاعدة جليلة في حياة الأفراد والمجتمعات: قد يخسر الإنسان معركة معينة، لكنه
يستطيع أن يربح دوره التاريخي الخالد إذا عرف أين يضع جهده وكيف يستثمر طاقته.
ويتجسد هذا
المعنى في موقف الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) الذي شهد فاجعة كربلاء ومقتل
أهله، فلم يستسلم لليأس، بل أعاد توجيه جهده نحو العلم والعبادة وعول فقراء
المدينة بالليل، حتى صار مقصد العلماء والعُباد وعم أثره الأمة، وموقف عبدالله بن
عباس رضي الله عنهما بعد تحولات الصراع السياسي؛ حيث صرَف جهده بالتفرغ لتفسير
القرآن ونشر الفقه وبناء مدرسة العلم في مكة والمدينة والبصرة، حتى صار «ترجمان
القرآن»(12) وحبر الأمة، وموقف محمد بن الحنفية بعد انقضاء الصراع
ومقتل عبدالله بن الزبير، إذ لم يستسلم لمشاعر الثأر، بل قال: «أنا رجل من
المسلمين فإذا اجتمعوا على أحدكما بايعت»(13)، فلما استقر الأمر بايع لعبدالملك
بن مروان وتفرغ لنشر الحكمة والعلم. عملا بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا
إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: 10).
عبادته وورعه.. سياج التقوى ونور الخلوة
لم تكن عزة عروة
بن الزبير وموقفه الصلب أمام السلطة مجرد هيئة ظاهرة، بل كانت نتاجاً طبيعياً لعمق
تعبده وشدة ورعه؛ فقد كان رحمه الله ملازماً لورد القرآن الكريم بالنهار والقيام
به بالليل، وصائماً للهواجر، ومتحرياً للحلال الخالص في نفقته وبنائه، مما جعل
تقواه حصناً له عند الشدائد ومصدر هيبته في قلوب الملوك.
وقد سلك هذا
المسلك التابعي عامر بن عبد قيس رحمه الله في لزوم العبادة الخالصة والورع الشديد،
حيث كان يصلي حتى تنتفخ ساقاه، ويتحرى الحلال في مطعمه وماله، صائناً دينه عن
الفضول.
ويتطابق هذا
البناء الروحي مع وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد
في بقاء أثر العلماء مقارنة بأصحاب السلطة والأموال: «هلك خزان الأموال وهم أحياء،
والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة»(14)،
وقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله في بقاء العمل الصالح والعلم النافع واضمحلال
الصراعات الزائلة: «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل»(15).
تكشف قصة عروة
بن الزبير مع عبدالملك بن مروان عن شخصية متوازنة فذة جمعت بين الوفاء الأخلاقي
للرحم والواقعية السياسية الحكيمة، وبين العزة الإيمانية والحكمة التربوية.
فالزاوية
المركزية التي ركزنا عليها هي كيف استطاع رجل خسرت أسرته الحرب السياسية أن يحفظ
مقامه الشريف وهيبته العالية دون أن يتورط في خصومة انتقامية صاخبة ودون أن ينحدر
إلى ذل المداهنة أو التنازل عن حرمة أخيه الشهيد.
لقد أدرك عروة
أن الكرامة لا تتطلب دائمًا حصر النفس في خيار المواجهة المسلحة، بل تجسدت في
اختيار طريق بناء الإنسان بالرسوخ العلمي حين اختار غيره طريق السيف والتنافس على
السلطان.
فأبقى للأمة ميراثاً فقهياً شامخاً بقي حياً بعد أن انطوت صفحة الصراع السياسي وزال صخب الملك، لتبقى سيرته شهادة تاريخية على أن الثبات الحقيقي هو أن يظل الإنسان وفيًا لقيمه وثوابته مهما تغيرت موازين القوة وتداعت الأحداث.
الهوامش
- 1 عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، ولد سنة 23هـ، وهو تابعي جليل وأحد فقهاء المدينة المنورة السبعة. أخذ العلم عن كبار الصحابة ومن أبرز شيوخه خالته أم المؤمنين عائشة، وأبوه الزبير، وأبو هريرة، وابن عباس، واشتهر بالفقه والحديث وتدوين المغازي والعبادة والصبر، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 423).
- 3 صحيح مسلم (4/ 2052/ 2664).
- 4 المصنف، ابن أبي شيبة (18/ 67/ 34270).
- 5 المجالسة وجواهر العلم (1/ 384/ 80).
- 6 إيضاح طرق الاستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة، ص 225.
- 7 البداية والنهاية (12/ 139).
- 8 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (3/ 519)، وقال المؤلف: انظر: فتح الباري (14/ 178)، وأخرج قول سعد بن أبي وقاص: الإِمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إِلَّا اللَّه (96) (158).
- 9 البداية والنهاية (8/ 348).
- 10 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (9/ 87).
- 11 صحيح البخاري (5/ 2267/ 5763).
- 12 الطبقات الكبرى، متمم الصحابة (1/ 148/ 45).
- 13 العواصم من القواصم، ص 328.
- 14 جمع الجوامع المعروف بـ«الجامع الكبير» (17/ 697) (965/ 4).
- 15 أيسر التفاسير للجزائري (4/ 654).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً